الزيجات الجماعية
"حزب الله" يحتفل بعرس 75 مقاوماً بعد أسبوعين

النهار (الأحد، 21 أيلول «سبتمبر» 2003)

مارلين خليفة


قرآن كريم هدية من السيد حسن نصرالله

مقاومون... ومقاومات

     مطلع تشرين الأول المقبل ينظّم "حزب الله" حفلة الزواج الجماعي الخامسة، وفيها يتزوج 150 شابا وفتاة في حفلة كبرى قد تكون هذه المرة خارج الضاحية الجنوبية. فلماذا يرعى الحزب هذه الحفلات المخصصة لمجاهديه؟ هل ليحلّ معضلة إجتماعية واقتصادية كما يروّج؟ أم ثمة هدف سياسي وخطة غير معلنة لفرض واقع سياسي - طائفي معين يستثمره مستقبلاً؟ 

هذه التساؤلات مشروعة في مجتمع تعددي مثل لبنان تعيش فيه مجموعة من الأقليات، لكنها تبدو "غريبة" على المسؤولين الاجتماعيين في الحزب، الذين يستبعدون هذه الفرضية كليا، وإن اعترفوا بأن تشجيع "ثقافة الزواج" هو من الأولويات لديهم. 

أربعة أعراس جماعية نظمها "حزب الله" لغاية اليوم بالتعاون مع "جمعية الكوثر الاجتماعية الخيرية" التي تأسست عام 2001، أي بعد تحرير الجنوب بعام واحد. تنظم الجمعية التي تتلقى طلبات الزواج من الحزب مباشرة حفلتين سنويا، وهي حتى اليوم نظمت أربعة أعراس جماعية لـ254 ثنائيا، متكفلة بالحفلة وأثاث المنزل كاملا وتكاليف الفندق وأحيانا بتأمين الشقق السكنية التي تخصص لها حاليا برنامجا تعمل على تنفيذه. 

في النشرة نصف السنوية للجمعية وهي تحمل إسم "الكوثر" يتصدر العدد قول للرسول محمد (صلعم) يقول فيه :"من زوّج عزبا كان مّمن ينظر اليه يوم القيامة". إذن للفكرة منطلقاتها الدينية الأكيدة، وبالتالي فهي من ضمن رسالة الحزب الإسلامي. من هنا فإن الجمعية التي أسستها مجموعة من رجال الدين الى شخصيات شيعية بمبادرة من السيد عيسى الطابطبائي المشرف العام، تتخذ من التعاليم الإسلامية منطلقا "لحث المؤهلين على الزواج" على القيام بهذه الخطوة، بالإضافة الى " تأمين الموارد المالية والعينية للمتزوجين والتحضيرات المتعلقة بالزواج، إقامة الأعراس المنسجمة مع روحية الإسلام، تقديم قروض ميسّرة للحالات الحرجة المستعجلة، وتأمين أماكن للسكن".

جمعية "الكوثر" هي لبنانية ولا مثيل لها في إيران، "سألنا عن الموضوع لدى زياراتنا الى جمعيات أهلية عدة في إيران لكننا لم نعثر على مؤسسة شبيهة باستثناء واحدة تعمل على هذا الموضوع من ضمن أهداف أخرى إسمها "الإمداد"، كما يقول المدير العام للجمعية الشيخ شوقي خاتون.
 

يرغبن في الزواج بمقاومين


الشيخ خاتون

     مجاهدو "حزب الله" هم المستفيدون من خدمات هذه المؤسسة الاجتماعية لغاية اليوم، أما السبب فيعود الى الإمكانات المادية المحدودة المتوافرة، والتي ترتّب وضع أولويات كما يشرح الشيخ خاتون. لم يستفد من الشيعة غير المقاومين حتى اليوم الا 35 شابا من البقاع. هل يتدخّل الحزب في اختيار الفتيات للمجاهدين؟ وهل تقبل جميع الفتيات الارتباط بمقاوم قد يفقد حياته في أية لحظة؟

يكشف خاتون أن "ثمة فتيات أرسلن رسائل الى الجمعية طالبات تعريفهن بمقاومين"، مضيفا:" إن العروسين يعقدان قرانهما في المحكمة، ولا نتدخل البتة في اختيار العروس، ونحن نتلقى الملفات من "حزب الله" ولا نتدخل حتى في دراستها نظرا الى خصوصية الوضع الأمني للشباب". 

تبلغ تكلفة الحفلة الواحدة زهاء 25 ألف دولار أميركي بكامل تفاصيلها من التجهيزات الفنية الى الصوتيات، وثياب العروسين والعروس، وتكاليف الفندق لثلاث ليال. ويتمتع العروسان بخصوصية فتطبع بطاقات دعوة بإسميهما الخاصين، ويحظيان في الحفلة بطاولة خاصة للعشاء مع أهلهما ومدعويهما وحتى بقالب حلوى محفور عليه اسميهما. أما عدد المدعوين فيصل عادة الى زهاء 3000 شخص. يكلف كل ثنائي زهاء 400 دولار، فيما تكلف الحفلة ذاتها في حال أرادها العروسان خاصة بهما زهاء 3000 دولار. بعد انتهاء الحفلة تقدّم الجمعية الى العروسين هدية هي كناية عن عسل مع مكسّرات وينظم لهما برنامج صحي ومحاضرات عن أهمية الأسرة، الى دعوات للمطاعم مع فريق من الجمعية التي يبلغ عدد أعضائها لغاية اليوم 40 شخصا. 

يحظى العروسان بأثاث كامل لمنزلهما ينقل اليه مجانا: من الصالون الى غرفة النوم فالمطبخ بأدواته الكهربائية كلها، ويحظى الحزب والجمعية بأسعار خاصة وتصل تكلفة تأثيث المنزل بأسعار الجملة الى 3000 دولار أي نصف ما يمكن أن يدفعه العروسان. الى ذلك يقدم الى العروسين مبلغ رمزي قيمته 100 دولار أميركي. 

في الآونة الأخيرة نشرت الصحف اللبنانية خبرا عن عرس جماعي لاربعة وعشرين شابا وشابة في بلدة كونين (بنت جبيل) حضره ممثلون عن "حزب الله" وتمّ تقديم مبلغ مليوني ليرة لكل ثنائي، يقول الشيخ خاتون " إن الجمعية لا تتدخل في تفاصيل هذه الأعراس الجماعية وإن كانت تدعمها وتشجعها لكن التقديمات المادية تكون عبر محبي الخير". 

تنطلق حفلات الزواج الجماعية في عدد كبير من البلدان العربية، ولا سيما في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من مبدأ ضرورة محاربة ظاهرة العنوسة، وهذا ما لم تتجاهله جمعية الكوثر التي تهيئ برنامجا خاصا للفتيات اللواتي تخطّين سنّ الخامسة والعشرين وتأخذ على عاتقها تأمين "عرسان" لهنّ ، وهي في موقعها على الإنترنت تخاطب الشباب الشيعة المغتربين كي يأتوا الى الوطن لاختيار فتاة منه ، ويمكن المهتمات والمهتمين زيارة الموقع الآتي:www.azzawaj.org 

لكن ماذا عن تكاليف التعليم الباهظة ألا تهتمّ بها الجمعية؟ يقول الشيخ خاتون :" يعتبر بعضهم أن التعليم يتعارض مع إنشاء البيت والأسرة"، ويستدرك قائلا:" لكننا لا نقول بذلك، وهدف المؤسسة الأول يتمثل بالحث على الزواج وثمة مؤسسات أخرى متخصصة للشؤون الأخرى". 
 

"لا يهمنا العدد"

     موارد الجمعية حسب خاتون هي من "أبناء أهلنا، ومن علماء إيرانيين ولبنانيين ومن الحقوق الشرعية (الخمس والزكاة) ، ومن العلماء الذين لديهم إجازة بتلقي الحقوق الشرعية نذكر منهم الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله وهو وكيل مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية السيد علي خامنئي الذي يتبرع لكل حفل بـ25 ألف دولار، والإمام المرجع السيد علي السيستاني". وماذا عن السيد عيسى الطابطبائي الذي يقال إنه مسؤول جمعية إيرانية وهو من أسس الجمعية ويمول هذه الاحتفالات؟ يقول خاتون:" هذا القول ليس بدقيق، فالسيد الطابطبائي يعيش في لبنان من 35 عاما أي قبل قيام الثورة الإيرانية وهو تعلّم على يد الإمام موسى الصدر، وساهم في تأسيس معظم المؤسسات لـ"حزب الله" وسواه وهو ناشط إجتماعيا وساهم في تأسيس مساجد وحسينيات وفي حفر آبار إرتوازية في المناطق". 

عند الحديث عن المراهنة على زيادة العدد لدى الشيعة تمهيدا لفرض واقع سياسي معين، وعند ذكر قول أحد رجال الشيعة غير الحزبيين الذي رفض الكشف عن إسمه بأن هذه الأعراس الجماعية ليست سوى "إستعراضات إيجابية الأهداف وملغومة بالسياسة"، يبقى الشيخ خاتون على هدوئه ويجيب : "لم يكن في منظورنا موضوع العدد، صحيح أن تأسيس المنزل الزوجي يؤدي الى انجاب أولاد، لكن ليس هذا هدفنا فقط. ثمة مشكلة حقيقية وفي تقرير للجامعة العربية يذكر أن متوسط عمر الزواج للشباب اللبنانيين هو 33 عاما والفتيات 27 عاما، بينما في بقية الدول الإسلامية متوسط سن الزواج للذكور هو 27 وللإناث 23 وهذه ظاهرة يجدر التوقف عندها لمعالجتها، لأن الشباب هم وقود المجتمع". مهما يكن الهدف من تنظيم هذه الحفلات فإن المستقبل هو الذي سيكشف النيات الحقيقية لـ"حزب الله" . في الانتظار التحضيرات جارية حاليا على قدم وساق للتحضير لتنظيم عرس جماعي في الأسبوع الأول من تشرين الأول، والذي قد يحضره الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله إذا كانت الظروف الأمنية مؤاتية. وقد بدأ مهندسو الديكور بالعمل بالإضافة الى اللجنة الإعلامية، وبدأ استدراج العروض للأثاث والتجهيزات المنزلية كافة وكذلك الحجز في الفنادق والمطاعم، خصوصا أنها ليست كلها جاهزة لاستقبال 75 ثنائيا دفعة واحدة. 

يذكر أن لجنة مهرجانات صور كانت أول من استهلّ ظاهرة الزيجات الجماعية في لبنان وذلك في العام 1998 عندما جرى في ختام المهرجان السنوي تنظيم عرس جماعي لزهاء 28 ثنائيا من الطوائف والمناطق اللبنانية كافّة "كنوع من المساهمة في تسهيل أمورهم في ظل الظروف المعيشية الصعبة وكنوع من التراث والفولكلور اللبناني". هذه السنة مثلا تم تقديم كل الأدوات الكهربائية الى المحظوظين الذين يتقدمون بطلبات للجنة ويتم اختيارهم حسب وضعهم المادي ، وهم لا يتلقون مساعدات مادية أما التمويل الأساسي بحسب أمينة سر المهرجانات نادية حمود فهو للسيدة رندة برّي أولا، رئيسة لجنة مهرجانات صور، الى مؤسسات أهلية أما "حركة أمل فلا علاقة لها بالموضوع البتة وهو أمر بعيد من السياسة". يذكر أن الأكثرية في حفلات مهرجان صور هي لغاية اليوم إسلامية وهذه السنة كان هناك ثنائيان فقط من المسيحيين من أصل 24 ثنائيا، أما في العام الفائت فكان ثمة 6 أزواج من المسيحيين من أصل 27 . 
 

فحص: جنوح صوب السياسة

     يعتبر العلامة السيّد هاني فحص أن الأعراس الجماعية ظاهرة منتشرة في عدد كبير من الأقطار العربية والإسلامية وأهم أسبابها إعادة الروح الى طقس الفرح بالزواج بالإضافة الى تخفيف أعباء الاحتفال على العروسين "لكن في بعض الحالات، كما في لبنان، لا سيما في ممارسة حركة "أمل" و"حزب الله" فان هذه الظاهرة قد جنحت جنوحا سياسيا نتفهمه ، لكن التسييس يثير شكوكا مما يعني أن من الأفضل أن تكون هذه الظاهرة أهلية خالصة لتكتسب معناها ودورها العام والمفيد".

ويوضح السيد فحص أن الحديث عن "خصوصية شيعية تستدعي الجمع لتظهير العدد هو حديث غير دقيق. لأن الظاهرة لم تتأسس شيعيا في السودان والمملكة العربية السعودية واليمن والبحرين وباكستان وسوريا ومصر وسواها من البلدان، وغايتها تيسير بناء الأسرة واستقرارها. هذه وجهة نظر دينية شيعية محايدة لا تقع على طرف نقيض من أي طرف سياسي تساعده إمكاناته على الاهتمام بهذه المسألة، والتحفظات التي نبديها هي عادية تنصب على الشكل وعلى الوظيفة الاجتماعية المترتبة، ولا سيما في الظروف المعيشية الصعبة".

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic