“سماوات” لجودت فخر الدين
قصيدة التوازن واكتناه الأشياء

السفير (الجمعة، 16 أيـار «مـايو» 2003)

شوقي بغدادي

سماوات - جودت فخرالدين

     أول ما يلفت النظر في مجموعة جودت الجديدة “سماوات” انه منسجم مع نفسه منذ مجموعاته: أوهام ريفية (1980) وللرؤية وقت (1985) وقصائد خائفة (1990) ومنارة للغريق (1996) وكأنه وُلِد ناضجا كشاعر متميز منذ محاولاته الأولى. وهذا ما يفسر وضوح خصوصيته ومحافظته عليها عبر كتاباته كلها الى سماواته الأخيرة كشاعر هادئ رصين يطير خارج سرب رفاقه الآتين من الجنوب اللبناني مثل شوقي بزيع، ومحمد علي شمس الدين، والياس لحود وآخرين حيث نواجه شعراء طامحين بالحماسة والغنائية، والعنف أحيانا، بل حتى عن حسن عبد الله المأخوذ بتفاصيل الحياة اليومية وحكاياتها الحميمة، في حين يبدو جودت أكثرهم هدوءا ورصانة، ولعل أهم ما يميز هذا المزاج انه تحت رقابة الشاعر دائا كإنسان لا يحب المبالغة لا في سفح عواطفه، ولا في إصدار أحكامه الفكرية وكأنه قاضٍ نزيه محايد، بقدر ما هو مصوّر لمَّاح ومفكر جاد، مع انه في أعمق أعماقه منحاز وغنائي ككل شاعر أصيل ذي خصوصية متفرّدة. ولو شئنا البرهان على ذلك لوجدنا أكثر من شاهد في “سماوات”، ففي قصيدة “شوق” مثلا يأخذنا جودت الى مشاركته مشاعر القلق والحيرة بين الرغبة في التغيير، عبر صورة السفر الذي لا يحدث إلا كأمنيات والاستكانة للوهم كما في قوله: 

“كم خاب لي سفر في الأرض/ كم جهة راودتها فنأت/ لكن لي سفرا ليست له جهة/ أصبو فينثرني في كل ناحية.... هذا هو الشوق/ لا أدري أيحملني؟/ أم انه يصطفيني كي أطير به؟/ هذا هو الشوق/ أيامي يلذّ لها ان تستحيل به وهما...”. 

او في قصيدة “إذا مات سرّي” حيث نواجه هذا الإحساس الغامض العميق برغبات خاصة جدا وغامضة لا يدرك الشاعر طبيعتها غير انها تلاحقه باستمرار وهو حريص عليها، ولكن الشاعر وهو يعبّر عن هذا الدفق الداخلي يبدو ممسكا بزمامها، يعرف تماما ما يريد ان يقول وما حدود اندفاعاته، ولهذا لا داعي للمبالغة في تصيّد الحالات المتطرّفة للشعراء المتوترين باستمرار أكثر مما ينبغي. 

تقودنا هذه الملاحظة الى احدى مضاعفاتها حين نلاحظ ان حماسة الشاعر متجهة دائما نحو داخله لا نحو العالم، ليس لأنه مقطوع الصلة به وإنما لأن تمام الرؤية عنده لا يكون إلا من خلال أنفاقه الداخلية وهذا ما يفسر ان كل عمليات الإنشاء والتصوير لدى الشاعر تصطبغ أولاً بألوان عالمه الداخلي، ولهذا السبب فهو حين يقدم لنا مثلا منظرا للطبيعة يصوّره لنا دائما من خلال عدسة داخلية عميقة الأغوار تمر على دهاليز الروح ثم تخرج الى العيان. 

خذوا مثلا قصيدة “شرفة خائرة” فهي من أمتع النصوص التي يتعامل فيها الشاعر مع الطبيعة: الجبال، الشجر، المساء، الشمس... حيث نواجه مشاعر شبه بدائية لشاعر يتحد بالطبيعة وهو ينظر إليها من شرفته “الخائرة”: 

“ربما أستعيد النداء/ نداء الجبال التي احتضنتني/ نداء القفار التي لاح لي دمعُها.... جاءت إليّ الجبال/ وجاءت إليّ القفار/ وجاءت إليّ السماء/ فأدركت سحر المكان الذي لم يبدده جور الزمان/ ألا ربما أستعيد الرؤى الساحرة/ وأنا أتطلع من شرفةٍ خائرة..”.. 

والشرفة ليست هي الخائرة، ولا الجبال والأشجار بالتأكيد، وإنما هو الشاعر المصاب في تلك اللحظة بفيض من الحنين “النوستالجي”... ومثلها المونولوجات الحميمة في قصيدة “انتظار” حيث يعترف الشاعر بنقطة ضعفه حيال ركوب الطائرات، فإذا بكل الطبيعة الخارقة التي تغري المسافرين بالسفر عاجزة عن إغراء الشاعر: 

“يطول انتظاري/ وماذا إذا طِرتُ؟/ سوف يصير انتظاري أطول/ ما أجمل الخوف فوق المحيط/ إذا كان لي ان أمدد رجليّ../.. 

هل انتبهت الى ان الشاعر طويل القامة والساقين طبعاً وأن عالم الطائرات لا يراه إلا من خلال طول ساقيه المزعج حين ينحشر في مقعد داخل الطائرة؟! 

في كل ما نقرأه عند جودت فخر الدين في “سماوات”، أو في سابقاتها، نلمس بيقين لا لبس فيه ان الشاعر لا يمر بالأشياء مستمتعا بها فحسب كمنظر جميل، إذ يتوقف عليها متأملا مغزى وجودها قبل أي وصف لها.. انه شاعر لا يرضى بأن يتوقف عند سطوح الأشياء فكل شيء عنده يخفي وراءه مغزى فكريا، او شحنة عاطفية، يمد إليها أدواته الفنية بأناة وكثير من الرفق، فيكشف الغطاء عن الأشياء او الاشخاص او الذات، فإذا وراء كل صوت او حركة او لون او رائحة معنى وجودي عميق الغور، وبهذا المعنى يقترب جودت من مواقف الفلاسفة ولكن من دون ان يوغل في الرؤية الفلسفية الى درجة فقدانه صفة الشاعر، غير انه ينبّهنا الى امتيازه كشاعر متأمل يفهم عمله على انه صانع معرفة بقدر ما هو صانع جمال. 

عند جودت فخر الدين لا يمكن ان نرسم المناظر الطبيعية مثلاً بأسلوب رسّامي الطبيعة الصامتة او الميتة وإذا لم ينبع المعنى من تلافيف العالم الداخلي للشاعر فهو سوف يسطع من خلال أسلوبه في تصوير المنظر الخارجي كالجبال التي مررنا بها في قصيدته “شرفة خائرة” حين تطفح بمعاني العزلة او الارتباط بالماضي او بسحر الطبيعة المرتبط بقدرات الشاعر الجمالية. ولعل أقرب النصوص الى هذه النزعة التأملية هو نصه الأطول الذي سمي الديوان باسمه “سماوات” المؤلف من اثني عشر مقطعا، في كل مقطع خلفية فكرية ميتافيزيكية بقدر ما هي وجدانية كبوح ذاتي.. ففي المقطع الأول من خلال تعبير “السماوات القريبة” التي لا يصدقها الشاعر تتلامح خلفية فكرية مشحونة بمعاني البحث عن الحقيقة أبعد مما تصنعه العادات السهلة. وفي المقطوعة الثانية يطرح فكرته المعمقة عن الجدل بين الشيء وضده في صنع سعادة البشر، وهكذا الى آخر المقاطع. وحتى في “نوافذ للصيف” وهي قصائد عائلية المناخ فإن الخلفية الفكرية لا تغيب سواء أفي مداعبة الشاعر ولده “محمداً” في المقطوعة 1 أو في مراقبته اختلاف حضور الأشجار بين النور والظلمة المقطوعة 2 أو في إطلالته من شرفته العالية على البحر المقطوعة 3 ففي كل منها يتلامح مهد فكري تستريح فوقه القصيدة كالإحساس المركب باللعب مع شاطئ البحر، أو تغير المظاهر بتغير الناظر، أو رفض موقف استعلاء الإنسان على الناس والطبيعة... 

وفي كل هذه الخلفيات التأملية يسود مناخ متوازن خال من التشنجات المتطرفة مع الشيء أو ضده، وهو موقف ناجم بالطبع عما أسميناه الرصانة أو بتعبير أدق المصالحة مع الحياة الدنيا بكل ما فيها من متاعب.. وهذا ما يفسر أيضا خلو “المجموعة” من قصائد المناسبات القومية أو الاجتماعية، أو المواقف الرومانسية والميلودرامية، فجودت فخر الدين من الشعراء الذين لا يبكون بصوت مرتفع ولا تظهر لهم دمعة حتى ولو صرحوا بوجودها.. ان عواطفه لا تشطح، ولا تتناثر أو تتفجر، فهي أشبه ما تكون بالنهر العميق الذي يبدو هادئ السطح في حين تكون أعماقه في حالة الغليان. 
 

كتابة تشبه صاحبها 

     من هنا نرى أن من السهل علينا أن نتقصّى تقنيات التعبير في الشكل الفني الذي يتميز به جودت فخر الدين. إنها صياغة تشبه صاحبها تماما. صياغة لغوية هادئة بمعنى أنها تراكيب متوازنة إذ تجمع بين صفتين متكاملتين دونما أي تعسف: الطابع التراثي ممزوجا أو متحدا على الأصح بالطابع الحداثي، بمهارة غير مصطنعة، ذلك لأنها جماع التوازن النفسي لشاعر متصالح مع ذاته كما هو مع العالم الخارجي، فهو يتأمل موضوعه بأناة ويعبّر عنه بالتالي بلغة واثقة من نفسها وغير مأخوذة إلا بقناعاتها الخاصة بعيدا عن الانبهار، والتشنج، والمبالغات، والمزاودات الشكلانية. كتابة تبدو في غاية السهولة والبساطة مع أن الشاعر قد اشتغل عليها طويلا انتقاء، وتكثيفا، وتحكيكا، مذكرا إيانا بمزايا قال بها الشعراء العرب القدامى كزهير بن أبي سلمى في تحكيكه الطويل الأمد لصياغته حتى سميت قصائده بالحوليات. ومن الملاحظ فعلا أن جودت شاعر مقل نسبيا فديوانه الأخير “سماوات” نتاج خمس سنوات أو أكثر من العمل المتأني والمتباعد نصا عن آخر من عام 96 الى 2001 إذ لا تضم هذه المجموعة أكثر من اثني عشر عنوانا موزعة على 87 صفحة مطبوعة بأسطر قليلة في الصفحة الواحدة (بين 3 الى 12 سطرا) وبحساب بسيط يكاد مجموع الكلمات كلها لا يتجاوز ثلاثة آلاف كلمة، وهو رقم صغير إذا ما قيس بالنسبة للسنوات الخمس التي وزعت عليها النصوص. 

صفة الكثافة هذه تذكرنا أيضا بمزية عربية عريقة أخرى قال بها البحتري: 

والشعر لمحٌ تكفي إشارتهُ 
وليس بالهذْر طوّلتْ خُطبهْ 

فبقدر ما تبدو الصياغة متقنة، محكمة، فهي سهلة سلسة في آن، كما هي موجزة وعلى درجة عالية من الكثافة المحملة بعد كل هذا بالمعنى والممتلئة بعالم داخلي متأجج بالعواطف، ولكنه لا يظهر بشكل انفجارات بل كمسيل ماء عميق هادئ يخفي تحت سطحه غليانا نحس به ولا نراه. 
خذ هذا المقطع مثلا لا على التعيين: 

“إذا مات سري/ تراه سيفلت من حيث عاش/ تراه سيحيا إذا مات؟” 

هذا المقطع يكاد يلخص موقفا ميتافيزيكيا كاملا تبدأ ملامحه منذ العبارات الأولى: 

“أسير مليئا بسري/ فيحملني حيث سرت/ يشعرني بالنجاة/ ويخفق كالضوء في خطواتي...”.. 

فما هو هذا السر الذي لا يفارقنا ويشعرنا بالنجاة؟ هل هي العيوب التي نخفيها عن الأنظار في دهاليز أنفسنا؟ أم هي الطموحات المبالغ فيها والتي يفضل الشاعر كتمانها؟ أم هي الرغبات المكبوتة، أم هي الرسالة الأخلاقية؟ أم هو كل ما يجعلنا متميزين عن الآخرين؟ 

كل هذه الأسئلة واردة في هذا النص، وكل الإجابات ممكنة، ومن هنا يبدو المقطع الأخير الآنف الذكر كأنه محصلة الشهوات والحيرة والرغبات المكبوتة والطموحات المتعثرة. فهل موت السر يعني أنه بدل بآخر، وهل يمكن إذن تصور إنسان ما من دون أسرار؟ أليس موت السر هو موت الإنسان؟ 

تلك هي الكثافة اللغوية والفكرية التي نعنيها، والمتكررة في معظم مقطوعات الديوان. هذا النزوع نحو التكثيف يفسر لنا أيضا ظاهرة تقطيع القصيدة، قصيرة كانت مثل “إذا مات سري”، أم طويلة مثل “سماوات”، الى مقاطع صغيرة. على أنها إحدى مضاعفات اقتصاد الشاعر في استخدام اللغة، حتى ليبدو أن ميل الشاعر للكلام يعادل ميله للصمت. 

وكما أشرنا الى التوازن في شخصيته ورؤيته للحياة فهو متوازن أيضا في علاقته مع الماضي كتراث ذي تقاليد عريقة، والحاضر كتحولات مستجدة، فهو بقدر ما يحرص على الإيقاع كشعر تفعيلة غالبا، وكبحر عروضي واضح أحيانا كما في قصيدته “شوق” المنظومة على البحر البسيط، فهو لا يعبأ كثيرا بالتقنية، تاركا نفسه على سجية اللحظة الإبداعية، وهذا ما يفسر وضوح القافية أحيانا، وغيابها أحيانا أخرى.. ومن هنا نكتشف مرة أخرى امتياز جودت فخر الدين الخاص به كشاعر متصالح مع نفسه ومع العالم والزمن، فهو حديث وابن عصره بقدر ما هو الابن الوفي لتراثه العريق، ومع هذه الرؤية تأتي صياغته اللغوية وقد صهرت فيها التقاليد، والحداثة، الماضي والحاضر والمستقبل في بوتقة متوازنة واحدة نشم فيها كثيرا من الروائح العطرة، قديمة ومستحدثة، غير أنها مع ذلك معبأة في زجاجة واحدة.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic