النزاع على الأراضي في بنت جبيل
عمقه الاحتلال وأشعله التحرير

السفير (الثلاثاء، 25 آذار «مارس» 2003)

حسين سعد

     تخطى سعر متر الأرض في الأشهر الأولى من عمر التحرير عتبة المئة دولار أميركي خصوصا في وسط مدينة بنت جبيل ومنطقة “صف الهوا” عند مثلث عيناتا عين ابل بنت جبيل، وسرعان ما تراجع بعد سنة بنسبة تعدت الأربعين في المئة نتيجة عزوف المستثمرين عن طلب شراء العقارات المخصصة لإقامة مشاريع إنتاجية، هؤلاء الذين كانوا السبب في إشعال أسعار الأراضي بمن فيهم المصارف. إذ سجل افتتاح ستة فروع مصرفية في أعقاب عملية التحرير العام 2000، أضيفت الى فرع واحد كان قائما إبان الاحتلال الإسرائيلي، فيما لم يسجل بالمقابل إقامة مشاريع تشغيلية (مصانع معامل شركات)، واقتصر الأمر على عدد من المحال التجارية الاستهلاكية والورش الفنية الصغيرة، ويرجع العديد من المتابعين للنشاط الاقتصادي والتجاري في منطقة بنت جبيل المحررة هبوط سوق العقارات، لا سيما الأراضي، الى عدم عودة أبناء المنطقة بالشكل المتوقع الى قراهم، لدواع أهمها فقدان فرص العمل وغياب ما يسمى البنى التحتية المطلوبة لاستقطاب المواطنين. 

والخلاف المتشعب على الأراضي في معظم بلدات المنطقة ساهم في تكريسه الاحتلال الذي دام أكثر من عقدين من الزمن، ويرى هؤلاء بأن الطلب على الأراضي مع بداية التحرير كان مبالغا فيه، وانه كان مبنيا على تقديرات تساوي بهجة التحرير. 

ومقارنة بين مرحلتي الاحتلال والتحرير فإن أسعار الأراضي التي عادت الى حجمها في الوقت الراهن كانت ارتفعت بعد التحرير بمعدل يساوي بين 20 40 بالمئة وتحديدا في محيط بنت جبيل العقاري عيترون عيناتا كونين بيت ياحون الطيري يارون مارون عين ابل وغيرها. 
 

بيضون: 11 أيلول والعقارات 

ويؤكد مختار بنت جبيل الذي يملك مكتبا عقاريا، حسن بيضون، بأن الإقبال الكثيف على شراء العقارات في بنت جبيل بعد التحرير مباشرة، كان من قبل أغنياء المنطقة وأصحاب الرساميل. ويشير الى أن سبب التراجع الذي بدأ في أوائل العام 2002 يعود الى اكتشاف هؤلاء بأن المبالغ المدفوعة كثمن للأرض وإقامة البناء واليد العاملة لا توازي النتائج المرجوة، باستثناء المصارف، والتي لا تحظى بدورها بالودائع الكبيرة. ويكشف عن أن الطلب على العقارات قد تحرك بعد هجمات 11 أيلول، وهذه المرة من قبل عدد كبير من أبناء بنت جبيل المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية والمقدر عددهم ب22 ألف شخص والذين شعروا بعد هذه الأحداث بضرورة امتلاك منزل في الوطن الأم، مشيرا الى أن السعر الأدنى للدونم في بنت جبيل هو ثلاثين ألف دولار أميركي، والسبب صغر المساحة الجغرافية قياسا بعدد أبنائها الذي يقارب الستين ألفا، يتوزعون بين بلاد الاغتراب والمناطق اللبنانية والبلدة. 
 

بزي: بناء المساكن 

من جهته يلفت المهندس عماد بزي الى أن نحو 40 في المئة من أبناء بنت جبيل لا يملكون منازل في بلدتهم، وان مساحة البلدة التي تقارب ال30 ألف متر مربع لا تتسع لأهلها الذين بدأوا يشترون العقارات بهدف بناء المساكن، من أبناء القرى المحيطة مثل: الطيري عين ابل عيناتا ويارون وكونين، ويشير الى أن هذا الواقع الجغرافي أدى الى ارتفاع أسعار الشقق على قلتها، إذ إن الشقة بمساحة 170 م2 تباع بسعر يتراوح بين 40 50 ألف دولار، وهذا السعر يفوق بعض الشقق في ضواحي بيروت، ويربط تراجع سوق العقارات بشكل عام بتحرك الوضع الأمني على الحدود، وما يرافقه من تهديدات إسرائيلية، مؤكدا على أن أعلى ثمن للدونم في منطقة “صف الهوا” بلغ 30 ألف دولار إبان الاحتلال. وأشار الى إصدار التنظيم المدني في المنطقة أكثر من 1000 رخصة بناء بين العامين 2001 2002، قابلها تشييد أكثر من ألفي مسكن من دون تراخيص في قرى وبلدات منطقة بنت جبيل المحررة، الأمر الذي تسبب بعشوائية في البناء. 
 

الشيخ حسين: ما بعد الاحتلال 

وهنا تختلف المعايير بين بلدة وأخرى، فهناك عدد من البلدات كانت تشهد إبان الاحتلال حركة إعمار وشراء أراضي، ويقول المهندس جميل الشيخ حسين إن سعر الدونم (1000 م2) بيع بأكثر من ثلاثين ألف دولار خلال الاحتلال في بلدة عيترون، لكنه انخفض اليوم الى العشرين ألفا، متوقفا عند مسألة دخل العائلة الذي كان يتجاوز الألف دولار آنذاك، الأمر الذي كان يحرك عملية البيع والشراء. 

ويشير الى تشييد أكثر من مئة منزل جديد في البلدة، بين العامين 2001 2002 من قبل بعض المغتربين والمتحمسين للعودة الى المنطقة بعد التحرير. 

يضيف ان من أسباب جمود هذا النشاط عودة العدد القليل من أبناد البلدة وعدم الاستفادة من التعويضات التي كانت سببا رئيسيا في إعمار قرى بكاملها، وأيضا النزاعات على الأراضي في المنطقة، وهي أراض غير ممسوحة. 

أصبحت آلاف الدونمات من أراضي منطقة بنت جبيل، وخصوصا منها المحررة شبه “موقوفة” لا تصلح للبناء والزراعة نتيجة الخلافات والنزاعات القائمة على ملكيتها، في ظل غياب عملية “المسح”، والتي تسمى بعملية “تحديد وتحرير” تعطى في ضوئها إفادات عقارية، حيث لم تشمل عملية المسح التي بدأت للأراضي في العام 1926 سوى بعض القرى في المنطقة، ومنها تبنين. إذ يعتمد الأهالي في تحديد عقاراتهم على إفادات المخاتير والشهود وحتى الرعاة، عند حصول أي نزاع. 

ومع عودة الأهالي الى قراهم المحررة بعد 22 عاما من التهجير القسري ارتفعت وتيرة المشاكل على الأراضي بعدما عمد الكثير الى استبدال الإفادات الاختيارية والإتيان بشهود جدد تثبت ملكية الأراضي لصالحهم، وذلك في زمن الاحتلال وبالتالي حرمان شركائهم أو جيرانهم، الذين كانوا خارج المنطقة، من حقوقهم في تلك العقارات، مما ترك الباب مفتوحا أمام المحاكم لحل المنازعات ورفع التعديات، إذ تغص محكمة بنت جبيل المدنية بالرغم من مساحتها الضيقة بمئات الدعاوى المقامة بعد التحرير. 
 

حمزة: نزاع على الأرض 

وتؤكد المحامية هادية حمزة التي تتابع ملفات تتعلق بهذا الموضوع بأن أكثر من 80 في المئة من الدعاوى المقدمة في محكمة بنت جبيل هي على خلفية النزاع على الأراضي. وتلفت الى أن الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة قد عمق هذه الخلافات التي كانت قائمة بحدود أقل بسبب عدم امتلاك أصحاب العقارات إفادات عقارية واقتصار ذلك على إفادات مخاتير وشهود وغير ذلك، مشيرة الى أن القضايا المتعلقة بهذا الموضوع تحتاج الى وقت أكبر، وقالت إن المعمول فيه اليوم بالنسبة لتحديد ملكية العقارات هو العلم والخبر الصادر عن مختار البلدة يكون مرفقا بتواقيع جيران العقار المحدد بالإفادة.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic