الفارون إلى إسرائيل
بين مغريات الجنسية وحلم العودة إلى وطنهم

السفير (الإثنين، 18 آب «أغسطس» 2003)

حسين سعد

عناصر من جيش لبنان الجنوبي SLA
عناصر “الجنوبي” في إحدى النقاط الحدودية في لحظة التحرير

     “ظلم الوطن أرحم من عدالة العدو”، عبارة رددها أكثر اللبنانيين العائدين من فلسطين المحتلة بعد “رحلة الفرار القسرية” التي اختارها الآلاف من عناصر “جيش لبنان الجنوبي”، مع عائلاتهم في لحظة التحرير في أيار عام 2000. يجمع العائدون وعلى مراحل متتالية، ومنهم هدى ج. العائدة مؤخراً مع ولديها، أن أوضاع “الفارين” وعائلاتهم أضحت سيئة ومزرية، بعدما تلمسوا “غربتهم” الحقيقية في مجتمع يرفضهم، ويسخر من “عمالتهم”، برغم ما قدموه للمحتل على مدى ربع قرن من الزمن. 

هذا الواقع “المر” للعائلات اللبنانية التي ما زالت تعيش في فلسطين المحتلة، يتكرر حكايات وروايات، لا تحصى أو تنتهي، بدأت منذ اللحظات الأولى لفرارهم عبر بوابتي “فاطمة” في كفركلا، و”بيرانيت” في رميش، وتفاقمت بتفاصيلها “المذلة” في كثير من الأحيان في داخل الكيان الإسرائيلي، الذي شجعهم على الهروب نحوه، فكانوا نحو سبعة آلاف من عناصر المليشيات وضباطها وعائلاتهم أو أقاربهم، من طوائف متعددة. هناك، جعلهم الاسرائيلي “يتخبطون” في مصائرهم، مخيراً إياهم بين الرحيل إلى دول الاغتراب، أو العودة إلى وطنهم، أو الإقامة بشروطه، وبينها منحهم الجنسية الإسرائيلية، أو تعليم أبنائهم في مدارسه، فارضاً عليهم اللغة العبرية والانسجام مع مناهجه التعليمية، فكان أن آثر بعضهم العودة حتى بلغوا أكثر من أربعة آلاف، أو استوطن بعضهم الآخر هناك، “متناسلين” أطفالاً لا يحملون أي جنسية منذ ولادتهم في أوقات مختلفة، في خلال ثلاث سنوات ونيف من “الفرار”. ومن بقي شكل الهاتف الخلوي وسيلة الاتصال الوحيدة بعائلاتهم أو أقاربهم في لبنان. 
 

الصياح 

     تعددت الأصوات اللبنانية، الروحية والاجتماعية، التي لم تستكن منذ اللحظة الأولى لفرارهم، وعلى مدى أكثر من ثلاث سنوات، في تشجيع هؤلاء للعودة إلى وطنهم. وسجل في هذا الإطار، جهد لمطران صور والأراضي المقدسة للطائفة المارونية بولس الصيّاح، المقيم في القدس المحتلة، في سبيل تسهيل عودتهم، مع وعود “التطمين” وتخفيف الأحكام وهو أمضى فترة طويلة متنقلاً بين لبنان والأراضي الفلسطينية، من أجل إنجاز هذا الملف “الشائك”. 

وفي الآونة الاخيرة، أبدت المراجع الروحية الجنوبية قلقها حيال التوصية الإسرائيلية (مشروع القانون المقدم الى الكنيست الاسرائيلي) بإعطاء نحو سبعمئة منهم الجنسية الإسرائيلية، وهذه التوصية سبقها قيام العدو بفرز مجموعة قليلة منهم، تولت وزارة الدفاع الإسرائيلية استيعابهم جميعهم (نحو ثلاثين من كبار الضباط في مليشيا “الجنوبي”)، واعتبارهم بمثابة عسكريين إسرائيليين، يتقاضى بعضهم راتباً يبلغ ألف دولار أميركي، مع إعفاءات تشمل إيجارات المنازل وفواتير الكهرباء والمياه والهاتف. وأثار هذا الأمر العناصر العاديين الذي اتهموا “ضباطهم” السابقين بالتخلي عنهم، على غرار ما فعله الإسرائيليون، فتركوهم في “متاهة” وزارة الاستيعاب الإسرائيلية، التي ألحقتهم بعملها، وصنفتهم عاطلين عن العمل، تدفع لكل أسرة منهم مبلغ 1600 “شيكل” إسرائيلي، ما يوازي 250دولاراً أميركياً. هذا الإجراء دفع هذه الأسر إلى الاحتجاج أكثر من مرة، أمام ديوان رئيس الوزراء الاسرائيلي، غير أنهم لم يجدوا آذاناً صاغية، بل جرى قمعهم والدوس على رقاب بعض المحتجين على مرأى ومسمع وسائل الإعلام هناك. 
 

التعويضات 

     وتوضح مصادر متابعة لهذا الملف، أن معظم الفارين الموجودين في فلسطين المحتلة بعد عودة أربعة آلاف إلى لبنان، وسفر أكثر من خمسمئة إلى دول إفريقية أو أوروبية أو استرالية، “يرغبون في العودة، بعد حصولهم على حقوقهم المالية من الإسرائيليين، وتبلغ أكثر من أربعين ألف دولار لكل أسرة”، مع التعويض على سنوات الخدمة لكل منضو سابق في صفوف “جيش لبنان الجنوبي” بمعدل ثلاثة أشهر عن كل سنة خدمة. هذا الأمر تضيف المصادر رفضته سلطات الاحتلال، وألمحت إلى دفع الشق الثاني من التعويض فقط، بحيث لا يقل المبلغ عن ثلاثة آلاف دولار، ولا يزيد عن 35 ألف دولار، وهذا ما حصل لغالبية العائدين، الذين أكدت مصادر امنية في الناقورة انهم بلغوا نحو 2350 فرداً يتوزعون على النحو الآتي: 960 رجلاً و855 امرأة و1320 طفلاً. وقد بلغ مجموع من تم توقيفهم من الرجال وإحالتهم إلى المحاكم العسكرية نحو 800 عنصر، وقد أطلق معظمهم بعد إنهاء فترة العقوبة. 

وتسجل المصادر عينها عودة عدد من الضباط السابقين في مليشيا “الجنوبي”، منهم العقيد كرم الله سعيد الذي كان يشغل منصب نائب أنطوان لحد، والعقيد جورج أسعد سعيد، والمقدم ميشال نهرا، والمقدم سليمان بطرس سعيد، والرائد في فوج الهندسة خير الله فهد سلامي والياس نجم وغيرهم. وما يزال عدد كبير من المسؤولين السابقين وبينهم مسؤول “القطاع الغربي” فارس القسيس، ومسؤول “فوج ال81” طالب سبليني، وشقيقه مسؤول جهاز ال504 يوسف سبليني، وأحمد شبلي صالح ومحمد طاهر عليان، ومسؤول أمن عيترون المعروف ب”أبو برهان”، موجودين مع عائلاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويستبعد المتابعون لملفهم عودتهم، نظراً لكثرة الارتكابات التي اقترفوها، وذهب ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى والمعوقين. 
 

صادر 

     في هذا السياق، يؤكد مطران صور للموارنة مارون صادر ضرورة عودة جميع الفارين إلى وطنهم “لأن الدولة اللبنانية أرحم من غيرها”. ويقول ل”السفير”: “نحن لا نوافق على منحهم الجنسية الإسرائيلية، يعدون اليوم نحو ألفي شخص، وسيتضاعفون بعد سنوات، وبالتالي سيزداد عدد المنسلخين عن الوطن”. ولفت إلى أنه سيثير هذا الموضوع مع مطران صور والأراضي المقدسة للطائفة المارونية بولس الصيّاح عند مجيئه قريبا إلى لبنان “من أجل حثّ الفارين للعودة إلى بلدهم، فقد يكون الاعتكاف عن العودة ناجما عن الخوف من المحاكمات”. 
 

الأمين 

     ويرى مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين “أن من يأخذ جنسية عدوه يخرج من ثوبه، ومن يتنازل عن جنسيته فهو متهاون بكل القيم والمبادئ ونحن نرفض لهم هذا المصير، وهذا الخيار الذي يبعدهم عن أحضان الوطن وعن انتمائهم القومي والوطني، لأنهم إذا قبلوا بما يخطط لهم، سينسلخون عن آبائهم وأجدادهم، وخصوصاً الأولاد منهم، الذين لا ذنب لهم بما ارتكبه آباؤهم”. ودعا من بقي من فارين “للعودة إلى الوطن، لأن الدولة ستكون عادلة”. 
 

كفوري 

     ويشير راعي أبرشية صور وصيدا ومرجعيون للروم الأرثوذكس المطران الياس كفوري إلى “أننا منذ اللحظة الأولى كنا ضد مغادرة أحد إلى الحدود بعد اندحار الإسرائيليين. وإذا قرر بعض الفارين الانتحار، فما ذنب الأطفال والأولاد الذين يتعلمون في مدارس إسرائيلية؟ خوفنا على هؤلاء بالدرجة الأولى، وندعو الجميع للعودة من دون تردد، فالوطن يتسع لأبنائه جميعا”. 
 

الحداد 

     ودعا مطران صور وبنت جبيل للروم الكاثوليك يوحنا الحداد الفارين إلى العودة إلى بلدهم والحفاظ على جنسيتهم. وطلب إلى الدولة اللبنانية “النظر إلى هؤلاء بعين الرأفة والمحبة والتسامح، من خلال محاكمات عادلة ورحيمة” وقال: “حصلت هفوات من قبل هؤلاء، يجب أن نأخذها في الإطار الذي وقعت فيه، خصوصاً أن معظمهم كان عرضة للضغوط في أثناء الاحتلال. لذلك نذكّر المسؤولين اللبنانيين بوضع الفارين وأهمية عدم بقائهم في الأراضي المحتلة، خوفاً على مستقبل أولادهم”. 

وعلى الرغم من كل هذه النداءات المتكررة، تبقى الرغبة الفعلية في العودة للفارين أنفسهم، “المتخبطين” بين خوفهم من المحاكمات أو احتمالات الثأر، على الرغم من انه لم تحصل حادثة جنوبية في هذا الإطار.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic