20 عاماً على ملحمة عاشوراء البطولية
في مواجهة الاحتلال في النبطية

اللواء الأربعاء، 12 آذار «مارس» 2003)

علي داود

المشاركون في عاشوراء عام 1983 في النبطية يهاجمون شاحنة عسكرية إسرائيلية ويشعلون النار بسيارة جيب عسكرية

     عشرون عاماً على الملحمة البطولية التي سطّرها أبناء النبطية ومنطقتها، في مواجهة قوات الإحتلال الإسرائيلي في العاشر من محرم من العام 1983 في ساحة الإمام الحسين (ع) في مدينة النبطية التي تحمل اسمه، وحينها إنطلقت شرارة المقاومة ضد الإحتلال لتعم كل الجنوب، وتحوّل نهار العدو وليله إلى جحيم، حتى انكفأ عن أرضنا على مراحل في العام 1985، وصولاً إلى أيار العام 2000 ·

وها هي فلسطين الأسيرة تسير على نفس الطريق، تلقّن العدو الدرس تلو الآخر، حتى أصبح الشوق إلى حريتها قريب المنال، وإشراقة شمس الأقصى قاب قوسين أو أدنى·

"لـواء صيدا والجنوب" يسلط الضوء على انتقال عاشوراء إلى النبطية واستعدادات احيائها لهذا العام، ويستحضر انتفاضة عاشوراء في العام 1983، حيث يلتقي إمام مدينة النبطية العلامة الشيخ عبد الحسين صادق·

عاشوراء، ثورة الحق على ا لباطل سجلت ملاحم خالدة في التاريخ ومنها امتشق الثائرون في العالم سيف الحسين في كربلاء وجسّدوا قوله: "والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد"، وهو ما يزال ينطبق على كل ساحٍ جهادية في لبنان وفلسطين، والنبطية التي تتميز عن غيرها بإحياء ذكرى عاشوراء كل عام سجلت ملحمة بطولية عندما تصدى ضريبة الحيدر بسيوفهم المخضّبة بالدماء لقافلة عسكرية إسرائيلية استفزَّت مشاعرهم عندما اخترقت جموعهم المحتشدة قرب النادي الحسيني في العاشرة والنصف من صباح العاشر من محرم في العام 1983، فاندفعوا مواجهين العدو ومحرقين شاحنة وآلية نصف مجنزرة وجيب ويلّس، وفرّ حينها جنود الإحتلال مختبئين خلف المنازل، تاركين آلياتهم تحترق، وهو مشهد انطبع في الذاكرة وأسس للمقاومة التي حررت الأرض·

تحيي مدينة النبطية التاسع من محرم عصر اليوم (الأربعاء) بمسيرة ذات طابع مميز متواتر عن أعوام سلفت بلغت حوالى القرن، ومن المقرر أن تنطلق من أمام النادي الحسيني في النبطية نحو النبطية الفوقا في خط سير يبلغ أكثر من 6 كلم وهي تمثل انتقال الإمام الحسين وآل بيته من المدينة المنوّرة إلى كربلاء في العراق، ويشارك فيها اللطيمة التي تلطم الصدور، وترافقها اعداد من الخيل والجمال والسبايا، وتُرفع فيها لافتات ورايات سوداء، وتواكبها سيارات تتكلل بالسواد وتبث مجالس عزاء، وسط حشود من المواطنين الذين يصطفون في ثوب من الحداد على جانبي الطريق وعلى الشرفات وأسطح البنايات، على أن تعود إلى النادي الحسيني في النبطية، حيث يُلقي إمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق كلمة بالجموع·

أما غداً (الخميس) في العاشر من محرم، فتُختتم المراسم بتشخيص موقعة الطف في كربلاء على بيدر المدينة، وتتخللها معارك بالسيوف والرماح وتنتهي بحز الرؤوس بالأمواس وضربها بالأكف حتى تسييل الدماء، فتخضَّب الأكفان البيضاء، في تقليد يشارك فيه أبناء المنطقة والجوار·


وفي هذا العام اتخذت قيادتا حركة "أمل و"حزب الله" قراراً مركزياً بإلغاء المسيرات الحزبية، تحاشياً للإحتكاك كما حصل في عاشوراء السنة الماضية، وحفاظاً على وحدة الصف في هذه المرحلة الحسّاسة·
 

الشيخ صادق

وتحدث الشيخ عبد الحسين صادق عن الإنتفاضة التي حصلت في العام 1983 ضد العدو في النبطية، مشيراً إلى انها جاءت بتأثير مفاهيم عاشوراء، وهذا المخزون العظيم الموجود في صدور أبناء الجنوب، الذين توارثوه عبر أجيال طويلة ومتراكمة، انها مواجهة الظلم بكل معانيه، حيث الإحتلال يطعن الكرامة ويستبيح المقدسات ويصادر الحرية، وهذه معانٍ كلها رفضها أبو عبد الله الحسين (ع) في العاشر من محرم، فحينما حاول الإحتلال المتغطرس أن يستفز بمروره عبر الجماهير مشاعر أبناء المدينة والمنطقة المحتشدين لاحياء ذكرى سيد الشهداء، تحركت معاني عاشوراء في قلوبهم، واندفعوا بما يمتلكون في ساعتها من وسائل وبأيديهم فقط بزخم عاشوراء ومعانيها، وبهتاف واحد، وبصيحات عالية "هيهات منا الذلة"، وطوّقوا رتل العدو وحافلاته، وراحوا يرشقونهم بالحجارة غير مبالين بقوة العدو، فاضرموا النار بآلياته ودباباته وتشابكت وتعاضدت الأيدي على إكمال هذا المشهد المهيب العظيم، فكانت جذوة المقاومة واشتعلت الثورة في حينه، وانطلقت بعد انضمام الجماهير إلى بعضها البعض من مختلف المستويات، يتقدمهم الثقل الشعبي من المناطق المجاورة·

وأضاف: وهذا المخزون الثوري والنضالي تحوّل فيما بعد إلى سلسلة من المواجهات مع الإحتلال، وإلى قوافل من الشهداء راحت تضرب العدو في مختلف مواقعه، واكبه الصمود الشعبي الرائع، الذي تكلل بعد سنين من هذا الصبر، ومن المقاومة الجريئة، حيث تولد النصر في العام 2000، ولُقن العدو المتغطرس درساً لن ينساه، وقدّم أبناء الجنوب بصمودهم وتضحياتهم وبإصرارهم على التحرير والإنتصار لمعاني عاشوراء من مواجهة الظلم وفتح أبواب الحرية، قدموا نموذجاً رائعاً للمناضلين ضد الظلم والمتطلعين إلى استرداد حقوقهم مهما كلفت من تضحيات، وها هم أبناء فلسطين يستمدون العزم من أبناء الجنوب، يقاتلون الإحتلال لاستعادة المقدسات الشريفة·

وحول إلغاء المسيرات الحزبية يومي التاسع والعاشر في النبطية قال الشيخ صادق: طبعاً نحن نُكبر هذه الخطوة التي طالعتنا بها الصحف، والحقيقة انها كانت ثمرة لجهود إبتدأت منذ فترة طويلة، وكانت بدايتها السنة الماضية بعدما وقع إشكال إثر احتكاك بين مسيرتين لحركة "أمل" و"حزب الله"· لذلك توجهت الأنظار بقلوب مخلصة إلى معالجة هذا الوضع، وكانت الإشارة بأن الحل الجذري لا يكون إلا بإلغاء المسيرات المعنّونة أو الحزبية أو المواكب الثنائية، وقبل شهر محرم الحالي بثلاثة أشهر استحضرت الوضع السلبي في السنة الماضية وما قبلها، اتصلت بالأخوة في حركة "أمل" ووجدت تجاوباً كريماً ورائعاً إبتداء من الرئيس نبيه بري وإلى القاعدة، ونقلت هذا الخبر إلى الأخوة في "حزب الله"، وجاءني الرد بعد أيام انه نعم سيُعقد اجتماع بين الطرفين، ويحصل تداول بالأمر وإن شاء الله يكون على الأمر خير، وقد طالعتنا جريدة "اللـــواء" بأن المسيرتين قد الغيتا، فتم ما يتطلع إليه الناس، ونأمل الإلتزام به وهذا ما نطمئن إليه كونه صدر من الجهات العليا للأخوة في قيادتي حركة "أمل" و"حزب الله"·

وختم الشيخ صادق بالقول: لقد كان لي مكاملة مع الرئيس نبيه بري وكان مرتاحاً، وقال لي: "لو أنني استطيع تعميم هذا التوجه أيضاً على كل المناطق، لما قصّرت"·
 

كيف أتت عاشوراء إلى النبطية؟

النبطية عاصمة جبل عامل، اكتسبت اسماً آخر يميزها عن غيرها، هي مدينة الإمام الحسين (ع)، وعرفت كبار رجال الدين وأبرزهم: حسن بن السيد يوسف الحبوشي، الذي بنى أول مدرسة داخل المدينة، وبرز في النبطية زعيما الأدب والشعر والفكر العاملي الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ضاهر، وبعد الفراغ الذي شكّلته وفاة السيد حسن الحبوشي، تداعت فاعليات المدينة واتصلت بالشاعر العالم الشيخ عبد الحسين صادق، الذي كان يسكن في الخيام، وفي عهده بُنيت أول حسينية في النبطية عام 1909، وهي حسينية النبطية، التي كانت أول صرح يُقام في لبنان، لا بل الأول في الشام لإحياء مأتم الإمام الحسين (ع) من خلال منطق أهل البيت (ع)· 

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic