التبغ بين عشوائية المبيدات وغياب الإرشاد
هاجس مكافحة الأمراض ينميه تسويق الأدوية

المستقبل (الإثنين، 7 تموز «يوليو» 2003)

فادي البردان

مسابك التبغ في جنوب لبنان
مسابك "الدخان" في دبل

     لا يختلف جنوبيان في تقويمهما لدور زراعة التبغ في حياة أبناء المنطقة الذين يجمعون على التأكيد بأنها فرصة العمل المتاحة في ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة والتي ينخرط فيها جميع أفراد العائلة كباراً وصغاراً، نساء ورجالاً، بحسب قول مارون الحاج (64 عاماً) من بلدة رميش الحدودية، ويضيف "ليس هذا في بلدتنا فقط، بل في مختلف القرى الجنوبية، حدودية كانت أم غير حدودية، وإن كانت رميش تستأثر بنصيب الأسد سواء من حيث عدد العاملين (90 في المئة) من أبناء البلدة، أم من حيث الانتاج الذي يتجاوز مردوده ملياري ليرة سنوياً.

ولا يختلف إثنان أيضاً في أن زراعة التبغ المستوطنة والتي باتت تراثية، تكلّف المزارع، إضافة الى الفاتورة التقليدية، زرعاً وتسميداً وعناية ومكافحة جفاف، فاتورة أخرى تنمو باضطراد ترتبط بمكافحة الأمراض التي تصيب الشتل عبر استخدام مبيدات ينشط المسوّقون لها في نشرها واستخدامها بكثافة تتخطى الحاجة الفعلية إليها، بحيث بات استعمالها يتّصف بالعشوائية و"البحبحة"، بعيداً عن أي إرشاد، حتى ذاك المرفق بعبوات الأدوية، الأمر الذي ينعكس سلباً على الكائنات الحية اللازمة لنمو التبغ وعلى بيئة الحقول وحشراتها النافعة، خصوصاً على عاملات النحل سريعة التأثر بأي خلل بيئي، فكيف إذا كان الخلل ناتجاً عن الاستعمال المفرط للمبيدات؟

وإذا كان المدرك للمخاطر من المزارعين يغريه التسويق، فإن تغاضي الوزارات المعنية بالزراعة والبيئة وغياب الارشاد الزراعي، إلا في بعض المحاولات الخجولة، من شأنه ان يفاقم المخاطر، ليس على الحشرات النافعة والنحل وحسب، بل على الشتلة المتصلة بحياة وإنتاج وحاضر ومستقبل عائلات لا تزال تتشبث بأرضها الزراعية وبزراعاتها التقليدية.

ويسجل في هذا الاطار غياب آخر أو حضور حي للجمعيات المعنية بالتنمية عموماً وبشقها البيئي ـ الزراعي خصوصاً، علماً ان بعضها ناشط في الإرشاد حول مكافحة الآفات الزراعية بوسائل صديقة للبيئة في بساتين الفاكهة والزيتون، وبعضها الآخر ناشط "في الحديث" عن البيئة والتنمية والزراعة العضوية... الخ.
 

ملاحظات وتمنيات

     يسجل راعي أبرشية دبل الأب يوسف نداف، جملة ملاحظات يعتبرها أساسية تطال زراعة التبغ نوعاً وكماً. ويحمل تمنياً يضعه برسم المسؤولين وهو زيادة رخص التبغ أولاً واستخدام الناتج الفائض منه بأسعار عادلة، ويقول: "من المعلوم ان لكل عائلة (رب أسرة) سقفاً للانتاج بحيث لا يتجاوز ما تتسلمه الإدارة 100 كيلوغرام عن كل دونم، ويتساءل ماذا نفعل بالانتاج الزائد؟ إنهم يدفعون خمسة آلاف ليرة بدل الكيلوغرام الواحد مقابل 12 ألف ليرة للكيلوغرام المماثل ضمن سقف الـ100 كيلوغرام المحددة".

ويضيف: "إن دبل كغيرها من البلدات تعتمد كلياً "اليوم" على هذه الزراعة بعدما انعدمت أي فرص أخرى".

وعن نوعية المحاصيل هذا العام، يشير الحاج الى ان "زراعة التبغ وإن كانت بعلية فهي عرضة لأمراض كثيرة ليس أقلها لهذا العام مرض "المن الأسود" فيما كان "الميلديو" مرض العام الغائب".

ويقول: "أياً كان نوع المرض فلا بد من استخدام الأدوية والمبيدات وهذا ما يتم فعلاً ما أدى الى خلل في النظام البيئي وقضى على سلسلة من الكائنات الحية، لا سيما منها الحشرات المفيدة"، ويرى ان هناك استخداماً عشوائياً ومفرطاً للأدوية والمبيدات أثّرت سلباً على خلايا النحل تحديداً، سواء من حيث العدد و من حيث نسبة انتاج العسل، لافتاً الى انه "ليس كل المزارعين خبراء بيئيين" وهم بحاجة الى إرشاد وتوعية، متسائلاً عن دور وزارة الزراعة والإدارات المعنية، الغائب، في هذا المجال.

وفيما يشير الأب نداف الى عدم سماعه أي شكوى من المزارعين هذا العام يقول: "إن المواطنين قد اعتادوا على معالجة أمورهم بأنفسهم وهم يحرصون على فلاحة أرضهم وزراعتها بالشكل الأنسب، مشيراً الى ان كلّ ذلك يتم على نفقتهم ولا يتذمرون، إما ان يشتروا المبيدات والأسمدة من دون توجيه أو إشراف من أي جهة مسؤولة فهذا يوقع عبئاً إضافياً عليهم"، ويؤكد: لولا مساعدة بعض الجمعيات الخيرية لهؤلاء المزارعين لسمعنا الشكاوى الكثيرة.

وفي وقت يطالب فيه الحاج بصرف "الأدوية والمبيدات" بوصفات مدروسة ودقيقة على غرار الوصفات الطبية الصادرة عن الأطباء، يدعو رئيس بلدية دبل إبراهيم بشارة "الريجي" الى زيادة الرخص للمزارعين، لأن لا وسيلة ولا فرصة أمام سكان البلدة سوى هذه الزراعات". ويقول: "صحيح أنهم خدمونا في الريجي وأعادوا الكثير من الرخص للذين غادروا الى "إسرائيل" إبان التحرير في العام 2000 ومن ثم عادوا، لكن طمعنا بسعة صدر المسؤولين منهم كبير ونأمل أيضاً باستلام الكميات المنتجة بكاملها وبالأسعار نفسها، لافتاً الى ان هناك أكثر من مشروع زراعي في البلدة قيد الإنجاز منها استصلاح أكثر من 100 دونم، كما ان هناك توجهاً لحفر بئر ارتوازية ثانية ما قد يخفف العبء عن "الريجي"، ولكن حتى ذلك الحين ما عليهم سوى ان يلتفتوا إلينا ويمدوننا بما لديهم من امكانات.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic