إحسان شرارة في ديربورن يوقـِّع
"موسى الزين شرارة – الشاعر الثائر في محيطه العاملي"

(الأحد، 28 أيلول «سبتمبر» 2003)

خاص - "موقع بنت جبيل"

     أحيا نادي بنت جبيل الثقافي الإجتماعي في ديربورن مساء الأحد، 28 أيلول 2003، أمسية ثقافية بمناسبة توقيع الأديب إحسان شرارة كتابه "موسى الزين شرارة – الشاعر الثائر في محيطه العاملي"، بحضور العديد من أبناء الجالية العربية في ولاية ميشيغان.

بداية ألقى رئيس النادي نزيه بزي كلمة ترحيب بالكاتب بين أهله وأبناء وطنه. ثم ألقى عريف الحفل نعيم بزي كلمة عدّد فيها مزايا ومناقبيات الشاعر العاملي الكبير موسى الزين شرارة ودوره الطليعي في تثوير وتنوير المجتمع العاملي في فترة مهمة من تاريخه.

بعدها كانت كلمة الأديب إحسان شرارة:

Ihssan Sharara - إحسان شرارة
إحسان شرارة

لا ما أنت بالحالم ولا الناعس ولا السكران وأنت بحمد الله لم تعرف يوماً هذا الدوار... تحسّس جسدك... ها أنت بكامل وعيك في المقلب الآخر من الأرض، بين أهلك ورفاقك وأبناء وطنك... ها أنت تترنم بلغتك –الغريبة مثلك عن هذه الديار- يؤنسك جرسها، ويطربك ايقاعها، ويشجيك أدبها... تسمع وتستمع... فالمجلس حميم والمنتدون سفراء وطنك في أقاصي الأرض يعاركون الزمن ويذلّلون المصاعب، وهم يقرعون أبواب المجد ويغالبونه بطموحٍ لا يعرف تراجعاً أو نضبا!! 

ها أنت وراء البحار، عبر المحيطات، في عالم جديد، كان مجهولاً، محجوباً بقصيّ المسافات، وأهوال ارتياد اللجج الثائرة... 

صدّق عينيك... أنت في نادي بلدتك، تأمل إشعاع إسمها، ولمعان هذه الحروف... لقد حملوه في مهج قلوبهم، وسيّجوه بأهداب عيونهم... نقشوه في أعماق الوجدان. وجاؤوا به تعويذة تحرسهم، وتميمة تبلسم غربتهم، ووديعة تؤنس وحشتهم، وطيباً يعطّر أنفاسهم، ويدغدغ أشواقهم ويلقي في أفئدتهم سكينة الإطمئنان وهدأة الإيمان!! 

صدّق عينيك، فأنت بكامل إدراكك وعميق وعيك... صدّق وتأكّد أن الإنسان يمكن أن يحمل معه الوطن ويحتضنه ذكريات تتراكم وأحلاماً تزهر وعبقاً يتوالد... ليعيد في داخله ترتيبها وتكوينها ويسترجعها وينتقل ولو بالخيال في دنياها، وبين معالمها... هي مسيرة عمره، وحكايا أيامه، وأحداث ماضيه... على هذا الشكل تسكننا بلدتنا، بنت جبيل، وكلّ بلدة أو قرية نزحنا عنها، وحملناها حباً ووجعاً وحنيناً... نعيش عليه، نأنس به ونرتاح... هكذا نرتاد بخيالاتنا الحلوة طريق العين وساحة السرايا وحاكورة نصف الضيعة وشلعبون وخلة عيسى (وتحت اللكس) والوادي، وكل الحنايا والدروب والساحات، ونسبغ عليها حركة الناس وضجيج الدبكة (وتمشاية) الشباب وغنج الصبايا الحاملات جرارهن وصراخ التلاميذ في ملعب المدرسة متناغماً مع نداء الباعة في سوق الخميس... 

وأنتم هنا، تشكّلون –واقعاً- قفير النحل الوليد وقد خرج من رحم أمّه وأصبح طلقها الجديد... ذلك القفير الذي طار من حضنها، وحمل فئة دمها، ونوع خلاياها ونعس ألوانها، وسجلاًً طويلاً حافلاً من تاريخها... هو وجهها الجديد وجيلها الجديد لكن في المكان القصيّ البعيد... أنتم هنا رسُلًها الموصولون بها بحبل السرة الذي لم ينقطع والذي تجهدون أن يبقى ملتصقاً بها يمدّكم كما تمدّونه بدفء الدم ومنعش الأنفاس ونكهة التراب وسكينة الحنين!! 

أنتم هنا تمثلون حركة الحياة في تجذّرها وتجددها... خرجتم من حضنها كما خرجت الفتاة أوروبا وقرطاجة من صور... وكما خرجت اشبيلية وقرطبة وغرناطة من دمشق وتدمر وحلب، وكما خرجت الرصافة في الأندلس مع صقر قريش عبد الرحمن الداخل لتصارع رصافته الحبيبة في العراق... كما خرجت صحافة لبنان إلى وادي النيل مع جرجي زيدان وآل تقلا وصروف والجميل لتساهم عميقاً في نهضة مصر التي جاوزتها إلى بلاد العرب... 

أنتم هنا استمرار المسيرة العظيمة التي بدأت مع مطلع القرن المنصرم عندما راحت الأميركتان تموران بأفواج اللبنانيين وبعض السوريين الطامحين، الذين رفعوا راية النهضة والتجديد والتحديث في مناحي الأدب والحياة، الذين شكلوا في نيويوك بالإضافة إلى أعمالهم الرابطة القلمية مع جبران والريحاني ونعيمة والفرد أبي ماضي وشكّل رفاق لهم في الجنوب العصبة الأندلسية مع الأخوة فوزي ورياض وشفيق المعلوف ومع جورج صيدح والشاعر القروي والياس فرحات وسواهم وسواهم. 

يومئذ لم نكن نتصور أن هؤلاء يمكن أن يوقظوا الشرق العربي من سباته ويبعثوا فيه روح العصر ويضيئوا الزوايا المظلمة الراسفة في آسن التخلف والجهل... هؤلاء مع غيرهم عبّدوا لنا الطريق ونوّروا الدروب... نحن ننحني بعرفان وتقدير واحترام أمام معاناتهم وصبرهم وجهادهم، كما ننحني أمام ذكرى رفاق لهم، روّاد الهجرة إلى الأميركتين والذين هربوا من ظلم الأتراك وثقل الحاجة وذل العوز فغامروا ووصلوا إلى هذه الديار يحملون طموحهم وتصميمهم وعنادهم وصبرهم لينتشلوا أهلهم من الضياع والفقر والمرض والتخلف،... في تلك الأيام لم يدر في خلدهم ولم يتصوروا أنهم يجوبون هذه البلاد وأنهم كانوا يؤسسون لكم، ولوطنهم معكم، مستقبلاً زاهراً ويفتحون واسعاً الآفاق الجديدة مدارج طموح وملاعب فروسية... هكذا نذكر باعتزاز وعرفان هذا الرعيل الأول من آل طرفة وفرج وبزي وبيضون وحمود ودباجة والشامي وهيدوس ونستمطر على أرواحهم شآبيب الرحمة. 

كما نذكر كذلك وفي تلك الأيام أبناءً من وطننا شرّقوا وغرّبوا وهاجروا وارتادوا دياراً نائية ومناطق بعيدة في مجاهل البرازيل والأرجنتين انقطعت أخبارهم بينما كان رفاق لهم في مجاهل افريقيا يؤسسون ويعملون في ظروف بدائية صعبة ويحققون نجاحات لا تخطر ببال... ونذكر آخرين في استراليا والخليج تحملوا لهيب البوادي وشمس الصحراء الحارقة يوم لم تكن متوفرة وسائل الإنتقال ولا الاختراعات التي سهّلت السبل. 

...ها انت الآن بين أهلك وأبناء وطنك، لست بالحالم ولا الناعس ولا السابح في وهم الخيال... صدّق عينيك، أنت في نادي بنت جبيل في المقلب الآخر من الأرض ترى أهلك ورفاقك، تحدّق في وجوههم، تسمع أصواتهم، تصغي لأحاديثهم، وقد أخذك فرح غامر وسعادة رضيّة.

وتكاد تشمّ عبرهم -رغم بُعد المسافات- رائحة تراب تلك الأرض الطاهرة وتلتقطُ أذناك مع الفجر المنبلج زقزقة عصافيرها وأصوات مؤذنيها وتكبيرات مؤمنيها تتجاوب مع ايقاعات النواقيس تتردد في الأودية السحيقة وبين منعطفات الجبال... 

... وفي الغربة مهما نطل يبقى وطننا في البال، حتى لو كنا في جنة الخلد 

وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي!! 

وأختم مردداً 

وطني وأنت بخافِقي الحاني ترانيمُ الصلاة ِ
أهفو لقريتِكَ الجميلةِ وهي تزخُر بالحياة ِ
للـ"عين" للمشوارِ للأحلامِ تُنثرُ للنُكاتِ
للـَّحن من شبابة تشدي تهيمُ مع الرعاةِ
للأوفِ للموّال يا وطني يُغنـّى في الأناةِ
ولكل زاويةٍ بأرضِك رُوّيت بدمِ الأباة 

شكراً لكم، شكراً لنادي بنت جبيل، مؤسسين، وهيئة إدارية، وهيئة عامة. وأرجو ان يبقى المكان الجامع ومنتدى الجالية ويستمر في مسيرة الخير والعطاء وأن يبقى سفارة بنت جبيل ورافدها والعين الساهرة على حاجاتها ومتطلباتها.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic