مريم عبود
قضت ضحية الإهمال على باب مستشفى مرجعيون

السفير (الإثنين، 22 أيلول «سبتمبر» 2003)

كامل جابر

     يؤمن يعقوب اللقيس بالقدر، وبأن الموت حق، لكنه يتمنع في قرارة نفسه عن البت بأنه لم يكن في الإمكان إنقاذ زوجته عند مدخل المستشفى الحكومي في مرجعيون، أو معالجتها “ولو بالحد الأدنى المطلوب”، ما جعل العائلة تقف مكتوفة الأيدي أمام صدمة فقدان الأم مريم عبدو. 

لم تكن “أم عمار” المناضلة من بداية صباها، وحتى بلوغها السبعين في المقاومة الوطنية وفي “لجنة حقوق المرأة”، وفي تربية عائلتها، تشكو من أي مرض عضال، غير أن نوبة الضغط المرتفع، فاجأتها قرابة التاسعة من مساء الجمعة الماضي، “حاولنا الاستعانة بطبيبين من المنطقة طلبناهما عبر الهاتف، غير أنهما لم يقبلا بالحضور إلى البيت في إبل السقي” يقول الوالد أبو عمار اللقيس. ويتذكر “كيف ان طبيب الفقراء الدكتور شكر الله كرم حضر من الخيام مرتدياً بيجامته بعد الواحدة والنصف من فجر أحد الأيام ليعالج نمر رحال”. 

يتابع ابنه الياس: “حملنا والدتي وأسرعنا بها في اتجاه المستشفى الحكومي في مرجعيون، لعدم توافر مستوصف في البلدة. ولم نتمكن من الوصول إلى مدخل الطوارئ بسبب استخدام المدخل كموقف للسيارات، فجعلناها تسير معنا في طريق مرتفعة “طلعة” وأدخلناها الطوارئ. ولم نجد غير طبيب وممرضة”. 

يضيف: “شرحنا للطبيب وضعها، ولم يتمكن من أخذ ضغطها الحقيقي بسبب أعطال في أجهزة قياس الضغط، ولم تتمكن الممرضة من الاهتداء إلى الشريان الذي يجب أن تعطيها حقنة مخففة للضغط فيه، وبقيت نحو نصف ساعة تبحث عن الشريان ولم تصل إليه. اتصلنا بطبيب بنج المستشفى، بناءً على توجيه من أحد أطباء القلب على الهاتف، ولم يحضر، وطلبنا ممرضة ثانية، ولم تأت، لم نجد في المستشفى غير فوضى عارمة، لا مرجعية إدارية أو طبية، واستخدام الإبرة يحتاج إلى موافقة مسبقة وورقة من قطاع إلى قطاع، أكثر من ساعة، ووالدتي تستغيث ونحن معها لمساعدتها، ولم نجد من يساعدها، حتى حضر أخيراً طبيب للقلب. واستغرب لماذا لا تزال في غرفة الطوارئ ولم تنقل إلى غرفة العناية، ولم يجر لها أحد أي تخطيط للقلب، للاطلاع على وضعه، ثم أمر بنقلها إلى الغرفة المختصة، وخرج ليعلمنا بعد قليل بنبأ وفاتها”. 

ويسأل الوالد يعقوب اللقيس: “هل يعقل عدم وجود من يدير المستشفى، ومن يستدعي الأطباء في حالات الطوارئ؟ كنا نأخذ أرقام هواتفهم من موظفة الاستقبال. فهذا خارج المنطقة، وذاك لا يستطيع المجيء، وآخر خارج الاستقبال! هل يعقل عدم وجود طبيب للقلب في مستشفى يفترض أن يغطي أبناء أكثر من خمسين بلدية وقرية، وهو على تماس مع حدود العدو الذي ما زال يقصف ويدمر؟ للأسف، قبل اليوم خسرنا في المستشفى ذاته طفلاً في ربيعه الرابع بسبب خطأ في البنج، واليوم لم نجد من يخفف ضغط مريضة وصل إلى أكثر من عشرين وعلى مدى ساعة كاملة! كانت أم عمار شجاعة وجريئة، قاومت الاحتلال، وها هي بعد التحرير تموت على باب المستشفى”. 

يلف الحزن المؤلم بيت العائلة في إبل السقي، يلتصق بوجوه زوجها وأبنائها المفجوعين بالإهمال سبب موتها، من عمّار كبيرهم، فارس، الياس، جوزف، طوني، جورج، أليتا، إليانا وإلى صغيرتهم ريتا. وعزاؤهم أن أبناء المنطقة، من شيوخ البياضة إلى حاصبيا والهبارية وكفرحمام وكفرشوبا، يجمعون على أن الدولة نسيت أبناءها في القرى المحررة، من دون مستشفى يليق بصمودهم ومقاومتهم، حتى باتوا يقتلون عند مداخل البائد منها!

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic