الشتلة "المُرة"
لقمة عيش تُقطف ليلاً وتشدّ الرباط بالأرض
حكايات من القرى العاملية عن التبغ والعائلة وعيش الكفاف

المستقبل (الجمعة، 25 تموز «يوليو» 2003)

تغريد عبدالله

أوراق التبغ مسابك الدخان جنوب لبنان

     منذ خيوط الفجر الأولى يفيقون، يحاربون النعاس الذي أثقل أجفانهم، سعياً وراء لقمة العيش المرّة.

تدنو إليهم ورائحة الأرض لا تزال تعبق في ملابسهم، وهم فرحون ولا يتذمرون، فشتلة التبغ مصدر رزقهم واستمرارهم..

إنه موسم قطاف الدخان الذي يهّم في تحضيره قسم كبير من اللبنانيين عموماً، والجنوبيين على الخصوص. فللقطاف عندهم معنى آخر ودلالة أخرى، لا بل دلالات عشق ودلال.

شتلات التبغ تزهو فرحاً عندما تداعبها أنامل النساء والأطفال، وهي إذ تنسج علاقة طيبة بهم، يتآلف الجميع في بوتقة واحدة لا تكاد تنتهي مع قطاف الموسم، حتى تبدأ الحكاية من جديد مع بداية زراعة الموسم الجديدة وتستمر...

لطالما كانت شتلة التبغ "الجنوبية" حكاية عن بدائية وسائل الانتاج، والزراعة العائلية و"اللقمة المرة".

وهي لم تعد مجرد نمط إنتاجي أو وسيلة لتوفير مستلزمات العيش، إنما أصبحت جزءاً من التراث الشعبي لأبناء هذه المنطقة، فتحولت رمزاً للصمود في الأرض.

قد يكون صعباً وضع حدّ بين هذه الزراعة وزارعيها، فهي عاشت عصر التوسع أيام الهدوء، لتعود وتنكفئ أيام الحرب. وها هي الآن تستعيد بعض حضورها مستفيدة من عودة الدولة إلى كل الوطن.

عابر الطريق نحو البلدات الجنوبية المحاذية لمدينة النبطية غالباً ما يغريه التمهّل والتحديق في مشهد الأراضي التي حصدت للتو، أو في المساحات المرتبة التي زرعت فيها أنواع الخضر المختلفة، التي اختار منها زارعوها أفضلها، فزينوها على البسطات المرتجلة التي استحدثوها على جانبي الأوتوستراد كالشمام والقثاء والبندورة. فيما يطل من ورائها أولاد يافعون أو نساء في خريف العمر..

وكلما تقدمت في المنطقة، واجتزت الطريق صعداً باتجاه القرى العاملية، المنتشرة على التلال والأودية، يتضاعف الهدوء والسكينة فتخال المنطقة غارقة في صمت "بوذي" بعيداً عن صخب المدن ومشكلات الازدحام والعبور المتواصل.

على جانبي الطريق الرئيسية التي تتفرّع منها دروب تفضي إلى القرى المجاورة، تتوزع أشجار سامقات ظللت الأرض بفيئها العاطر المنعش في مساحات مقطعة ومرتبة.

وفي إحدى تلك البلدات، تستوقفك خضرة شتلات التبغ المتماوجة في الأرجاء على مدّ النظر. لتفضي الطريق بعدها إلى فُسَح غاب عنها الاسفلت مسّدت ترابها أطر السيارات حتى أحالته ناعماً، أبيض، لتفوح منه رائحة مزيج من الغبار، وروث المواشي في زرائب قريبة!
 

زراعة الفقراء

قطاف التبغ في جنوب لبنان

     في الطرف الأخير من البلدة، نتوقف أمام منزل اسمنتي "يحرس" إحدى تلك الحقول اجتمع في باحته الخارجية أولاد ونساء من كل قياس وعمر!

تدعونا صالحة حسن، المرأة الأربعينية الى الجلوس بعد أن تستفسر عن أسباب الزيارة. وتهرع مسرعة إلى داخل المنزل لتبدّل ثيابها بعد أن تلمح آلة التصوير.

تعمل صالحة في زراعة التبغ منذ مدة قصيرة، "لكنها كافية للوقوف على أسرار المهنة" عندما تبدأ بالحديث عن هذه الزراعة، تسترسل من دون توقف "زراعة الدخان كلها تعب، نعمل طول السنة، نزرع الأرض ونرش الأدوية ونشتري المياه للري ثم نستدين حتى نكفي حياتنا اليومية: اقساط مدارس وكهرباء ومياه، يعني، الحياة كلها تعب وشقاء".

ولا تنتظر أي أسئلة بل تتابع حديثها "زراعة الدخان هي زراعة الفقراء للّي قاعدين بلا شغل. واذا بدك تحسبي المحصول آخر السنة منطلع صلح نحن والتعب والمصاريف".

يحضر الزوج محمد حمزه فتشرح له زوجته الموضوع على عجل. ومن ثم يرتشف قهوة كانت معدة "أقول لك صراحة، أنا لا أعتمد كلياً على زراعة التبغ، لأنها لم تعد تكفي هذه الأيام، ولهذا زرعت الملوخية والبندورة والخضر الموسمية التي تعطي مردوداً أفضل على أساس أن مردود الدخان لا نحصّله إلا آخر السنة".

يقول حسن: "على الرغم من أن الانتاج تحسّن في السنوات الأخيرة وصرنا نبيع كيلوغرام الدخان بأحد عشر ألف ليرة تقريباً، إلا أن المعيشة غالية".

تتدخل صالحة: "العائلة كلها تعتاش من الزراعة، وحظنا السيئ هذه السنة ان المرض ضرب الدخان، وحرق البصلة من جذورها، وشلّ الشتلة حتى فقدت "أوراقها النضارة".

ويؤكد زوجها الأمر: الجعفيل أصاب أوراق التبغ وأفقدها حيوتها، فأصبح لونها رمادياً وباتت تحترق على أمها".
 

60 عاماً في جوار الشتلة

     تعمل زهرة علوية، وهي في حدود العقد السادس في زراعة التبغ منذ أن كانت بعمر الزهور، ولطالما تناقل أهل بلدتها رواية ولادتها في جوار شتلة التبغ!

وتعلّق بالقول: "ربما قدري أن أولد وأعيش عمري كله مع هذه الشتلة".

المرأة الستينية اليوم هي الأشهر في المنطقة، في شك الدخان وتوضيبه وإعداد افضل انتاج، وقد حازت جائزة من ادارة حصر التبغ "الريجي" أكثر من مرة لإتقانها عملها...

تقول : " أصبحت زراعة الدخان جزءاً مهماً من حياتي، بل كل حياتي، حتى انها حُفرت على كفي".

وتومئ المرأة إلى كفيها وتقول "أنظري ماذا فعلت الشتلة المرة من شقوق سوداء" وتتابع من دون أن تأخذ نفساً "لكني أحبها، فهي مورد رزق عائلتي الوحيد".

تشرح زهرة عملها طول العام "يبدأ الأمر ببذرة صغيرة نرعى نموها شهرين ويستمر العمل خلال هذه المرحلة من الصباح الباكر حتى بعد الظهر. وفي شهر حزيران حين تنمو البذرة لتصبح شتلة، "نقلعها" من المشتل لنغرسها في الأرض. وبعد أن تنضج الأوراق، تُقطف ثم تُشك في سلك معدني رقيق هو الميبر ثم تفرغ في خيط من القنب، وتنشر في الشمس لتجف وتحفظ بعدئذ معلقة على الجدران في إحدى زوايا المنزل".

وتتابع زهرة "في الخريف تفرط الأوراق وتُدك بعضها فوق البعض، ثم تعبأ في طرود بحسب جودتها، وتتابع مسيرتها نحو الريجي".

وتقول "أيام القطاف هي الأشد مشقة، فيها تصحو العائلة بكبارها وصغارها عند منتصف الليل، على أساس أن القطاف لا يكون إلا وقت الندى، نذهب إلي الحقل، والنعاس يغلب جفوننا، حاملين المشاعل، حتى تظهر الحقول في الظلام الدامس واحة من المصابيح المضاءة".
 

المزارع العريق

     يُعرف الحاج أبو ابراهيم بمزارع التبغ العريق في بلدته كفرتبنيت وهو علّم اولاده العشرة من شتلة التبغ، حتى حصلوا شهاداتهم العليا.

يقول "كنت أزرع أكثر من 30 دونماً كان مردودها ممتازاً آنذاك. لم يكن ثمة بيوت كثيرة، بل كانت الأراضي عبارة عن حقول تبغ ومزروعات أخرى.

هذه الزراعة، وفرت لعائلتي حياة كريمة، أكثر من ذلك أدخلت البهجة إلى جو عائلتي، لا سيما حين كان أطفالي يشاركونني العمل أيام العطل".

ونسأل الحاج عن وضع الزراعة اليوم فيقول "اليوم تبدل الوقت، المردود بات غير كاف، خصوصاً لصاحب العائلة الكبيرة، فالأكلاف مرتفعة حتى رن المزارع يستدين على امتداد العام حتى يسدد جزءاً من مصاريفه في نهاية الموسم".

ويؤكد ان "العودة إلى مزاولة زراعة التبغ سببها عدم وحود بديل فمعظم المزارعين صاروا فقراء وعاطلين عن العمل. فالمعيشة غالية وزراعة التبغ أفضل من البقاء مكتوفي الأيدي".

كثيرة حكايات شتلة التبغ، يرويها زارعوها ومحبوها.. وهي اذ تختزل حياة اللبناني الجنوبي لا تزال عصب الحياة في مناطق عزّت فيها فرص العمل والانتاج.
 

الشتلة وتصنيفها

     في تاريخ الشتلة، تتعدد آراء المؤرخين حيال السنة التي وصلت فيها أول شتلة تبغ الى لبنان. المعلم بطرس البستاني لم يذكر شيئاً في "دائرة المعارف" عن هذا الموضوع، لكنه اكتفى بالقول إن الاسبان أدخلوا التبغ الى بلاد الفرس عام 1600م، وإن أنواعاً منه كانت معروفة في البلاد، قبل نحو 400 عام. أي في العام 1200م.
أما البطريرك اسطفانوس الدويهي فيشير الى أن "الدخان" انتشر في العام 1598 وكان يسمى "التُتُنْ"، وقد جاء التبغ الى لبنان عبر إيطاليا مروراً بشمال سوريا. وثمة من يعتقد أن التاريخ الفعلي لوصوله كان أيام الأمير فخر الدين المعني في العام 1625.

مهما يكن شأن موعد وصوله، فإن اللبنانيين كانوا في لحظة أمام نبتة جديدة من فصيل الباذنجيات، وحيدة الساق، يراوح ارتفاعها بين 50 و250 سنتيمتراً، وأوراقها مختلفة الشكل والحجم، كاملة، خماسية البتلات، أحادية الميسم، بذورها دقيقة كستنائية اللون.

أول مَنْ صنَّف التبغ هو العالم كونت، عام 1818 ثم دون، عام 1838 الذي أحصى "ثلاثة وثلاثين نوعاً وأربع فئات جسموية".

وأول من درس تكوين التبغ كان الدكتور "أناستازيا"، عام 1914، ثم إيست عام 1928.

وتعد المناطق الحارة، مهد هذه النبتة، وذلك أن أوراقها العريضة والرقيقة وطريقة انتشارها، تشبه نباتات تلك المناطق.

وهي تزرع في مناطق الشرق بعد آخر هطل مطر محتمل، للحصول على أجود الأوراق، وأفقر الأراضي تربة هي التي تقدم أفضل انتاج، وينبغي أن تكون أراضي الزرع بعيدة عن الأشجار، لأن جذورها الممتدة داخل التربة تمتص الغذاء الذي يجب توافره للنبتة.

وزراعة التبغ موسمية، وهي إما بعلية أو مروية.

وتعيش البعلية في مناطق يراوح ارتفاعها بين 200 و900 متر، وغالباً ما يستصعب الفلاح استثمارها في زراعة أخرى. أما التبغ المروي فيعيش في السهول.
 

تاريخ وإدارة

     اجتازت زراعة التبغ في لبنان مراحل عدة شهدت خلالها المزيد من التوسع والتطوّر، ففي المرحلة التي كانت فيها زراعة التبغ بدائية أنشأت الدولة العثمانية إدارة حصر التبغ والتنباك ومنحت إحدى الشركات الفرنسية حق احتكار التبغ في مختلف الولايات باستثناء جبل لبنان.

ثم كانت مرحلة فك الاحتكار بدءاً من العام 1930، واستبدال نظام "البندرول" به، فأبيحت حرية زرع التبغ وصناعته وتجارته بناء على علم وخبر يقدّم الى وزارة المال. تلاها مرحلة النظام الاحتكاري الحديث بدءاً من 30 كانون الثاني عام 1935، وطبّق على جميع الأراضي اللبنانية والسورية.

مع نشوب الحرب العالمية الثانية، تقلصت الأراضي المزروعة تبغاً الى حدود 14824 دونماً لتعود فتتوسع بعد انتهاء الحرب وخلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي ولتشهد عودة "ميمونة" الى زراعة التبغ في أكثر من منطقة على نطاق واسع خلال السنوات الأخيرة بسبب تراجع مردود زراعة المحاصيل وارتفاع أسعار التبغ.

 

..وبدأ موسم القطاف

شك الدخان في رامية جنوب لبنان

     إنها شتلة التبغ، وشتلة الصمود التي ارتبط اسمها بصمود الجنوبيين ومقاومتهم لكونها شكلت على مدى عقدين ونيّف من الزمن مصدر الرزق الوحيد الذي كان يخرق حصار الاحتلال الاسرائيلي لمورد العيش الجنوبي، للأرض الجنوبية وما يزرع فيها من خيرات في مواجهة أدوات الموت التي كان يزرعها الاحتلال...

ومع دخول فصل الصيف، يتقدم موسم قطاف التبغ مواسم الحصاد الجنوبية، لتتحوّل ورشة قطافه وشكّه وتشميسه عرس فرح يشارك فيه الصغير والكبير في كل بيت جنوبي ويعتاش من هذه الشتلة. كما هي الحال بالنسبة لعائلة مصطفى عيسى في بلدة رامية الجنوبية التي تحررت قبل ثلاث سنوات.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic