الليطاني يلفظ التعديات
وغياب الرقابة يشرّعها

السفير (الإثنين، 21 تموز «يوليو» 2003)

كامل جابر


عندما انتفض النهر على المعتدين في الشتاء الماضي

تعديات جديدة في الخردلي

     تتمرّد المسابح والمتنزهات والمقاهي، مرة جديدة، على مجرى نهر الليطاني من جهة، بعد فيضانه مطيحاً بكل التعديات على ضفتيه ومجراه، وعلى قرار مجلس الوزراء في السابع والعشرين من شباط المنصرم من جهة ثانية، والقاضي برفع التعديات عن حرم الأملاك النهرية بصورة عاجلة ورفض أي تسوية حول هذا الموضوع، وبشكل خاص عن روافد ومجرى نهر الليطاني والنهر الكبير وحرم الأملاك النهرية على جميع الأراضي اللبنانية. 

وهكذا تبقى ضفاف ومجاري نهر الليطاني، من البقاع، إلى الجنوب، وصولاً إلى البحر قرب القاسمية، وكذلك الحاصباني والوزاني، والعديد من الينابيع، عرضة للتعديات، لا تلجمها قرارات مجلس الوزراء ولا وزارة الداخلية والبلديات، أو المحافظين والقائمقامين، أو البلديات المعنية، أو حتى دوريات قوى الأمن الداخلي، وهي تعديات تستند في معظمها إلى “دعم” حزبي أو أمني أو حتّى سياسي، ما جعلها تطيح بالضوابط القانونية والأمنية والقرارات الصادرة في هذا الشأن، لا بل هي أمتدت مؤخراً إلى بعض الأحراج والأملاك العامة والخاصة، وعبثت بها مثلما شوّهت مجاري الليطاني والحاصباني والوزاني ومختلف الينابيع، وضفافها، ابتغاء للتجارة والإفادة المادية. 

إلى التعديات على الأملاك النهرية، تتعرّض هذه الأملاك، إلى اعتداءات بيئية أخرى، تتمثّل في دفع النفايات وبعض المجاري ومخلّفات عدد من المعامل والمؤسسات، إلى أتون هذه الطاقة المائية، التي تشكل مصدراً رئيساً لمياه الشفة والاستعمال في كثير من المناطق والأمكنة الجنوبية والبقاعية. 

وكانت المديرية العامة للموارد المائية والكهربائية قد أشارت في الآلية التنفيذية المقترحة لتنفيذ قرارات مجلس الوزراء الواردة في محضر 104، رقم 38 تاريخ 27/2/2003، أنه سبق لها وأصدرت عدداً كبيراً من الإجراءات اللازمة لرفع التعديات عن الأملاك العامة النهرية، وأبلغت ذلك في حينه إلى المراجع المختصة المولجة تنفيذ هذه المهمات، ولكن لأسباب عدة لم تتمكن هذه الجهات من إزالة التعديات بصورة فعالة ونهائية. والأمر عينه يتكرر اليوم، من دون أن تتمكّن أي جهة مختصة أو معنية من رفع التعديات، أو منع تزايدها، وخصوصاً في المدة الأخيرة. 

في السادس والعشرين من آذار الماضي، تلقّى المحافظون تعميماً يؤكد إزالة التعديات على الأملاك العمومية النهرية، وإزالة جميع التعديات الواقعة على مجاري الأنهار ضمن نطاق كل محافظة، والتأكد من التزام شاغلي الأملاك العمومية بالمساحات المسموح لهم بإشغالها، بموجب المراسيم والقرارات المعطاة لهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين. 

ويمكن الإشارة هنا، إلى أنه لا يوجد في محافظتي الجنوب والنبطية أي مرسوم أو قرار يسمح لأي كان باستثمار الأملاك العمومية غير ان وزارة الداخلية أعطت لصاحبة العلاقة، اي البلديات، حق منح الرخص في حالة هذه المتنزهات، على أن تكون من أعمدة حديدية ومسقوفة بالقماش أو القرميد وموسمية. 

ولم يكد يطل الصيف ببشائره حتى باشر أصحاب المتنزهات الموقتة، والمقاهي المنتشرة على ضفتي نهر الليطاني بترميم وتأهيل ما خرّبه النهر إبان فيضانه، من دون العودة إلى استصدار تراخيص أو أذونات بإعادة تشغيل، وهم كانوا بعد قرارات مجلس الوزراء بإنهاء التعديات، قد “حسبوا ألف حساب” للنهاية الحتمية المفروضة بفعل الطبيعة ليس دونها. بل تعدّى الأمر إلى لجوء عدد من أبناء القرى والبلدات، جارات النهر، ممن يملكون بعض العقارات القريبة من ضفتيه، إلى بناء منشآت جديدة، غير مرخصة، من الإسمنت والحجارة، مهدت لها جرافات عبثت بمجرى النهر، آخرها قرب جسر الخردلي لمالك عقار من كفرتبنيت. 

ويقول رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني المهندس ناصر نصرالله : “ما نفّذ حتى اليوم من بعض التطهير لمجرى نهر الليطاني وضفتيه كان بفضل الطبيعة فقط، التي ألغت بعض التعديات. “ونحن كمؤسسة لا علاقة لنا في إزالة التعديات على مجرى الليطاني، هي مسؤولية وزارة الطاقة والمياه في المناطق المستملكة لمصلحتها، وهي منوطة بنظافة المياه ومنع التلوث والمحافظة على الأنهر”. 

ونبّه نصرالله إلى وجود عشرات الدعاوى القائمة من سنوات بخصوص التعدّي على الأملاك النهرية ومنشآت نهر الليطاني ومؤسساته الرسمية، ولم يبت بأمرها حتى اليوم. وخلص إلى وجوب تنفيذ قرارات مجلس الوزراء بإزالة التعديات “من خلال مسح شامل تعقبه برمجة لرفعها ومنع أي تعدّ جديد”. 

لم يسلم المحافظون والقائمقامون ورؤساء البلديات من أصابع الاتهام في عناوين السماح بالتعديات على الأملاك النهرية وبإنشاء مقاهٍ ومتنزهات، بيد أن المتعدين اعتمدوا في سيطرتهم على ضفاف النهر ووسطه على مرجعيات حزبية وسياسية وسلطات عليا، تجاوزت موافقة المحافظين أو القائمقامين والمراجع المحلية. 

وكان محافظ النبطية القاضي محمود المولى قد وجّه بتاريخ 11/01/2001 التعميم الرقم 86 إلى قائد سرية درك النبطية وفيه: نأمل منكم إبلاغ كل فصيلة ومخفر ضمن نطاق محافظة النبطية ضرورة مراقبة الأملاك العامة والمشاعات دورياً لمنع التعديات بكل أنواعها (بناء، زراعة أشجار، رمي نفايات وغيرها) و”خصوصاً الأملاك النهرية لمنع إقامة منشآت ثابتة أو موقتة عليها دون موافقة السلطات المختصة. والطلب إلى أصحاب المنشآت المقامة دون ترخيص قانوني إزالة هذه المنشآت خلال 15 يوماً” من تاريخ تبلغهم هذا الكتاب (على نهر الليطاني وغيره) وطلب التشدد بمراقبة أصحاب الأملاك الخاصة المجاورة لنهر الليطاني وغيره لجهة تحوير مجرى الأنهار لمصلحتهم الخاصة دون الحصول على موافقات من السلطات المختصة. 

غير أن هذا التعميم، فضلاً عن قرارات مجلس الوزراء، لم يلق صداه وبقيت المنشآت والمتنزهات والمقاهي، على تنوعها، تفتك بجانبي النهر وبمجراه وبالطبيعة المحيطة، يعتمد العديد من أصحابها على النفوذ السياسي والحزبي . 

وبتاريخ 15/03/2001 وجّه المحافظ المولى كتاباً آخر إلى قائد سرية الدرك فيه: نكلّفكم إعداد بيان بكافة التعديات على ضفتي نهر الليطاني ضمن نطاق محافظة النبطية من منشآت واستراحات وغيره وتنظيم المحضر اللازم بحقهم وإيداع نسخة عنه للنيابة العامة، وذلك بالسرعة اللازمة والإفادة. 

والملاحظ في هذه التعاميم المتكررة الصادرة عن محافظ النبطية وغيره، أن نفوذ أصحاب هذه المنشآت والاستراحات والمتنزهات قد تكون أقوى من سلطة المحافظ أو القائمقام أو رئيس البلدية. 

بات على نهر الليطاني أن يجني وحده تبعات هذه المنشآت غير المرخصة و”اللاشرعية”، فيما ترسو في مياهه العذبة وحول ضفتيه وروافده، مخلفات المراحيض المبنية إلى جانب المتنزهات، وفضلات الأطعمة والنفايات. وحده النهر يجب أن يحمل همّ التخلّص من البقايا الطارئة من الاستراحات، المستفيدة من ربح الإقامة غير الشرعية، وبالتالي همّ الرسوم والضرائب المتوجبة في هذا الإطار للبلديات والدوائر المختصة، ووحده أضحى قطار سفر النفايات من جوانب القرى إلى البحر وغير البحر، من دون حسيب أو رقيب!

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic