تيمور غوكسيل
يودّع بعد أيام مكتبه في مقر القيادة الدولية في الناقورة

النهار (الإثنين، 19 أيـار «مـايو» 2003)

اسماعيل صبراوي

Timor Goksel - تيمور غوكسيل تيمور غوكسيل وعائلته
غوكسيل متحدثاً ل"النهار" غوكسيل مع زوجته وإبنه أمير وإبنته زينب

     ايام معدودة ويودّع الناطق الرسمي باسم القوة الدولية ومستشارها السياسي تيمور غوكسيل نهائيا مكتبه في الناقورة، لكنه لا يودّع لبنان والجنوب لأنه يشعر بأنه اصبح "ابن البلد". 

تسلم عمله ابن (36 عاما) مع صدور القرار 425 اي قبل 24 عاما، ويغادر ابن (60 عاما)، بعد ثلاثة اعوام من تنفيذ القرار .425 

متزوج وله ولدان امير (15 عاما) وزينب (14 عاما). 

منذ وصوله الى الجنوب كان صلة الوصل بين الجنوب وهيئة الأمم المتحدة في نيويورك. عمل مع تسعة جنرالات تسلموا قيادة هذه القوة، اولهم كان الجنرال اريكسون وآخرهم الجنرال الحالي الهندي لاليت موهان تيواري. وتبدلت الدول المشاركة وألوف القادة والضباط والعناصر والموظفين المدنيين والعسكريين، وبقي غوكسيل الوحيد ملازما مكتبه. 

وقد يكون الاول في العالم من حيث عدد المقابلات الصحافية والتلفزيونية التي اجراها، وفي الرد على المكالمات الهاتفية التي كانت تنصب عليه من شتى انحاء العالم، والتي كانت تحرمه النوم في كثير من الاوقات ولا سيما منها في الايام العصيبة التي مر بها الجنوب في ظل الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة عليه، والتي لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة، حتى بعد انسحابها منذ ثلاثة اعوام. 

كان صديق الجميع، مسايرا احيانا ومضطرا مرات اخرى. كثيرون اتهموه بالعمالة، وهو يؤكد حياده و"عمالته" الحقيقية لـ"اليونيفيل" وللجنوب الذي تعايش معه ومع اهله واصبح فردا منهم. كان صديق "النهار" التي خصها بمواضيع كان يعرف انها لا تنشر الا فيها. 

"النهار" التقته في مكتبه في الناقورة، وروى لها الآتي: 

العماد إميل لحود وكوفي عنان
مع قائد الجيش آنذاك العماد إميل لحود
 
كوفي عنان وتيمور غوكسيل
مع كوفي عنان في الناقورة

"وصولي الى لبنان كان مفاجأة لي. كنت اعمل في المكتب الصحافي للأمم المتحدة في تركيا. لم اعرف انني سأنتقل الى لبنان. في كانون الثاني ،1979 تلقيت اتصالا من نيويورك أني "تطوعت" للعمل في "اليونيفيل" في الناقورة. سألتهم: أفهم مسألة "تطوعي"، لكن اين هي الناقورة؟ 


كان هناك اثنان يشغلان منصب الناطق الرسمي مثلي. لم يستمرا كثيرا في منطقة حرب. اعتقدت انني سأذهب ستة اشهر، وبعدها سوف أنقل الى مكان آخر. وصلت في شباط 1979 الى تل ابيب، وتعرفت الى القائد العام آنذاك الجنرال اريكسون... بعد ثلاثة ايام اتيت الى "اليونيفيل" لمدة ستة اشهر. كانت منطقة معقدة جدا. كان هناك قوة أمم متحدة من 8-9 دول وكل يبحث عن طريقه. 

في فترة قصيرة بدأت بدراسة الصورة السياسية هنا (معقدة جدا) لمعرفة مع من اتعامل. 

في ،1979 لم تكن السلطة اللبنانية هنا بل دولة "فتح" المصغرة. انشاء علاقة عمل في ظل هكذا ظروف امر صعب، لكنني احببته. 

بعد شهرين، اي في نيسان ،1979 تعرضنا في الناقورة لأول هجوم من قوات سعد حداد. قصف المركز يوم السبت وانا كنت هنا. ثم طلبوا مني البقاء ستة اشهر اضافية. في السنة التالية وفي نيسان ايضا، تعرضنا لقصف بنحو 90 قذيفة هاون من سعد حداد، وبعدها لم يسألني احد اذا كنت اريد البقاء هنا، لأن احدا لم يرغب في المجيء الى هنا. احببت لبنان. بدأت بالتعرف على الصحافيين. لم يطلب مني احد البقاء ولم اطلب الرحيل. وها انا لا ازال هنا بعد 24 عاما وأول مكتب صحافي دخلته كان مكتب "النهار" في صور، واصبحنا اصدقاء مع مراسلها. 

لم اندم على مجيئي الى لبنان اطلاقا. لكني اكتشفت انني امضيت هنا نصف حياتي، وأجد صعوبة في المغادرة الى مكان آخر. 

مستقبلي يعتمد على مشاعري وعائلتي تحب لبنان. رسميا، اقول وداعا للأمم المتحدة، لكن شخصيا لن اقول وداعا للبنان والجنوب". 

   * اما كنت تتوقع ان تودّع هذا البلد خلال الاعوام الـ24 الماضية؟ 

- نحن لا نزال هنا. اتذكر مئات المرات عندما قال الناس ان "اليونيفيل" ستهرب وتغادره لكن الأمم المتحدة والدول المشاركة فيها اظهرت عزما وتصميما على دعم لبنان. 

سكان جنوب لبنان تعرضوا لمخاطر وتحديات كبيرة، لكنهم لم يتخلوا اطلاقا عن ارضهم. لقد اثبتوا انهم سكان هذه الارض وسيبقون كذلك. نحن ايضا وقفنا معهم في أسوأ الاوقات. سكان جنوب لبنان هم السبب الرئيسي لبقائي هنا. هم ايضا وقفوا بجانبنا ودعمونا. بقاء "اليونيفيل" هنا كان مستحيلا من دون دعم سكان جنوب لبنان. نحن ندين لهم بالكثير، انا شخصيا اشعر بدين كبير لهم. 

يجب الا ننسى الدولة اللبنانية. عام 1978 لم تكن الحكومة اللبنانية تسيطر حتى على بيروت، لكنها قدمت الافضل الينا دوما. اذكر اول قائد للجيش اللبناني عند مجيئي الجنرال فيكتور خوري، قدم المستحيل لـ"اليونيفيل"، ومنذ تلك الايام الصعبة ونحن نتلقى الدعم مئة في المئة من الدولة اللبنانية. من الصعب شرح هذا لدول ترى لبنان بلدا مقسما تخطف فيه رهائن اجنبية وعندك 16 حاجزا مختلفا قبل الوصول الى بيروت... التاريخ سيُظهر كم قدم لبنان الى "اليونيفيل". هناك علاقة حب متبادلة بين لبنان و"اليونيفيل". 

الآن، لبنان يتهم بهذا وذاك. نحن نقول الامور تغيرت كثيرا هنا، وفقط الذين كانوا هنا لفترة طويلة مخولون التحدث عن هكذا امور. 

انا اتعامل يوميا مع ضباط كبار من الجيش اللبناني، فرع المخابرات، الأمن العام، قائد الجيش... وهناك ايضا المفضل لدى "اليونيفيل" من سنين طويلة والذي عاملها معاملة الطفل المدلل اعني الجنرال ماهر الطفيلي. هؤلاء اناس في خدمة "اليونيفيل" 24 ساعة على 24 ساعة، وفي اي لحظة نطلبهم يلبّون بلا تردد. 

عندما يقولون لي انه لا يوجد جيش في الجنوب ولا سلطة افاجأ بهذه الاتهامات. فنحن مع من نتعامل يوميا في الجنوب؟ هناك حضور للجيش في الجنوب وهنا في مقر ""اليونيفيل" في الناقورة، عندما تحدث عندنا اي مشكلة نتصل بالجيش وعلى أعلى المستويات. الرئيس اميل لحود منذ كان قائدا للجيش، كان حاميا لـ"اليونيفيل" وكذلك الرئيسان نبيه بري ورفيق الحريري. وانني بكلامي هذا لا اتحدى احدا ولا اتحدث عن الداعين الى نشر الجيش. كأمم متحدة اتعامل مع الجيش في كل الجنوب. هم يتحدثون عن نشر الجيش على الحدود، والآن تسيّر "القوة المشتركة" دوريات على الحدود وتقوم بواجباتها كاملا يوميا. صحيح انه لا توجد اعلام لبنانية، وهناك اعلام لـ"حزب الله"، غير ان هذه الاعلام مرفوعة على مواقعه وهي ليست ذات طابع عسكري. ونتساءل: من هو الجيش الموجود في الجنوب؟ هل هو جيش دولة اخرى؟ 

   * هل ترى ان عديد "اليونيفيل" والجيش يكفي لحفظ السلام في الجنوب؟ 

- ان الامم المتحدة غير معنية بالارقام، ومنطقة الجنوب أهدأ منطقة في كل لبنان حتى على مستوى الجريمة العادية. والاجهزة الامنية الموجودة كافية لانها تتدخل في سرعة وفاعلية في حال حصول اي طارئ... لكن على صعيد الخدمات، لا نزال نأمل ونصلي ان يصلح احد طريق الناقورة. لقد حاولت لعامين وفشلت. 

ابادر بالقول دائما ان "اليونيفيل" لم تكن لتستمر من دون دعم سكان جنوب لبنان. 

   * ما هي ابرز المحطات التي عايشتموها منذ عام 1979؟ 

- الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 غيّر أموراً كثيرة. هذا الاجتياح انهى الحكم الفلسطيني لجنوب لبنان. قبل الاجتياح الاسرائيلي كانت المشاعر بين سكان جنوب لبنان والفلسطينيين وصلت الى حدها، وكان هناك مشاكل كبيرة. الاسرائيليون قالوا انهم اتوا لـ"ينظفوا" جنوب لبنان من الكاتيوشا، لكن بعد يومين فقط ادركنا ان هذا ليس اجتياحا قصيرا، نظرا الى حجم الآليات والعتاد والجنود الذين عبروا الحدود. هذا الاجتياح غيّر الخارطة السياسية لجنوب لبنان. 

مررنا خلال وجودنا هنا بمراحل كثيرة منها اتفاق 17 ايار الذي لم يبصر النور... 

خلال هذه الاعوام كلها بقي جنوب لبنان هادئا لأن اسرائيل انسحبت من بيروت وبعدها الجنوب، وأبقت على حزام امني لم يكن امنيا اطلاقا. مشاكل الجنوب بقيت بعيدة ومشاكل بيروت لم تصل الى الجنوب. تُرك سكان الجنوب ليكافحوا بأنفسهم. جاءت حركة "امل" وبعدها "حزب الله"... هذه المنظمات و"اليونيفيل" كانت العمود الفقري لجنوب لبنان. نقطة التحول الكبرى في جنوب لبنان كانت الاجتياح الاسرائيلي عام .1982 

   * كيف استطعت مواكبة الاحداث المتلاحقة وتفادي سهام الاتهامات؟ 

- الآن، انظر الى الصحافيين الذين تعاملت معهم وانظر كيف كبرنا معا. تعاملت مع كل الاطراف على جانبي الحدود من اكبرهم الى المقاتلين. استطيع القول انني خبرت احيانا بعض تحركاتهم السرية، لكن، المذهل انه طوال هذه السنين ومئات المجموعات هنا وهناك، لم يقل احد انني تعاملت مع الجانب الآخر. انا فخور بذلك. طوال 24 عاما لم يتحداني احد بأنني افضل هذا الجانب على ذاك، وهذا امر افخر به. 

   * كيف بدأت علاقتك بالجنوبيين؟ 

- بعد يومين من الاجتياح الاسرائيلي لجنوب لبنان عام ،1982 سمعت ان سكان مدينة صور موجودون على الشاطئ في وضع سيئ، وان الاسرائيليين لم يسمحوا لهم بالعودة الى منازلهم. وصور لم تكن من ضمن منطقة عمليات "اليونيفيل"، لكنها مدينة عزيزة على قلبنا. اصدقاؤنا هناك ولم نكن نستطيع ان نتجاهلها. 

وبموافقة القائد العام آنذاك الجنرال كالاهان، نظمت قافلة طبية وتموين وطلبنا متطوعين لأن المعارك كانت لا تزال مستمرة في مخيمي الرشيدية وبرج الشمالي... نظمت قافلة من نحو 30 شاحنة وتوجهنا الى صور. اجبرنا على التوقف مرارا وآخرها على مفترق باتوليه حيث اخبرنا الاسرائيليون انه لا يمكننا التوجه الى صور. 

وبسبب معرفتي العميقة للجنوب، اخذت القافلة وسلكنا طرق البساتين ورأس العين ووصلنا من طريق خلفية الى صور. ورأيت على شاطئ صور ألوف السكان في وضع سيئ في الاستراحة التي كانت وقتها مقرا للجنة الدولية للصليب الاحمر. وزعنا الادوية والاغذية عليهم وعدنا الى الناقورة. 

هذه كانت بداية علاقة الحب مع السكان. 

حياتي في جنوب لبنان مليئة بالذكريات. قُمنا معا بأعمال مجنونة لم نفكر فيها. أحببنا السكان هنا. ولست انا فقط من يفكر هكذا. كثيرون خاطروا بحياتهم من اجل سكان جنوب لبنان. كانت 24 عاما فخورة وممتنة جدا لي. انا اقول وداعا للأمم المتحدة وليس للجنوب. البداية والنهاية كانتا مع الاشخاص انفسهم. كانت رحلة طويلة وخطرة وصعب اختصارها الآن. 

   * هل تفكر في الاقامة في لبنان؟ 

- اذا تم كل شيء على ما يرام فأنا لن اغادر لبنان. اولادي يحبونه وانا امضيت نصف حياتي هنا. لا اعرف مكانا آخر في العالم. 

نيتي البقاء هنا، واتمنى ان استطيع التعليم في احدى الجامعات هنا عن المواضيع التي اعرفها. 

لا اعتقد اني سأبدأ بمشروع كبير (الكتابة). اريد الاستراحة الآن. اريد البقاء في لبنان. منذ ثمانية اشهر وانا احلم بملاقاة مجموعة من المتقاعدين اشاهدهم كل يوم على الكورنيش في بيروت. احلم بالانضمام اليهم (واضاف ممازحا، لقد تلقيت عروضا عدة وافكر فيها الآن). 

اريد التجول في بيروت والاستمتاع بها دون رنين الهاتف عند الثالثة صباحا للاستفسار عن امر ما. 

اريد ان ابقى في لبنان واستمتع بحياتي هنا وبهذا البلد. 

   * ... لكن هل يشمل هذا التمسك بلبنان افراد عائلتك؟ 

- اولادي يسيرون على خطى والدهم ليصبحوا لبنانيين... بدأوا بتعلم العربية والفرنسية. 

زوجتي باتت لديها خبرة كبيرة في الانتقال الى منزل لبنان والتعامل مع رجال التصليحات اللبنانيين. فقدت اعصابها قليلا في بعض الاحيان. لكنها صارت معتادة جدا على الحياة هنا وكذلك اولادي. وسوف أقوم بالافضل للاستمتاع بهذه الحياة". 

لأن تيمور غوكسيل امضى ربع قرن في جنوب لبنان، ولأنه بات لبناني الهوى، لن نقول له وداعا بل الى اللقاء القريب. 

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic