"حي المسيحيين" في النبطية
التراث في العمارة والصفاء في العيش المشترك

النهار (الأحد، 29 حزيران «يونيو» 2003)

ادمون شديد

كنيسة النبطية الخوري إثناسيوس الصايغ
الكنيسة الخوري اثناسيوس الصايغ

     تشتهر مدينة النبطية منذ القدم بكثرة علمائها وادبائها ومثقفيها. وهي تضم احياء كثيرة اهمها حي البياض - حي السراي - حي الميدان - وحي المسيحيين. هذا الاخير يعود تاريخ وجوده الى اكثر من مئتي عام عندما وفدت اول عائلة مسيحية من آل رحّال وهي من اصل بعلبكي الى النبطية، واستقرت في حارة تدعى الآن حي السراي، وكانت تعتبر حي المسيحيين الاساسي. بعد ذلك، انتقلت العائلات المسيحية واستقرت في اراض جديدة قدمت لها من آل الفضل فاقامت فيها مشكلة بذلك حي المسيحيين الذي بلغ عدد منازله نحو 65 ما قبل 1976 وهو يقع بين حي التعمير شرقاً وحي الميدان غرباً، وتحده جنوباً المدرسة الانجيلية الوطنية وشمالاً بلدة كفررمان. 

عقارياً يسمى هذا الحي بحي "قلادش" اما اشهر عائلاته فهي رحّال - حداد - جروان - غفري - ايوب - ابو جفاّل- صايغ. قرداحي - عون - سعد - عبد النور - اسمر - كسرواني عبود - رزق الله - توما - متى - عساف وهم موزعون بين النبطية وبيروت، والقسم الكبير منهم في المهجر. وقد بلغ عدد الناخبين فيه حسب آخر احصاء عام ،2003 201 ذكور و222 اناث. عند دخولك هذا الحي الجميل الذي يمتاز ببيوته الحجرية القديمة ذات القرميد الاحمر حيث لم تمتد يد الهندسة الحديثة اليها، تشعر وكأنك تدخل احدى صفحات الكتب الفنية القديمة، فالبيوت مبنية بطريقة هندسية رائعة الجمال، واكثر ما يميزها القناطر والشبابيك الخضراء. 

المختار وديع رحال
المختار وديع رحال

وبعد جولتنا القصيرة والهادئة في ازقة هذا الحي التراثي الجميل القائم بعماراته والحاضر بسكانه، استقبلنا في احد اجمل بيوت الحي من المختار وديع رحّال (72 عاماً) واجرينا معه دردشة استحضر فيها البعض من ذكريات وحكايات الماضي عن الشخصيات التي تعتبر علامة تاريخية بالنسبة لحي المسيحيين. فأشتهر فيه الطبيب وديع الغفري الذي توفي عام 1959 كما ان سكان هذا الحي كانوا اول من احترف مهنة الحدادة وصناعة النحاس فكانوا يصنعون سكك الفلاحة العربية وحاجيات الزراعة بالاضافة الى جميع انواع قطع النحاس. 

ولم يجد وديع رحّال اجمل من شخص الخوري اثناسيوس الصايغ ليحدثنا عنه، فهو كان معلماً للدروس الدينية في مدرسة الحي الكائنة الى جانب الكنيسة. وكان الخوري الصايغ رجلاً وقوراً والوحيد الذي كان يتقن التركية، بالاضافة الى العربية والفرنسية والفارسية، وهذا ما جعله يبني افضل العلاقات والاتصالات المباشرة مع الاتراك لا سيما مع جمال باشا الذي قدم له امتيازات عدة. ويحكى ان الخوري الصايغ دعا في احدى المرات جمال باشا الى الحي للعب الطاولة متحدياً اياه فحضر الاخير الى الحارة، ولعب ضمن شرط ان الخوري اذا كان غالباً يسلمه جمال باشا كل "الفرارية" اي الفارين من الخدمة وكان له ذلك بعد ان غلبه. وبما ان الخوري هو الوحيد الذي يجيد التركية فقد كان المترجم بين الاتراك وابناء النبطية. 

ولا يمكن الكلام عن حي المسيحيين دون ذكر الكنيسة التي تتوسط الحي، والتي انتهى بناؤها عام 1902 وكان اخر ترميم لها عام 2000 عندما قدم بعض ابناء الحي المساعدات المادية نذكر منهم ميشال رزق والاب الياس جروان. ان استمرار حي المسيحيين حتى يومنا هذا يشكل مثالاً على العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين في النبطية، حيث تمثل ذلك عند وفاة مدير المدرسة التكميلية في النبطية والمفتش التربوي انطون اثناسيوس الصايغ عام .1964 فحضرت يوم دفنه حشود تربوية واجتماعية وابرزهم رئيس الجامعة اللبنانية آنذاك فؤاد البستاني، وفي جناز الاربعين لوفاته اقيم له حفل تأبيني في حسينية النبطية حضره الامام موسى الصدر الذي القى كلمة تأبينية في المناسبة الى جانب حشد كبير من علماء الدين المسيحيين والمسلمين. 

فهل تحافظ النبطية وسائر المدن اللبنانية على التراث اللبناني الأصيل؟ 

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic