دراسة لاحسان شرارة عن موسى الزين شرارة
شاعر ثائر لم يرهبه التكفير

النهار (الخميس، 16 كانون الثاني / يناير 2003)

أمية درغام

الكتاب: "موسى الزين شرارة الشاعر الثائر في محيطه العاملي"
المؤلف: احسان شرارة

تعمق كتاب احسان شرارة الذي هو دراسة لرسالة ديبلوم في الادب العربي من جامعة INALCO - باريس، في دراسة شاعر من جبل عامل هو موسى الزين شرارة. ففي العنوان يتضح ان المؤلف فعل أكثر من الغوص في بحور الشعر اذ فتح الباب على تاريخ طويل لجبل طالما اشتهر بأنه كان منبعاً للشعراء والادباء والمفكرين.

ابتعد شرارة المؤلف زمنياً عن شرارة الشاعر للاحاطة بتاريخ جبل عامل من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية، ليثبت مدى تأثر الشاعر بمحيطه الذي لا يقتصر زمناً على تاريخي ولادته ورحيله، خاصة انه عاش فترة حرجة سبقت مراحل تأسيس لبنان الكبير وانتهت مع لبنان الحديث بحروبه ومآسية منذ 1902 حتى .1986 وجبل عامل، كما قال المؤلف، "لم يشكل طوال تاريخه كياناً سياسياً وانما كان اقطاعيات تتمدد او تنكمش تبعاً لسلطة الحاكم الذي يدين له بالولاء أمراء او مشايخ جبل عامل، الذين كانوا بدورهم يتولون ادارة شؤون البلاد ويدافعون عنها ويحافظون على الامن ويجبون الاموال التي يكلفون بها من قبل الوالي التركي" (ص21). 

ولا شك ان حكم الاقطاعيات الذي استمر في شكل او في آخر مع الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال، كان له التأثير البالغ في شعر موسى الزين شرارة، فهو لم يتوان عن انتقاد الاقطاع كيفما كان وجهه او لونه مطالباً بالعلم بدل الجهل، رافضاً للزعامات التقليدية حين لا تحقق إلا مصالحها الخاصة، موجهاً كلماته ضد بعض رجال الدين، غير خائف من محاولات التكفير، وهو القائل: 

"قالوا: كفرت! فقلت: في افعالكم / وسخرت من تضليل كل مدجل". 

ويتساءل السيد حسن الامين الذي قدم للدراسة قبل رحيله: "كيف يكون كافراً من يقول: 

"زعموا بأن الدين فرق بينهم / حاشاه! بل هو جهلهم بالدين
الدين كان ولا يزال منارة / تهدي الورى للشاطئ المأمون"

اذاً، تخبرنا دراسة شرارة في 137 صفحة من 303 صفحات، في شكل روائي سلس عن تاريخ جبل عامل، وباسلوب يبتعد عن الجفاف الذي ألفه التلامذة في مناهجهم. انما يبقى التاريخ بمفهومه وجهة نظر، فكيف اذا كان هذا التاريخ هو عن منطقة عاشت ظروفاً واحداثاً حرجة تحكمت فيها الطائفية التي حاربها الشاعر شرارة بشراسة، فبات من الصعب الخروج عن الاساطير الداعمة لها، اساطير الزعامات والحرمان الذي عاناه كل اللبنانيين في فترات متفاوتة ومستويات مختلفة. 

وفي الدراسة، اطلالة على كتابات عاملية تصور الامس بمختلف جوانبه، كانت منارتها مجلة "العرفان" التي لعبت دوراً كبيراً في انشاء حركة ثقافية في جبل عامل وفي اطرافه، وفيها نشر موسى الزين شرارة للمرة الاولى عام 1928 (ص 149). يقول: 

"عجباً ارى انواره (العلم) قد اشرقت / وهدى الانام جميعهم بضيائه
وأهاب فيهم داعياً فتنبهوا / ومشوا لذود الجهل تحت لوائه
إلا بني وطني اذا اغشاهم / في نوره وثبوا الى اطفائهّ!
والمطفئون له هم كبراؤنا / يا ويح هذا الشعب من كبرائه
منعوه من ورد العلوم مخافة / ان يهتدي للقصد بعدعمائه
شبابنا البسلاء هل من وثبة / تسمو بموطنكم الى عليائه؟
وتعيد ماضي عزه وفخاره / وتقيله من بؤسه وشقائه
فإذا الشباب تقاعست عن نصره / فمن الذي يرجى الى احيائه؟!
أتراه يرجو الخير في زعمائه / والشر كل الشر في زعمائه!
هم أسلموه الى المذلة والشقا / هم عين علته ورأس بلائه (...)"

وبالاضافة الى مجلة "العرفان"، يروي المؤلف الحياة العلمية المدرسية في جبل عامل، ويسوق شهادات مكتوبة عن مدرسة الامس مقارناً إياها بما كتبه مارون عبود وميخائيل نعيمة عن المدرسة الاولى، ليؤكد حرمان اهل جبل عامل ما توافر لنعيمة وعبود، وهذا يعود في رأيه الى الارساليات الدينية ومنح الشهادات ابتداء من الشهادة الابتدائية، بينما يبقى ابن جبل عامل دون شهادة تعترف له بما حصله من علم. 

وفي الكتاب، حكاية اقفال 111 مدرسة خلال الانتداب الفرنسي في عهد الرئيس اميل اده بينها 45 مدرسة في جبل عامل. 

ويتحدث الكتاب عن مدارس جبل عامل في الفترة العثمانية، مخصصاً لبلدة الشاعر بنت جبيل جزءاً لا بأس به. ويتطرق الى العلاقة بين جبل عامل وايران. 

وعن الشاعر موسى الزين شرارة، عرض لولادته في "شهادة تعريف" مدعمة في ختام الكتاب بصورة عن اخراج قيده العائلي وعن هويته، وما شهده من احداث ايام العثمانيين وصولاً الى ثورة الشريف حسين وانتهاء الحرب العالمية الاولى ومؤتمر وادي الحجير حيث اندلعت نار الطائفية والى سقوط حكم العرب والانتداب الفرنسي، مع ما رافق تلك المرحلة من ظهور لاحزاب سياسية وحركات شبابية، وانخراط الشاعر في الحياة العامة منذ بداياته في كتابة الشعر وسفره الى افريقيا ومن ثم العودة الى الوطن، حيث اصابته الصدمة لرؤيته التخلف والجهل متحكمين في ابناء جبل عامل.

وفي الكتاب صور للشاعر مع اصدقائه وصور فردية، وصفحات خصصت لـِ"بعض ما قيل فيه"، ومنها ما كتبه المؤلف احسان شرارة في "النهار" في 13-9-1986 (ص11)، بالاضافة الى تواريخ مهمة كان لها تأثير كبير في هذه المنطقة بعنوان "حتى لا ننسى هذه التواريخ" وهي تمتد من 1095 الى 1937.

جاء الكتاب في 368 صفحة من القطع الكبير ولا شك ان ما كتبه السيد حسن الامين في مقدمة الدراسة، يلقي الضوء على أهمية الشاعر موسى الزين شرارة وأهمية ثورته، حيث يقول في الصفحة :8 "ان الشاعر موسى الزين شرارة من الاوائل الذين تنبهوا الى ما تمضي به الحياة العربية في مختلف ميادينها في نهاية الحرب العالمية الاولى من تطلع الى العلم ونقمة على الاجنبي المستعمر، واعتراض على ما يجري باسم الدين وهو ليس من الدين (...)". 
 
 

إحسان شرارة - الأستاذ والأديب
نبـذة عن حيـاته

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic