محكمة قضاء بنت جبيل
"محشورة" في 30 متراً مربعاً فقط!

السفير (الجمعة، 20 كانون الأول / ديسمبر 2002)

كامل جابر

موظفون ومحامون ومواطنون في الممر

     تتقوقع المحكمة المنفردة في مدينة بنت جبيل في أقل من ثلاثين متراً مربعاً، هي قطعة من “سنترال” المدينة، تضم على ضآلة حجمها قاعة المحكمة، التي تؤلف مكتب القاضي في آن معاً، وغرفة المحامين المتوحدة مع أروقة الانتظار، وغرف الكتبة والمباشرين، بعدما تحولت جدرانها المفصولة عن سقفها بتفسّخ متنوع، إلى “جداريات” تزركشها “فسيفساء” الأحكام والقرارات والدعوات.

سنتان انقضتا بعد التحرير، مع سبعة من الأشهر، ووزارة العدل لم تهتد بعد إلى مبنى يليق بمحكمة عاصمة القضاء. فمساحة غرفة القاضي المنفرد من اثني عشر متراً مربعاً “فقط لا غير”، فيها مكتب يتيم وخزانة تشبهه، وبضع كراسي متناثرة تشكل مقاعد تحوّل الغرفة إلى قاعة محكمة، أما الجدران والسقف، فلا تخلو من الندوب والتفسخ.

وفي الجهة المقابلة غرفة تبلغ نحو ستة أمتار مربعة، فصلت عن نصفها الآخر المثيل من حيث المساحة والوضع المزري بجدار، حوّل الأولى إلى غرفة رئيس القلم والكاتب، يجلسان خلف مكتب لا ثاني له، والثانية إلى غرفة للأرشيف من مكتبين لثلاثة كتبة. وبين الغرف المتواضعة إلى حد الزوايا، ممر من أربعة أمتار من حيث الطول، ومترين عرضاً، يشكل غرفة الانتظار من دون مقاعد أو وسائل تكييف أو تدفئة أو حتى مرحاض، يتزاحم فيها المحامون مع المتقاضين وقوفاً ولساعات طويلة أحياناً في جوّ خانق صيفاً، فكيف به في عزّ البرد والمطر؟

ويوم الجمعة من كل أسبوعين، يطول “طابور” المنتظرين، إلى المدخل، وأمام المبنى، حتى أن بعضهم يتوزع بين محال السوق ودكاكينها، أعينهم منتصبة على المبنى “القزم” في انتظار الدور. ومن يلج في البناء الخالي، لا يميز في أحيان كثيرة بين المحامي والمتقاضي، أو بين الموظفين الستة في المحكمة.

أما القاضي المنفرد في هذه المحكمة الوديعة، فؤاد مراد، فهو قاضي المحاكمات المدنية والجزائية، وقاضي التحقيق والنيابة العامة وكل ما يدور في هذه المحكمة.

“ننتظر موعد الجلسات في الشارع خارجاً وتحت المطر أحياناً، إذ لا أمكنة في المحكمة” كلمات لخّص فيها أحد المتقاضين، يوسف أيوب، حال البناء. وأضاف: “نشعر بالمهانة أحياناً، لا غرف أو مقاعد تستوعب الأعداد المتدفقة إلى محكمة مركز القضاء. بعض المسنين يحتاج أحياناً للدخول إلى المرحاض، وعليه أن يبحث عن ذلك في محلات المدينة أو بيوتها. لا يجوز أن تبقى المحكمة في هذا المبنى الضيّق على هذا الشكل، وهذا ما يضعف من هيبتها وهيبة القضاء ويسيء إلى الناس أبناء هذه المنطقة، أو القادمين إليها”.

وتقول المحامية مريم الشامي أنها زارت وزير العدل في مكتبه في الوزارة، وشرحت له وضع الأبنية في محافظة النبطية، ومنها مبنى قضاء بنت جبيل “ووعد بزيارة، ونأمل أن يتحقق هذا الوعد، كي يطلع الوزير شخصيا على الوضع المتردي عن كثب، خصوصاً بعدما زاد الضغط على هذه المحكمة في أعقاب التحرير”.

اما عضو مجلس نقابة المحامين المحامي سمير فياض فقد اشار الى “إن ما يسمّى محكمة بنت جبيل، يشكّل أمراً مزرياً ومعيباً لا يليق بالقضاء، وأن تكون محكمة في مركز قضاء على هذا النحو السيء، إن من حيث الموقع، أم من حيث التجهيزات. وأن يحشر القاضي فؤاد مراد الذي يتمتع بنزاهة ودراية وإتقان لمهنته، في زاوية مع الموظفين والمحامين والمتقاضين، لا تزيد عن ثلاثين متراً مربعاً. هذا الأمر يدعونا إلى التمني على وزير العدل سمير الجسر، الذي هو محام أصلاً ونقيب سابق لمحامي الشمال أن يستكمل جولته التي بدأها لمحاكم جونية وجبيل بزيارة تفقدية لمحكمتي بنت جبيل وحاصبيا حتى يطلع ميدانياً على الواقع المأساوي لهاتين المحكمتين، الذي لا يليق بهيبة القضاء ومكانته”.

وأضاف فياض : “لا يجوز أن يستمر الحال بما هو عليه، خصوصاً بعد التحرير وزوال كل الأسباب والمبررات التي كانت تفرض هذا الإهمال وتؤخر في معالجة موضوع تأمين مقر أرحب، تتوافر فيه المقومات الأساسية المطلوبة للمحكمة، ولمقتضيات العدالة وعمل القضاء والمحاماة. ويجب أن يحل هذا الأمر في أسرع وقت ممكن."

يتجمد المتزاحمون في الممر الضيّق انتظاراً، من برد “كانون”، يقتلون الفراغ بتعاظم الشكوى وبتعداد النواقص. وفي ذروة الامتعاض، يوحدهم الإجماع على أن هيبة محكمة بنت جبيل المنفردة، تتوه في المبنى “الفقير” إلا من سيرورة أدائه وأحكامه، علّ الأيام المقبلة تحمل إليهم تباشير التعويض عما يلحق بأبناء المناطق الجنوبية من إجحاف وإهمال!

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic