نحل لبنان كريم في العسل
والمشكلة في الغش والرش والتصريف
"البلدي" شرس يتكيف مع الأجواء و"الإيطالي" مدلّل وهاديء الطباع

المستقبل (الإثنين، 7 تموز «يوليو» 2003)

رأفت نعيم

عينة عسل قفران النحل في الجنوب
عينة من مخزون العسل قفران النحل في الغازية

     يبدو أن نحل لبنان ومصنع عسله الطبيعي قد طبع بطباع إنسانه لجهة التكيف، ليس فقط مع الأوضاع المناخية وتبدل الفصول، بل أيضاً مع الأوضاع المعيشية التي تنعكس أحياناً في شكل سلبي على مراعي النحل وتؤدي إلى تراجع الاهتمام بها. فإذا بالنحل يتكيّف مع البيئة التي يعيش فيها ويجود بالعسل، وإن كان تكيّفه مع المحيط والأوضاع المناخية المختلفة لا يخفف من حدة طبعه وشراسته، مقارنة مع النحل الأجنبي "الهادئ الطباع".

تلك المفارقة خرجنا بها (سالمين) من "مستوطنة" ربيعية لنحل العسل في أحد بساتين الغازية الساحلية، في منطقة الجنوب اللبناني الذي يشكل إنتاجه من العسل نحو خمس الإنتاج اللبناني. لكن، دون ذلك كله، جهد كبير يبذله النحالون الجنوبيون للحفاظ على مستوى إنتاجهم وجودته، ودونه ايضاً صعوبات يواجهونها، ليس أقلها الخطر الذي يهدد مراعي النحل من جراء السموم والمبيدات التي ترش بها أشجار الحمضيات والأزهار. وايضاً عدم القدرة على تصريف الإنتاج المحلي ومنافسة العسل الأجنبي المهرّب له.

يقول أمين سر نقابة النحالين في الجنوب، الحاج محمد علي جواد، الذي يعمل في تربية النحل منذ العام 1968 ويملك حالياً نحو 150 قفيراً، "هناك موسمان رئيسيان لإنتاج عسل النحل في لبنان كل سنة، موسم صيفي وآخر ربيعي. ولكل موسم خصوصيته من حيث النوعية والطعم والرائحة تبعاً للزهر المأخوذ منه، فخلال فصلي الشتاء والربيع، تنقل "قفران" النحل إلى المناطق الساحلية التي تزهر فيها بساتين الحمضيات خلال هذه الفترة من السنة، ولا سيما زهر الليمون والأكي دنيا الذي ينتشر على طول الساحل الجنوبي، وهو يمكن أن يعطي موسماً كاملاً خلال شهر واحد.

وخلال فصلي الصيف والخريف تعاد "القفران" إلى المناطق الجبلية التي ينبت فيها الزهر الصيفي، مثل زهر الزعتر والشنداب والسنديان والفاقوع والدردار والقرص عني، وأنا أتنقل بالقفران صيفاً بين ميس الجبل وجزين جنوباً والباروك شرقاً.. وتتوزع "القفران" صيفاً على مناطق متفاوتة الارتفاع بين الوسطية (أي دون 1000 متر) والعالية (1500 متر وما فوق). وبالتالي يمكن أن يغدو الموسم الصيفي موسمين لإنتاج العسل.
 

أنواع النحل

     عن أنواع النحل الموجود في لبنان وطبيعته، يقول جواد أن النحل الموجود بكثرة هو النحل السوري وأكثره هجين بين الايطالي والبلدي، والفرق بينهما أن النحل الايطالي له خرطوم أطول من البلدي وحجم النحلة أكبر، وهو هادئ الطبع ويعطي كميات هائلة من العسل، لكنه نحل مدلل يحتاج إلى الاهتمام بمرعاه، ما يضطرنا الى إطعامه اذا نضب المرعى.

وملكة النحل الايطالية بياضة أكثر من الملكة اللبنانية وكثيرة الأكل. اما النحل البلدي (اللبناني) فيتكيف مع الجفاف والمراعي القليلة الزهر، وهو في ظرف كهذا، يعطي الكميات نفسها التي يعطيها في المراعي الكثيرة الزهر، لكن النحلة البلدية شرسة الطباع".
 

الإنتاج

     ويتحدث عن الإنتاج المحلي من العسل مشيراً الى أنه "يوجد في لبنان كله بين 125 ألف خلية (قفير) و150 ألفاً، نحو 25 الفاً منها في منطقة الجنوب وحدها التي تنتج نحو خمس العسل اللبناني. والمعدل الوسطي لإنتاج الجنوب من العسل في السنة الواحدة 375 طناً أي 15 كيلو غراماً للقفير الواحد. ولا يقتصر إنتاج النحل على العسل وحده، بل هو ينتج ايضاً حبوب اللقاح وغذاء الملكة و"البريوليس" وهي مادة صمغية يجنيها النحل من براعم الاشجار ليسد بها الشقوق داخل قفيره. ونحن في لبنان لا ننتج من كل ذلك سوى العسل وغذاء الملكة، اما حبوب اللقاح فنأتي بها من اسبانيا".
 

أفضل العسل

     أما أفضل العسل فيؤكد جواد انه "المأخوذ من زهرة الشنداب والقرص عنّي والزهر الجردي عموماً. ولكن هناك فهماً خاطئاً لدى معظم الناس لطبيعة العسل، فالبعض يرى أن برغلة العسل أو تجمّده تعني انه مغشوش وهذا غير صحيح، لكننا نضطر في كثير من الأحيان الى مجاراة الطلب حيث نقوم بتمييع العسل لنتمكن من تصريفه وبيعه، على الرغم من أن تمييعه قد يفقده الكثير من خواصه العلاجية والفيتامينات التي يحتوي عليها. كما أن هناك قناعة لدى الكثيرين أن سعر العسل مرتبط بجودته، وأنه كلما كان السعر مرتفعاً كان أكثر جودة والعكس بالعكس، لكنها ليست قاعدة، وعادة يكون العسل الجردي الصيفي أعلى سعراً من العسل الساحلي الشتوي".

ويلفت جواد إلى أن العسل يفرز على أساس نوعية الزهر المأخوذ منه، ولكل زهر طعمه ولونه ورائحته وميزاته.
 

نقابة النحالين

     وعن مناحله وعمل النقابة يقول: "بدأت بتربية النحل في العام 1968، بخمسة "قفران"، ثم تفرغت لهذه المهنة في شكل كامل بعد تقاعدي في العام 1993، وحالياً أملك نحو 150 قفيراً. وفي العام 1998 تأسست نقابة نحالي الجنوب التي تضم 15 عضواً من مربي النحل في منطقتي الجنوب والنبطية. وينتسب إلى هذه النقابة نحو 400 نحال ومزارع.

والنقابة عضو في "الجمعية المتحدة لتعاونيات النحالين في لبنان"، وهذه الأخيرة عضو في "اتحاد النحالين العرب". ونقوم كنقابة بالكثير من النشاطات المشتركة سواء مع جمعيتنا في لبنان أو مع الاتحاد العربي أو مع "جمعية نحالين بلا حدود". وهناك مشروع اتخذت النقابة قراراً في شأنه وهو إنشاء مختبر لفحص العسل وتوضيبه في مقر النقابة الحالي عند مثلث بافليه ـ شحور دردغيا في منطقة صور.
 

صعوبات

ويختصر جواد الصعوبات التي تواجه تربية النحل في لبنان بثلاث رئيسية:

أولها ـ الخطر الذي يهددها بفعل السموم والمبيدات التي ترش بها الاشجار المزهرة، وخصوصاً الليمون والتي تؤدي إلى تسمم النحل وموته.

ثانيها ـ مشكلة عدم وجود أسواق للتصريف محلياً وخارجياً، ومنافسة العسل المهرب من الخارج للانتاج المحلي. وفي هذا المجال يقول جواد أن موسمه هذا العام كان قوياً وانتجت "قفرانه" 1850 كيلوغراماً من العسل لكنه لم يبع منها سوى 600 كيلوغرام، ولا يزال الباقي مكدساً في المستودع.

ويشير إلى تحرك تقوم به النقابة على هذا الصعيد في اتجاه إدارة الجمارك ووزارة الاقتصاد لمنع التهريب، بعدما نجحت النقابة في السابق، في فرض ضريبة 8000 ليرة على كيلو العسل الأجنبي المستورد بشكل شرعي منعاً للمنافسة مع الإنتاج المحلي.

اما الصعوبة الثالثة التي يواجهها إنتاج العسل الوطني، فهو قيام بعض التجار بتسويق عسل مصنّع من السكر والماء، علماً ان الكثير من الناس لا يستطيعون التمييز بين العسل الأصلي وغير الأصلي.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic