تيمور غوكسيل عشية نهاية مهمته:
على اللبنانيين التحرر من زمن الزعماء

اللواء (الأربعاء، 21 أيـار «مـايو» 2003)

غراسيا بيطار

غوكسيل برفقة زوجته خلال احتفال في مقر قيادة الطيران الإيطالي في الناقورة غوكسيل و"الطوارئ" في لقطة لذاكرة السلام

"قد يصبح لبنان من أقوى الدول إذا عرف كيف يستغل مؤهلاته ويتحرر من زمن الزعماء"·

هذه هي حصيلة تجربة عمرها 24 عاماً للناطق الرسمي باسم قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان تيمور غوكسيل·

لقد شارفت سنوات عمله على النهاية ببلوغه سن التقاعد، وسيبقى وعائلته في لبنان متجهاً نحو مهنة التدريس، لكي يعلّم طلاب الجامعات ما حاول تعليمه (وأخفق بنظر البعض) طوال فترة مكوثه في المنطقة - أي مادة حفظ السلام الدولي·

كما أنه لن يبخل على الصحف المحلية والأجنبية ببعض المقالات ثمرة خبرته وخلاصة رؤيته·

يؤمن غوكسيل بأنه قد أنجز مهمته في الجنوب، معرباً عن سروره بعودة الحياة الطبيعية اليه، وهو يؤكد أن المرحلة الصعبة قد مرت، والمسائل العالقة كمزارع شبعا، مثلاً، سوف تحل تباعاً، بعد إحلال السلام في منطقة الشرق الاوسط، أما لناحية دور "حزب الله" كمقاومة، فهو يرى أنه قد حان الوقت للنظر الى لبنان كدولة من قبل شعبه وقادته، وانطلاقاً من ملامح هذه الصورة، يعتبر محظوظاً من سيخلفه في منصبه كونه قد عبد له الطريق لناحية ترسيخ دور قوات الطوارئ وإقامة علاقات مباشرة مع الافرقاء كافة·

Timor Goksel - تيمور غوكسيل
غوكسيل متحدثاً لمراسلة "اللواء"

إن مهمة غوكسيل التي تم تمديدها عبر السنين من ستة أشهر الى 24 سنة، كانت كفيلة بجعل هذا المواطن التركي يشعر "بلبنانية" ما ذهبت به الى حد المطالبة بعودة اللبنانيين من بلدان الاغتراب لانهم وحدهم قادرون على انهاض الوطن من التبعية السياسية وإقطاعية الزعماء·

وفي ما يلي نص الحوار مع غوكسيل:


"لقد أنجزت مهمتي بعد 22 سنة أما الباقي فسيحل لاحقاً"·· هكذا يقوم غوكسيل خدمته في الجنوب على مدى 24 سنة، معبراً عن فرحه برؤية الجنوبيين يعودون الى التجول في قراهم بكل حرية من دون أي دوائر تفتيش او حواجز والمكسب الأكبر بالنسبة اليه هو تأمين الخدمات والمساعدات للأهالي الذين لم يروا قراهم طيلة سنوات الحرب·

لكنه يجدد التأكيد، في المقابل، على أن الخروقات الإسرائيلية للجنوب مقتصرة على الجو على عكس كل الأرقام التي تتحدث عن خروقات أرضية وبحرية، وبدوره يقتصر عمل قوات الطوارئ (اليونيفل) على إعلام أعضاء مجلس الأمن ونيويورك التي تتصل بـ "إسرائيل" وإعداد التقارير التي تصف الوضع القائم، فالقوات لا يمكنها ضرب النار، بل تقديم الاحتجاجات السياسية·
 

الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني

     وفي ظل قرار مجلس الأمن الأخير القاضي بخفض عديد قوات الطوارئ الدولية الى 2000 عنصر وهو رقم قابل للتعديل على ضوء مقررات المجلس الذي سيتباحث في تموز المقبل، أوضاع "اليونيفل"، يرى غوكسيل أن الوضع في المنطقة، سواء مرحلة ما بعد الحرب في العراق، أو استمرار الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، لن يكون له أي تأثير على جنوب لبنان، فلبنان لن يتورط، برأيه، في هذا الصراع، صحيح أن هناك بعض اللبنانيين الغاضبين بالاضافة الى الفلسطينيين الموجودين في لبنان، لكن "حزب الله" الذي يقول أنه يدافع عن الشعب الفلسطيني شأنه شأن غالبية الدول العربية والاسلامية، ليس مستعداً لشن حرب بين لبنان واسرائيل·

ويتابع: "لا أحد يقدر ان يفعل شيئاً لمساعدة الفلسطينيين، فـ "الكاتيوشا" لن تفعل سوى تحويل الإنتباه من فلسطين الى مكان آخر، وهذا الأمر سيضر بالجانب الفلسطيني، لا بل يساعد الجانب الاسرائيلي"·

وحول السلام المنقوص ومزارع شبعا التي لا تزال تنتظر التحرير، يكرر غوكسيل إن الحدود ترسمها الدولتان المعنيتان، وليست بالتالي مهمة الامم المتحدة، فلبنان الذي يقول أن المزارع تقع ضمن أراضيه، عليه أن يناقش الأمر مع سوريا، التي تزعم اسرائيل أنها أخذت المزارع منها وليس من لبنان·

ومن أجل حسم هوية الأرض، يجب، برأيه، انهاء الاحتلال الذي لا يمكن اتخاذ أي قرار في ظله، وهذا يعني أن المسألة مجمدة لحين حل مشكلة الشرق الاوسط، وقد يتطلب ذلك عملية سلام اخرى بين اسرائيل وسوريا حول المزارع·

ويرى أن عملية السلام في المنطقة لن تنتهي سريعاً، ولكنها تسير في الإتجاه الصحيح·
 

لـ "حزب الله" دور ولكن···

     وكيف يفهم غوكسيل دور "حزب الله" بين الأمس واليوم؟ يجيب ان قوات الطوارئ كانت تراقب الحزب منذ المراحل الأولى لتحركه، علماً أنها كانت في الجنوب قبل وصول "حزب الله" اليها بين العامين 1983 و1984، صحيح ان العلاقة كانت باردة في البداية، لكنها ما لبثت أن توضحت معالمها، بعد أن تعرف كل من الطرفين على دور الآخر·

ويقول: أن "حزب الله" يمثل قوة متينة ومدربة وهو يقوم بما يؤمن به، لكن الوقت قد حان، برأيه، للنظر الى لبنان كدولة من قبل شعبه وقادته، إن "حزب الله" قدم مساندة مهمة للبنان في تحرير الجنوب، كما قدم خدمات طبية وتعليميه جمة للشعب الجنوبي ودوره كان أساسياً ليس فقط كمقاومة بل كحزب وعلاقته بالشعب· أما القتال فمسألة أخرى، و"اليونيفل" لا تتدخل في الشق السياسي لنشاط "حزب الله"، الذي تتعامل معه كمنظمة محلية في جنوب لبنان· ووسط تباين وجهات النظر حول هوية مزارع شبعا، ارتأت الأمم المتحدة أن الخط الأزرق هو الأنسب ليس لرسم الحدود، بل لفصل الطرفين لحين جلاء المسألة·

ويأمل غوكسيل ألا يؤدي هذا التباين الى أي تصعيد خصوصاً أن قوات الطوارئ هي ضد أي صراع وتقوم في كل ما في وسعها لابقاء الوضع هادئاً·

وللناطق الرسمي باسم قوات الطوارئ في جنوب لبنان رأي في اتفاق 17 أيار الذي يصفه بغير الواقعي· فقد كان واضحاً، برأيه، أنه غير قابل للتطبيق بالسماح لجنود أن يتواجدوا في لبنان ويملوا عليه ما يجب ان يفعل· إن الإتفاق ولد ميتاً ولم يكن من الممكن إرغام بلد مثل لبنان حتى ولو كان تحت الاحتلال، القبول بمثل هذه الشروط·
 

حظ الخَلَف

     أما الشخص الذي سيخلف تيمور غوكسيل، والذي تتكتم المنظمة عن ذكر إسمه، فيعتبره الرجل الأول في "اليونيفل" محظوظاً، لأنه يأتي بعد أن مرت كل المراحل الصعبة وأيام الخطر، لقد انتهت الحرب والهدوء يسود في الجنوب لاتاحة المجال أمام المفاوضات السياسية·

ويضيف: "عندما وصلت الى الجنوب قيل لي: علم نفسك· واني اليوم أقدم كل سنوات الخبرة التي اكتسبتها في هذه المنطقة الى المسؤول التالي·

في الماضي، لم نكن قادرين على القدوم الى بيروت بسبب القصف فضلاً عن أنه لا اتصالات ولا امكانية للتحليق وإضافة الى كل ذلك، إن مهمة "اليونيفل" لم تكن واضحة من قبل مختلف الفرقاء وقوى الأمر الواقع، أما اليوم فالوضع اختلف جذرياً، وعندما تواجهنا مشكلة ما نتصل بالجيش اللبناني أو باللواء جميل السيد فتحل في خمس دقائق·

ويؤكد غوكسيل الذي يصف العلاقة بالجيش بالممتازة، أنه لا يمكن أن يكون هناك علاقة أفضل بين جيش وطني وقوات الامم المتحدة، إضافة الى جهات وشخصيات كالجنرال ماهر الطفيلي، الذي كان ولسنوات عدة المنسق الرسمي الأول لليونيفل، كما أن العلاقة جيدة ومباشرة مع كل من رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة ووزير الخارجية، حيث يتم تخطي البروتوكول في تحديد المواعيد من أجل حل المشكلات وتصريف الأعمال·

ولخلفه يقول غوكسيل: إن اليوم هو الوقت الأنسب لقوات حفظ السلام في الجنوب أن تقوم بعملها، حيث ستعالج المشكلات من الآن فصاعداً في إطار السلام في الشرق الأوسط·
 

الوعي السياسي

     ويتحدث غوكسيل عن تحركاته الشخصية أثناء توليه مهامه، فيكشف أنه لم يكن حراً في لبنان لأسباب سياسية·

ويوضح: "يحمل البعض تواجدي في مكان ما أو بصحبة شخص ما بعداً سياسياً أو عسكرياً حتى لو أردت الذهاب في رحلة الى نهر الوزاني لكي أستمتع بجماله"·

ورغم حبه لبلده الأم تركيا، لا يفكر في العودة اليها، حيث لم يعد له أصدقاء كونه عاش ربع قرن في لبنان·

لكنه يدرك أن العيش في بلادنا ليس بهذه السهولة، خصوصاً من الناحية الإقتصادية بالنسبة لمتقاعد، فلقد انتقل وعائلته من فلسطين الى لبنان منذ العام 2000 وتأقلمت العائلة· وفي حين يدرس الولدان في مدرسة الجالية الأميركية، يخطط الجميع البقاء في لبنان قدر المستطاع·

وبعد هذه التجربة الطويلة في واحدة من المناطق الحساسة في لبنان، يقول غوكسيل: من الصعب وصف التركيبة اللبنانية، معتبراً أن في وسع لبنان أن يصبح بلداً قوياً إذا عرف حجمه ووحد جهوده، فهو يملك المؤهلات التي لن تجعل منه قوة عسكرية ضخمة لكنها تعطيه الكثير من ناحية التطور التكنولوجي والثقافي والحضاري· أما ما هو بحاجة اليه فهو الوحدة والوعي السياسي·

إن لبنان، برأيه، كان ولا يزال بلد الزعماء، لكن الشعب يدرك مع الأيام، أن زمن الزعماء قد ولى، ولو أن الدولة ليست جاهزة بعد، والزعيم هو الذي يقوم بدورها، بتأمين الخدمات للناس·

ويقول: "لا أستطيع أن أفهم كيف لم نتمكن من إقناع الدولة بإصلاح طريق مساحتها محددة تمتد من صور حتى الناقورة، ففي الماضي كان الزعيم الذي نلجأ اليه يقوم فوراً بحل مثل هذه المسائل· أما اليوم فاننا نلجأ الى الدولة التي عليها أن تكون الزعيم الأوحد"·

وحتى يحصل ذلك؟ يجيب غوكسيل بقوله أخيراً: ربما من خلال الانتخابات النيابية التي قد تصحح الأمور تدريجياً وثبت الوعي السياسي عند الشعب، من دون إغفال دور اللبنانيين في بلدان الإنتشار الذين بعودتهم، من شأنهم أن ينشروا في وطنهم المبادئ التي تلقوها أثناء اغترابهم·

ففي النهاية، إن تغيير ذهنية عمرها مئات السنين لا يحصل في لمحة بصر·

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic