ديوان الشاعر جعفر محسن الأمين
عاش مأساة وكتب هزلا

السفير (الثلاثاء، 3 كانون الأول / ديسمبر 2002)

محمد الحجيري

الكتاب: ديوان الشاعر السيد جعفر محسن الامين
تحقيق وتقديم: حبيب جابر
دار الفارابي 2002

ديوان السيد جعفر محسن الأمين

     من يقرأ ديوان الشاعر جعفر الامين، لا بد وان يتوقف عند مسار عائلته وتحوّلاتها. فهذا الشاعر الذي أسدل الستار عن ديوانه اخيراً، هو من اسرة عاملية (نسبة الى جبل عامل) ودينيه معروفة. والده السيد محسن الامين نزيل دمشق ومرجع الطائفة الشيعية فيها، أسس المدرسة العلوية، التي اصبحت تعرف بعد وفاته ب”المدرسة المحسنية”، لكن الاكثر دلالة وعبرة في هذه الاسرة هو ان اولاد السيد محسن الامين لم يستأنفوا خط والدهم الديني، يمكن القول انهم انتقلوا الى “مذاهب” اخرى، فهاشم مثلا من قادة الحزب الشيوعي، وعبد المطلب كان مشهورا بخمرياته وتقربه من الشيوعيين، وحسن صار قاضيا، اما جعفر فيبدو للمرء من خلال قراءة ديوانه، اكثر خصوصية من اخوته، فهو ايضا كان في الحزب الشيوعي، وعاش حياة لها اوجه وتستدعي التأمل.

نظم الشعر الذي يتسم بالطرافة والفكاهة والدعابة في المعنى الادبي، في المقابل كتب نصه الرائد “سيرة حياة وذكريات” من يقرأه يفاجئ بمضمونه العابق بالمعاني، من خلاله يحكي سيرة طفولته وسيرة امه كما يعرفها وكيف عاشت القسوة والهوان والذل والتشرد.

“والدتي (يقول جعفر الامين) افريقية سوداء، سرقها مسلم مع من سرق من اطفال بين اناث وذكور من افريقيا الشرقية”. وهو بالتالي يزيح الستار عن كؤوس غصص تجرّعتها الام في البدء، فهي اذ تم جلبها كخادمة ولا تزال في الرابعة والخامسة عشرة من سنها، واشتراها والدي الشاعر او قدمت له هدية، في وقت كان يسكن وحيدا في بلدته شقرا، وعائلته في دمشق، وبإزاء هذا استأجر لها بيتا وتزوّجها وعندما عاد الى دمشق (حيث عائلته) تركها في شقرا وهي حامل بالسيد جعفر وعندما وضعت طفلها ارسل احدهم يخبر السيد محسن بالمولود الجديد ويطلب منه الاسم الذي يريده للطفل، فأتاه الجواب بأن يسموه (حسن) وهكذا كان. وبقي على هذا الاسم بضعة شهور، وحين انجبت خالته (او زوجة ابيه)، طفلا استنسبت ان تسميه الا ب”حسن” نكاية بوالدته فسقط عنه الاسم ودُعي بغيره.

جعفر الامين الذي عاش مآسي الحرب العالمية الاولى، كم يبدو حزيناً على امه فهو يكتب ما يشبه الصرخة عنها يقول: “كم هي حرقة وحسرة ان يفرق بين أم وولدها وهي التي ليست لها في هذه الدنيا الواسعة الا هذا الطفل الضعيف” المرعب ان جعفر أُبعد عن والدته التي طردت على ما يبدو، لتعيش في الخفاء في دمشق في اوقات نادرة كان يلتقيها طفلها، لكن حين انتقل الى شقرا مع والده واخواته وبقيت امه في دمشق، لم يعد يراها بقي طيفها يأتي مع احد اقاربه الذي طالما نقل له اخبارها، الا ان جاء الخبر الأخير الذي يعلن وفاتها دون اهتمام من الأقارب بالأمر.

يمكن القول إن ما يكتبه الشاعر جعفر الامين عن والدته في حيثياته هو ادب “كشف المستور” ورفع الستار عن الظلم الذي ألحقوه بها.

ورث جعفر الامين عن امه خصائص سكان افريقيا الشرقية. البشرة السمراء والشعر الاجعد، وهو نشأ محبا للادب منطلقا الى الاحاطة بثقافات عصره حيث دأب على التحرك في مجالس الادب التي زخرت بها البقعة العاملية، وتلقى علومه الاولى في شقرا مع اخوته على يد السيد موسى سليمان، انتقل الى دمشق ليتابع دراسته في “المدرسة العلوية” وعام 1927 قدم الى النبطية محاولا الدخول في السنة الخامسة الابتدائية، في المدرسة الرسمية التي كانت الاولى بين مدارس الجنوب الحكومية في ذلك الحين، الا انه لم يقدر على الصمود لعدم قدرته المادية من جهة، ومن جهة ثانية لان اكثر الدروس كانت باللغة الفرنسية، الا انه تابع دراسته على نفسه بما في ذلك تحصيل اللغة الفرنسية التي ساعده على تعلمها بعض اصدقائه حيث التحق على الاثر بدورة تعليمية في دار المعلمين وعين بعدها في العام 1930 معلما في النبطية، وفي كفرصير وفي اواسط الثلاثينات نظم بواكير قصائده ومنها انتقل الى النبطية ليلتحق بعدها بمدرسة الدوير الرسمية ومن ثم بسبب انتمائه الى الحزب الشيوعي نقل تأديبياً مع عدد من رفاقه المعلمين الى محافظة الشمال، ثم الى بلدة شمسطار البقاعية. 
 

الشعر الفكاهي 

يضع الشيخ علي مروة، شعر جعفر الامين ضمن ما يسمى “الشعر الفكاهي” لكن هذا لا يعدو كونه شعر التندر والتسلية والإمتاع والمؤانسة ضمن اطار حلقات محصورة النطاق، لكن الفكاهة في الحقيقة ليست سوى وجه من وجوه شعره. الذي لم تغب عنه صورة الواقع الاجتماعي والمرحلة التاريخية التي عاشها، فهو بالغ في مخالفة المألوف والتمرد على التقاليد، غير عابئ بالمحظورات والقيم الدينية والاخلاقية. ويحض على التمتع باللذات والنيل من حظوظ الدنيا 

كأس وطاس والتهام اطايب / وغناء عاهرة وصحبة أمرد

اللافت في شعر جعفر الامين هو غياب الأغراض التي زخرت بها دواوين الشعراء كالمدح والهجاء والغزل والرثاء. فالمدح وان احتل منزلة رفيعة عند الشعراء لا يعدو كونه في نظر جعفر غرضا يشين الشاعر، واذا ترفع عن الهجاء المثير للضغينة والكراهية لم يتورع عن هجاء نفسه دون ان يأبه بما تزينه النفس ذاتها. حتى انه لُقّب بالحطيئة. 

كذلك لم يلق الغزل عنده اي اهتمام لانه انصرف الى العناية بكل المخلوقات، وفي الرثاء لم نقف في ديوانه الا على قصيدة يتيمة في هذا الباب نظمها في رثاء احد اصدقائه، اذا ما استثنينا قصيدته في “رثاء معزاة” والتي يقول فيها: 

ازرى بحالي شيحة سمحا / وتعففٌ وتجمّل وإباء
وتعشـّق طاغ لكل محبّب / حملته ارض او حوته سماء
نعمت بتحناني وصدق مودتي / الناس والحيوان والاشياء

يبقى القول ان جعفر الامين شاعر حقيقي، عاش حياته كما هي، وقالها كما هي.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic