السينما
في المناطق الجنوبية

السفير (الأربعاء، 13 آب «أغسطس» 2003)

كامل جابر


مقاعد من دون رواد في مرجعيون

آلة عرض في سينما ريفولي في النبطية

     تحوك السينما في بال الجنوبيين، نسيجاً من أصيل الذكريات، يترنح بين الأسماء والأمكنة، و”آفيشات” الأفلام، الحاملة صور نجوم العهد الذهبي في السينما العربية، والغربية والهندية، من الأسود والأبيض وصولاً إلى زاهي الألوان. مطارح حلّت “بعد غرام راود أصحابها”، لتطيح بالخانات القديمة، والأبنية التراثية وتتربع على صمتها، وتشكل مع آلاتها الضخمة العاملة على تماس الفحم، (سلبي وإيجابي) مرابع لحكايات عشق الناس، وللترويح وللثقافة والأدب، وللسياسة في آن معاً. 

مرابع شرّعت أبوابها وشاشاتها الضخمة، منذ مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم، أمام المدن المغلقة على عاداتها وتقاليدها، وفقر قرى الجوار، الزراعية بامتياز، وأباحت مقاعدها في أوقات المساء والعشية، وفي بعض الصباح، لسكان المدن الجنوبية النائية عن ضجيج العاصمة بيروت، فاستدرجتهم نحو حكايات الحب والتضحية والثورة، ليتفاعلوا مع ثقافات الشعوب وأقاصيصها، وينغمسوا في أتونها. غير أن شاشة التلفاز التي بدأت تتسرب إلى البيوت على مدى سنوات الستين، وجهت ضربتها الأولى للسينما وأصحابها، ثم جاءت الحرب اللبنانية والاعتداءات الإسرائيلية، وما رافقها من احتلالات، لتشكل الصفعة المدوية، مترافقة مع تسلل الفيديو، ما دفع بهذه المطارح للإقفال، الواحدة تلو الأخرى. 
 

النبطية 

     عهدت مدينة النبطية قبل منتصف القرن المنصرم، أو في النصف الأول من الأربعينيات، تقلباً في ملكية دور السينما، واختلافاً من حيث اتساعها وانتشار صيتها، لم يستقر قبل عام 1960، لتبدأ بعدها الحقبة الذهبية التي استمرت حتى بداية الحرب اللبنانية، وتعرض المدينة للقصف الإسرائيلي، ثم بدأت تتراجع مع نمو التلفزيون وتسلل “الفيديو” إلى البيوت شيئاً فشيئاً. 

حكاية السينما في النبطية تكاد تكون كالأسطورة، بعد أن دخلت إليها، من بابها الفضفاض، لتتألق في سنوات الستين، منفذاً للترفيه والثقافة لا منازع لها، واستمرت رائدة إلى سنة 1975، ثم بدأت تتراجع حتى انكفأت تماماً ولم يبق منها إلا لافتة تحمل اسم سينما “ريفولي”، وآلات عرض تتناهشها غبار الأيام والسنين، ومقاعد أنهكها النعاس وغياب الروّاد فغفت تحلم بأيام العز. 

كانت السينما تستقدم موسمياً إلى النبطية، قبل الأربعينيات، والثلاثينات، مع فرق التمثيل وجوقات العتابا والميجانا، وتعرض في الهواء الطلق على سطح مبنى علي حسين صباح، إلى أن جاء عام 1943، حيث أنشأ حسيب جابر السينما الأولى في النبطية باسم “روكسي”، في خان سعيد محمد نحلة، شغّلها ولده أديب الذي كان مولعاً بالسينما، وقدمت على منصتها مسرحيتا “الحجاج بن يوسف” و”أيام سفر برلك”، من تمثيل عبد الله كحيل مع عدد من أولاده وأبناء المدينة. وبعد عام توقفت “روكسي” لتقوم مكانها سينما “أمبير” (1944)، لثلاثة شركاء هم: حسن ويوسف الخليل وشفيق طه، وكان موقعها في الخان عينه، ولم تعش طويلاً، إذ أقفلت سنة 1952، بعد تشتت شمل الشركاء. بعدها بادر علي حسين صباح مع شركاء، عام 1957م، إلى إنشاء دار سينما “كابيتول” من 420 مقعداً، ثم قامت في العام ذاته، دار عرفت باسم “سينما أبو أمين” نسبة إلى كنية صاحبها، لم تعمل سوى أشهر قليلة، ومشاهدة شاشتها قعوداً على الحصائر البورية. وبتاريخ 13/1/1960 دشّن عادل صباح والمرحوم يوسف خضرا سينما “ريفولي”، مقاعدها 523 بين صالة وبلكون. وظهرت في أواسط الثمانينات سينما “ستارز” للحاج محمد الزيون فران، ولم يطل أمرها. 

وفّق عادل صباح في إدارة سينما ريفولي، ثم أدار معها الكابيتول بالضمان، بعد فض الشراكة بين أصحابها، آل الصباح ونائب رئيس البلدية، آنذاك، حسن بيطار وأحمد عباس بدر الدين. “وكانت العروض لا تتوقف، عصراً ومساءً، وثلاث مرات في يومي الجمعة والسبت، والأفلام تعرض بناءً لحجوزات مسبقة، على الهاتف في كثير من الأحيان، وأكثر الحضور من عائلات المدينة وقراها. والمقاعد الألف في صالتي وبلكوني سينما ريفولي وسينما كابيتول في النبطية لم يكن ليمر عرض لأي فيلم وتكون خالية، بل عاشت ازدحاماً متواصلاً، منقطع النظير. والأسعار تتراوح ما بين نصف ليرة وليرة للفيلم العربي، ونصف ليرة و75 قرشاً للأجنبي”، والكلام لعادل صباح. 

كانت شركات التوزيع تفرض على دور السينما، استئجار ما لا يقل عن خمسة وعشرين فيلماً في السنة، من بينها الأفلام الأجنبية، والتسعيرة تتراوح ما بين أربعين ليرة ومئة ليرة للفيلم الجيد من الأجنبي، وما بين مئة ليرة وثلاثمئة للفيلم العربي. 

عرض الشيخ أنطون كيروز، أحد موزعي الأفلام، فيلم “حكاية حب” لعبد الحليم حافظ ومريم فخر الدين، على عادل صباح، في عام 1960 بمبلغ ثلاثمئة ليرة، بسعر لم يصله فيلم في ذلك الحين. “وكان الإقبال عليه شديداً، إذ غصت الصالات بالرواد، وحقّق نجاحاً ومردوداً لا مثيل له”. وتميزت أفلام فاتن حمامة وسعاد حسني، ثم محمود ياسين ونجلاء فتحي وغيرهما. 

ولم تكن الأفلام العربية لوحدها الرائجة في مدينة النبطية، بل شهدت الأفلام الغربية الكلاسيكية ك”سبارتا كوس”، والأفلام الهندية إقبالاً لافتاً مثل “ولدي” و”من أجل هكتارين من الأرض”، ثم تميزت أفلام الكاراتيه “بروس لي” والكونغ فو عند الحضور الشبابي. 

مرد ذلك في تقدير عادل صباح إلى أن “الجمهور كان ذواقاً، مع ما لعبته الدعاية من حشد، يضاف إلى ذلك الوضع الاقتصادي المريح وتهاود أسعار التذاكر”. 

التلفزيون لم يؤثر كثيراً على السينما في النبطية، لاقتصار التقاطه في المنطقة على محطة لبنانية وحيدة هي “تلفزيون لبنان” القنال سبعة، ومحطة إسرائيلية وأخرى أردنية. لكن العدوان الإسرائيلي على المدينة، الذي بدأ مطلع عام 1973، ثم بدء النزوح عن النبطية بعد عامين بسبب الاعتداءات، جعل العروض، في الفترة الصباحية، وغلبة الحضور الذكوري على هذه العروض، ومعظمهم من الفلسطينيين وعناصر المنظمات المختلفة. 

بعد احتراق صالة “الريفولي” في عام 1979 بسبب القصف، عملت “الكابيتول” لوحدها. ولقلة الروّاد، و”اجتياح الفيديو” وبعد ترميم الريفولي في عام 1982، ومع عودة أبناء النبطية إليها واتساع النهضة العمرانية والسكانية، لم يكن للسينما مكان في النبض الجديد لاهتمامات أبناء المدينة، على الرغم من محاولة القيمين على داري السينما إعادة تشغيلهما، فتحولت الكابيتول إلى مركز تجاري يحمل الاسم ذاته، فيما استمرت الريفولي تعاني الوحدة والأَسر من سلسلة غلّت بوابتيها الكبيرتين وقفل يكاد يصدأ. وإعادة تشغيلها تحتاج إلى خمسين ألف دولار أميركي، و”إلى الصبر والمغامرة”. 

وبذلك أسدلت الستارة على واحد من أهم المرابع الثقافية والسياسية والفنية في المدينة، فهي إلى كونها قاعة عرض للأفلام والمسرحيات، فقد استضافت ألمع الوجوه السياسية أمثال المناضلين الشهيدين كمال جنبلاط ومعروف سعد، فضلاً عن قادة الحركة النقابية والثقافية والمقاومة الفلسطينية والمهرجانات الحزبية والسياسية والانتخابية. 
 

صور 

     تشابهت تسميات ومواقيت نشأة السينما في مدينة صور، مثلما تشابهت مصائر صالات العرض التاريخية بامتياز. ولم يبق من الأسماء والعنوانين غير الذكريات الغابرة وبعض القاعات المقفلة على الخواء ونُسُج العنكبوت، بعدما دخلت إلى المدينة في مطلع الأربعينيات استهلالاً بسينما “روكسي” التي غابت اسماً وبناءً وعنواناً، عند محلة “البوابة” وكان عرض الأفلام فيها “شبه بدائي” وبآلات غير متطورة، وعروضها كانت للنساء أو الرجال، كل على حدة، ودفعت خسارة صاحبها إلى قفلها في مطلع الستينيات.

بعد الأولى، كانت سينما “أمبير” (1941)، التي شيد بناؤها من الحجار الرملية القديمة، ونماذج القناطر التي كانت سائدة في حينه، وبقيت مرفقاً سياحياً وعنواناً لفن العمارة، ميزة صور، وتطل اليوم على مرفأ صيادي الأسماك وعلى شارع السرايا الحكومية في المدينة. 

وفي بداية الستينيات، قامت دور سينما “ريفولي” ثم سينما “حمرا” وسينما “دنيا” موزعة على أحياء المدينة، وبسبب انتشار التلفزيون، ثم الفيديو، فضلاً عن العدوان الإسرائيلي الذي تعرضت له مدينة صور، أقفلت هذه الدور قبل أواسط الثمانينيات، وقام مركز تجاري على أنقاض سينما دنيا. 

الدعاية للأفلام السينمائية في صور، شكلت أسطورة من تراث المدينة وعاداتها. ولضيق التوزيع الديموغرافي للمدينة، كان يخرج موظفان من السينما إلى الأحياء القريبة، أحدهما يحمل “أفيشا” على لوحة خشبية، والآخر يقرع جرساً يحمله، ويناديان بأعلى صوتيهما، “اليوم فيلم الساعة” ويشيران للأفيش. وعلى صدى الصراخ والجرس يخرج أبناء الأحياء ليتعرفوا إلى “فيلم الساعة”. أما أسعار العروض، فكانت “ربع ليرة” للصالة، ونصف ليرة للبلكون، ثم من ليرة حتى ثلاثة آلاف ليرة قبل إقفال هذه الصالات. وشهدت قاعات السنيما في صور، أهم المهرجانات السياسية والحزبية والثقافية. 

ومنذ سنوات قليلة، قامت سينما 2000KA في محلة “جل البحر” عند المدخل الشمالي لمدينة صور، تتسع لنحو خمسمئة كرسي. وهي تعرض بشكل متفاوت فضلاً عن الاحتفالات والمناسبات. 
 

جزين 

     ولدت السينما في مدينة جزين في مطلع الستينيات تحت اسم “ريفولي” وكان وراء مشروعها المختار بولس الأسمر، ثم تعهدها كل من جوزف رزق (صاحب أوتيل رزق بلازا) وفرنسيس الحلو الذي كان يعمل في سينما “راديو سيتي” في بيروت. يقول رزق: “كانت السينما مقبولة في عامها الأول، وتراجعت قليلاً في العام الثاني بعد انتشار التلفزيون، وفي السنة الثالثة قفّلت، فاضطررنا إلى إقفالها، وتحولت إلى خراب بعد عزّ. وكانت أهم الأفلام تعرض عندنا أرخص من صيدا، فضلاً عن مهرجانات الترفيه والاحتفالات”. 

بعد التحرير، أنشأ جوزف العريّة وشربل قطار سينما “أمبير” في جزين، على غرار مثيلاتها في بيروت، تتسع لمئة وثلاثين كرسياً، وأفلامها تعرض ثلاث مرات يومياً، عند الرابعة والسادسة والتاسعة، وفيها صالة ترفيه تبلغ 600متر مربع، وقد غامر صاحبا المشروع، لكن، “ماشي الحال” يقول العريّة. 
 

مرجعيون 

     عسّت انطلاقة السينما في جديدة مرجعيون حتى مطلع عام 1960، إذ أنشأ كميل حمرا مع أشقائه، سينما “حمرا”، قريبة من الساحة العامة، من صالة وبلكون، تتسع لأكثر من ثلاثمئة متفرج، واستمرت تسد نفقاتها حتى سنة 1975، بداية أحداث المنطقة الحدودية، فأصاب السينما ما أصاب الجوار من قصف وتهجير، وتلف للمقاعد والديكور. فأقفلت، على مقاعد ممزقة وآلة تحتاج إلى ما يشغلها، من أموال ومشاهدين. 

كان الحضور في سينما حمرا، مرجعيون، متفاوتاً بين يوم وآخر، ومن فيلم إلى فيلم، لعرض وحيد في اليوم، يضاعف في يومي الجمعة والأحد. أما الرواد، فمن أبناء البلدة وحاصبيا والجوار. ولكي يتمكن أصحابها من فتحها مجدداً، تحتاج إلى مبلغ أربعين ألف دولار أميركي، على الأقل. ويقول حمرا إنه تقدم بطلب إلى مجلس الجنوب للتعويض على أضرار السينما، وكان الجواب أن الأمر يحتاج إلى قرار من رئيس مجلس الوزراء. 
 

الخيام 

     وكانت هناك محاولة يتيمة لدار سينما في بلدة الخيام، أنشأها إبراهيم عبد الله، بعد عام 1971، من مئة خمسين مقعداً، بيد أنها لم تنجح، لقلة الرواد و”على آلة عرض وحيدة، توجب إيقاف الفيلم، حتى تبديل البكرة”. وحاول عادل صباح تولي أمرها، لكن من دون جدوى.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic