راشيا الفخّار
استحقت اسمها من صناعته وتستعد لإحيائها
شكّلت مقصداً لقوافل التجار قبل العام 1948 وإنتاجها وصل إلى عريش مصر

المستقبل (السبت، 20 أيلول «سبتمبر» 2003)

عساف أبو رحّال

     كيفما اتجهت في الجنوب، ولاسيما في منطقة العرقوب تجد في كل قرية حكاية مع الاحتلال هي جزء من معاناة دخلت صفحاتها المجيدة في التاريخ.

وتسمع في بلدة راشيا الفخّار القديمة العريقة أحاديث الأهالي، الذين يفخرون ويعتزّون بتراث بلدتهم القديمة، ومقاومتها العدوان والاحتلال، ومعاناتها ثم خروجها منتصرة.

ويضيفون الى سجل بلدتهم كيف عرفت تقاوم توطين الاسرائيليين عام 1978، حين زارها اليهودي الأميركي وليم روبنسون محاولاً إقامة مستوطنة على أرضها.
 

البلدة والسكان 

     تتبع بلدة راشيا الفخّار إدارياً قضاء حاصبيا، وكان العدوان والمضايقة الاسرائيلية المتكررة التي تعرضت لها منذ العام 1969 حتى العام 1978 (تاريخ دخول قوات الطوارئ الدولية) سبباً لهجرة أبنائها، ولم يعد عدد المقيمين فيها يتجاوز الآن 300 نسمة في الشتاء، من ثلاثة آلاف.

تعرضت البلدة في أواخر الستينيّات وأوائل السبعينيّات من القرن الماضي لغارات جوية دمرت 80 في المئة من منازلها ومصنع الفخّار "الفاخورة" التي أصابها العدوان آنذاك، وكانت قيد الإنجاز.

تعني كلمة راشيا، وأصلها سرياني، رؤساء أو زعماء. والفخّار ترجمة لأسم سرياني يعني الخزف. وهذا ما جاء في كتاب الدكتور أنيس فريحة، عن اسم بلدة راشيا الفخّار. وتقع البلدة على إحدى تلال سفوح حرمون الغربية، وهي إحدى قرى العرقوب، وتشرف على جبال الجليل وسهل الحولة جنوباً، وتطلّ على قمم الباروك والريحان شمالاً وغرباً، ويجري نهر الحاصباني من الغرب، وتقع بلدتا كفرحمام وكفرشوبا الى الشرق منها. وهي بلدة قديمة العهد، ربما من زمن الفينيقيين إذ تدل الأماكن التاريخية على قدمها وتعدّ الزراعة مورداً مهماً لأهلها.

اما الصناعة فباتت شبه منقرضة بعدما ازدهرت عقوداً طوالاً، سبقت ستينيّات القرن الماضي.
 

الصناعة

     صناعة الفخّار في راشيا مترسخة ومتجذرة في ذاكرة ابنائها الذين توارثوها من أجيال سابقة، فهي قديمة بشهادة الذين أكدوا انها الأقدم في لبنان.

وكانت راشيا الفخّار مقصداً للسياحة والزوّار الذين أعجبوا بجودتها، لكنها تراجعت كثيراً مع اتساع رقعة العدوان الاسرائيلي، حتى أصبحت قلّة ضئيلة تزاول مهنة الفخّار للحفاظ على التراث الذي طبع البلدة منذ نشأتها.

وتتطلب هذه الصناعة الدقة والذوق والعمل الدؤوب. وعن أسباب تراجعها، يقول المواطن أديب الغريب أحد العاملين في هذه الصناعة انها:

  1.  الاحتلال وما رافقه من عدوان وقصف وتدمير.

  2.  هجرة الشبان الى المدن وبلاد الاغتراب.

  3.  عدم دعم الدولة لهذا القطاع.

  4.  عدم وجود أسواق استهلاكية.

ويضيف الغريب الذي يعمل اليوم وحيداً في هذه الصناعة، مع المختار السابق يوسف الزوقي، إن مقدار ما كانت تنتجه راشيا من الفخّار قبل الستينيّات، أكثر من ألف طن في السنة أباريق وجراراً وخوابي تستعمل لخزن زيت الزيتون، وكذلك الأواني الفخارية الاخرى.

وقال: كان عدد المصانع يفوق ستين مصنعاً، وعدد الأفران نحو عشرين، ويتسع الواحد منها الى 500 حُقّ. والحُقّ جرة صغيرة ومنشلان وأربعة أباريق سمّي هذا الفرن قديماً "عاكوشة" وأصبح اسمه اليوم أتون.

ويضيف المختار السابق أن صناعة الفخّار وراثية وشاقة، وتلزم أفراد العائلة كافة على المشاركة فيها. فالابريق مثلاً يمر بست مراحل، قبل أن يصبح جاهزاً للبيع، وقد شهدت هذه الصناعة في السنوات التي سبقت العام 1948 ازدهاراً لا مثيل له، وكان تصريف الإنتاج يطال فلسطين والجولان وشمال الأردن وصولاً الى عريش مصر. وكانت قوافل التجار تقصد البلدة لتعود محملة بأنواع الفخّار المختلفة.

وبعد قيام دولة اسرائيل توقف التصدير جنوباً ليقتصر على الأسواق المحلية.

وتبقى هذه الصناعة بدائية ومحافظة على جودتها ورونقها، على الرغم من ان افتقارها الى الآلة التي تساعد في تطويرها وتخفف أعباء كثيرة عن أفراد العائلة العاملة. ويرى غريب أن الريع المالي ضئيل إذا قيس بالوقت والجهد اللذين يتطلبهما العمل.

في بلدة راشيا مصنع للفخّار يعرف باسم الفاخورة، بنته مصلحة الانعاش الاجتماعي لاستيعاب كل العاملين في هذا القطاع، وأنجز بناؤه في العام 1965 حسب قول الأهالي. لكن لم يقدّر له العمل بسبب العدوان الاسرائيلي ودخول المنطقة دوامة العنف، وطالب الزوقي والغريب بضرورة إعادة ترميم المصنع وبناء ما هدمته الحرب والمساعدة في تطوير هذه الصناعة التي تعد تراثاً يعتمد عليه مصدراً أساسياً للرزق إذا توافرت المقوّمات.
 

كلفة ومعوقات

     مع مطلع صيف كل عام يبدأ الاستعداد الميداني وتتسارع الأعمال في سباق لكسب الوقت، إذ أن صناعة الفخّار صناعة صيفية، وهي حديث الساعة عند الأهالي، لاسيما أصحاب الشأن الذين يزاولونها ويقول جهاد اسبر العائد من كندا للعمل من جديد في هذه الصناعة، إن بناء الفرن يتطلب جهداً، ووقتاً لا يقل عن أسبوع باستخدام الحجارة الفخّارية والصلبة والطين من الخارج. ويقسم الفرن قسمين: الأول بيت النار حيث يحرق الحطب، والقسم الثاني العلوي الذي توضع فيه القطع المصنّفة. وتبلغ درجة حرارته نحو ألف درجة مئوية.

وقد عاد جهاد من كندا للإسهام في إحياء هذه الصناعة على قوله.

ويضيف أن الفرن يتسع لنحو 400 قطعة. اما مجموع إنتاجه في الموسم، فيصل الى عشرة الاف قطعة، سعر الواحدة ثلاثة آلاف ليرة. ويستمر موسم العمل خمسة أشهر بدءاً من التحضير حتى انتهائه.

وقال: الإقامة في لبنان مرتبطة بدعم هذه الصناعة التي باتت جزءاً من تراث البلدة، إذ زاولها الآهلون عقوداً طويلة، وهي تجري في عروقهم منذ زمن الفينيقيين.

وعن "الفاخورة" قال: سنحاول مراجعة الهيئات المعنيّة لمساعدتنا في إعادة ترميمها لتكون مصنعاً يحكي عن تراث راشيا.

ويقول أديب الغريب إن البلدية قررت وضع ضرائب على هذه الصناعة، قد تصل الى 150 ألف ليرة. وسأل: هل يعقل وضع ضرائب على هذه الصناعة التي باتت شبه منقرضة؟

وأوضح رئيس البلدية غطاس الغريب أن الضريبة وُضعت على الأملاك، ولا تشمل الصناعة او الإنتاج. أي ان المبنى المخصص لصناعة الفخّار يترتب عليه للبلدية مئة ألف ليرة، ضمن ضريبة القيمة التأجيرية. وقال: المجلس البلدي في راشيا يشجع صناعة الفخّار، وباستطاعته دعمها بمساعدات تقدمها مؤسسات وجمعيات خيرية. والبلدية تسهّل عمل الصناعيين بعدم التصنيف عليهم. ويمكن مساعدتهم بتخفيف القيمة التأجيرية.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic