غوكسيل مغادراً “اليونيفل”:
باقِ في بيروت رغم صعوبتها على متقاعد

السفير (الخميس، 15 أيـار «مـايو» 2003)

ثناء عطوي

Timor Goksel - UNIFIL - Qana
غوكسيل يوم مجزرة قانا

     يودع الجنوب بعد أيام الناطق الرسمي باسم القوات الدولية تيمور غوكسيل، الذي شغلته قضية الجنوب لربع قرن وهو الذي جاءه ليمكث ستة أشهر فقط، لكنه غدا، بعد ذلك “الرجل الأول” في مشهد “اليونيفيل” والمستشار السياسي والمتحدث الرسمي باسمها. 

لن يبتعد غوكسيل كثيراً عن الجنوب. فقد أنهى خدمته ليعمل برتبة أكاديمية محاضرا في الجامعة الأميركية في بيروت في الأشهر المقبلة، مدرّساً مادة حفظ السلام الدولي، وسيكتب في بعض الصحف المحلية والأجنبية. 

يسلسل غوكسيل، في حديث خاص ل”السفير”، المراحل التي مرت فيها “اليونيفيل” ووجوده فيها، منذ عام 1978 حتى منتصف التسعينيات وصولاً الى التحرير، ويربط كل حقبة بقوى النفوذ والسيطرة التي كانت تدير دفة الوضع الجنوبي العسكري والأمني الميداني، كفتح حتى الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، “التي لم يكن تعاونها معنا على المستوى الذي أردناه. وعذرهم كان دائما وجود منظمات لبنانية وفلسطينية أخرى غير “حركة فتح”، عمليا كان لبنان يعيش في خضم حرب أهلية شرسة، ولم يكن هناك دولة في الجنوب. كان علينا التعامل مع فتح حتى في أبسط الأمور ومن أجل أقل الخدمات، في وقت كان الغضب الشعبي اللبناني يتزايد جراء الأسلوب الفلسطيني في إدارة شؤون المنطقة، لم يكن ممكناً أن نتحول قوة تغطي فتح، وقد أدت جهودنا الى اصطدامات جدية بيننا وبين الفلسطينيين، على الرغم من حرصنا على البقاء حياديين”. 
 

الرهائن 

     وقبل أن ينتقل الى الشق المتعلق بالعلاقة بين المقاومة الوطنية والإسلامية و”اليونيفيل”، يتوقف غوكسيل عند مسألة خطف الرهائن، مستذكراً “الكولونيل هيغنز الذي كان من قياديي لجنة مراقبة الهدنة، وآخرين كانوا أصدقاء لي شخصياً. ساهمت عمليات اختطافهم في إبراز صورة مختلفة للبنان لا يزال يدفع ثمنها حتى اليوم تحت عناوين الإرهاب وغيره، بالرغم من أن المجموعة التي قامت بهذه الأعمال كانت صغيرة ومحدودة”. 

وعن دور المقاومة وعلاقتها ب”اليونيفيل” يقول غوكسيل: “الناس تنسى أن المقاومة لم تبدأ ب”حزب الله”. فللمقاومة الوطنية دور أساسي وللحزب الشيوعي دور أكبر فهم كانوا منضبطين وفاعلين، كانت أيضا حركة أمل تقاوم، ومن روادها محمد سعد ثم الشيخ راغب حرب وتجمع الطلاب المسلمين وبعدهم جاء حزب الله، إلا أن المجموعات المذكورة كانت حريصة جدا على عدم إشراك “اليونيفيل” في ما يحدث وإلحاق الأذى بعناصرها. لم يكن أتباع “حزب الله” من الجنوب بل جاؤوا من خارجه. وهم في ذروة مواجهتهم مع المبادئ الغربية وإسرائيل، وكانوا خلافاً للمقاومة الوطنية لا يملكون أدنى فكرة عن ماهية عمل “اليونيفيل” وعن دور أصحاب القبعات الزرقاء الآتين من دول العالم. 

ويتابع: في منتصف الثمانينيات عندما بدأ “حزب الله” يبرز كقوة فاعلة في الجنوب جرت استفزازات غير سارة أدت الى احتكاكات واشتباكات ذهب ضحيتها العديد من جنود “اليونيفيل”، في عام 91 تقدم الحزب بمبادرة لفتح حوار وحل المشاكل معنا، إلا أنه بعد تسلم السيد حسن نصر الله الأمانة العامة (1992)، حدث تحول في مجرى العلاقات التي صارت صحيحة وغير عنيفة، وحينها عيّنوا ضابط ارتباط مع “اليونيفيل” وكان معظم المحازبين من الجنوب وليس من خارجه، فلم يحتاجوا الى تدريب على التعاطي معنا، كانوا يعرفون مهماتنا ودورنا وأداءنا. وهذا سهّل علينا الكثير، إضافة الى أن ما قمنا به في خلال عدواني 93 و96 على الجنوب، تجاه السكان، غيّر من نظرة الحزب إلينا، فتمكنا من احتواء المشاكل، إلا أن وضع العلاقات في إطارها الصحيح لم يكن عملية سهلة أبدا، وقد تلقينا دعما كبيرا من الجيش اللبناني ومن القادة في “أمل” وفعاليات في القرى والمدن. 
 

الخدمات .. مكسبي 

     هذه التجربة المتعددة والطويلة هل ستجد طريقها الى النشر في كتاب مفصل بعد التقاعد؟ نسأله، ويجيب: “لا أدري، الجميع يسألني، وأنا أفكر في الموضوع لكني لم أحسم الأمر بعد”. 

مكسبي الأكبر كان تأمين الخدمات والمساعدات للسكان، وأنا الآن مسرور لأنني أستطيع أن أقود سيارتي في أي منطقة في جنوب لبنان دون التوقف عند نقطة تفتيش والتعاطي مع ميليشيات من كل الألوان. كما أنني أرى في الأمان الذي يحسه أهالي الجنوب مكسباً آخر. فهم عادوا الى قراهم يقطفون محاصيلهم من دون حماية دورياتنا، لكن الى جانب هذه المكاسب أخفقنا في نواح أخرى، ليس لأننا فاشلون بل لأنه كانت لدينا آمال كبيرة بعد الانسحاب الإسرائيلي لم تتحقق، لا سيما في المناطق المحررة وقرى المواجهة. فالخدمات الرسمية قليلة والحاجات كثيرة، صحيح أن لبنان يعاني أزمة اقتصادية لكنني لا أستطيع أن أفهم كيف لم نتمكن من إقناع الدولة بإصلاح طريق مساحتها محددة تمتد من صور حتى الناقورة، فلم نطلب أوتوستراداً ضخماً بل إقفال “فخ الموت” هذا. كذلك أخفقنا في جذب خدمات الدولة الطبية الى الجنوب، وهذا يزعجني لأنه من دون الخدمات لا أحد يتوقع أن يعود السكان ويستقروا في قراهم. 

زوجته وولداه

.. وإلى أين أنت ذاهب؟ 

لبنان، سأبقى في بيروت مقر إقامتي الحالية مع زوجتي وولدي. 25 عاما كافية لنحس أننا في بلدنا، علما أن بيروت ليست المكان المناسب لمتقاعد في الستين من الناحية الاقتصادية لكننا سنحاول البقاء. وسأبدأ في الأشهر المقبلة إعطاء محاضرات في الجامعة الأميركية، كما سأتجه الى الكتابة في بعض الصحف المحلية والأجنبية.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic