شاطئ المنصوري الجنوبي
يهدي البحر 903 سلاحف
لبنان على لائحة الدول المتوسطية التي يتكاثر فيها النوع الأخضر النادر

المستقبل (الإثنين، 6 تشرين أول «أكتوبر» 2003)

نبيل أبو غانم


شاطئ المنصوري

السلاحف تخرج باتجاه البحر

     كانت رحلة الخمسين متراً التي تفصل بين العش الذي خرجت منه السلاحف الصغيرة ومياه البحر على شاطئ المنصوري، رحلة شاقة ومضنية. فصغار السلاحف التي لا يزيد طول الواحدة منها على خمسة سنتيمترات تكافح منذ أكثر من ثلاثة أيام للخروج من الحفرة على عمق لا يقل عن 75 سنتمتراً تحت الرمال. وها هي تصل منهكة إلى السطح لتبدأ رحلة البر المليئة بالمفاجآت رغم من جهود يومية يبذلها فريق أصدقاء السلاحف على الشاطئ: رعايةً وتنظيفاً وحمايةً وحراسة.

صغار السلاحف تتجه جميعاً نحو البحر، مرشدها أضواء تتلألأ على سطح الماء وغريزة تدفعها إلى موئل حياة قد تكون مديدة ولكن لنسبة ضئيلة منها.

المعوّقات كثيرة، رغم الاهتمام اليومي للفريق، الصغار يتعثرون في الحفر التي تحدثها الأقدام، يعفرهم الرمل، يمتص ما بقي على الجسد الطري من لزوجة يحملها من البيض الذي خرج منه، وفي الطريق قصب مشكوك، لخيمة يوم نزهة نصبت ولا تزال، يشكل بدوره حاجزاً.

ومع الاقتراب إلى مضرب الموج تشكل أفواج السلطعون سداً وتتأهب للانقضاض على الصغار المتعبة، ومن ينجُ يسبحْ بعيداً عن الشاطئ لتبدأ رحلة النمو البطيء. فالإناث من السلاحف لن تبلغ مرحلة النضج قبل 30 سنة، وقد تمتد المرحلة إلى 50، لكن رغم ذلك، ستظل الإناث وفيةً للشاطئ الذي خرجت منه. وسوف تعود بعد النضج لتضع بيضها في رماله، اذا استمرت شروط الحياة، وظل الشاطئ صالحاً لوضع البيض.

حارستا السلاحف على شاطئ المنصوري، ممثلة الجمعية المتوسطية لإنقاذ السلاحف منى الخليل وصديقتها حبيبة السيد ابتكرتا طرقاً لحماية الأعشاش من الحيوانات البرية والكلاب الشاردة التي يجذبها بيض السلاحف، وللتخفيف من مشقة الخروج من العش في عمق الرمل وعذاب الرحلة من العش إلى البحر وخطورتها. والحارستان تراقبان الشاطئ يومياً من أيار إلى تشرين وتعرفان متى وضعت كل سلحفاة بيضها ومتى تصبح السلاحف جاهزة للخروج من البيض. لذا تعمدان إلى تسهيل المهمة وتُخرجان البيض في الوقت المناسب وتؤمّنان شروط استمرار الحياة والتفقيس بيُسر وتحضنان صغار السلاحف غير المؤهلة لرحلة الإبحار إلى أن تصبح قادرة فتضمنان وصول أعداد كبيرة إلى البحر وتسهمان في إكثار النوع والمحافظة عليه.

موسم السلاحف من نوع كاريتا كايتا كان مقبولاً هذا الصيف، وإن كان أقل من الصيف الماضي والذي سبقه. وبلغ عدد الأعشاش 32 خرج منها حياً إلى البحر 881 سلحفاة صغيرة، لكن موسم سلاحف المتوسط الخضر من نوع كيلونياميداس كان سيئاً للغاية. "كارثة حقيقية" تقول الحارستان. فعدد أعشاش هذا النوع النادر على شاطئ المنصوري، الذي أضاف اسم لبنان إلى لائحة الدول المتوسطية التي تكاثر فيها النوع المهدد بالانقراض، لم يتجاوز ثلاثة أعشاش اثنان تم رصدهما وحمايتهما من الكلاب الشاردة والثالث استعصى على الحارستين وعلى الخبيرة الانكليزية فريا سانت جون التي أوفدتها الجمعية المتوسطية لإنقاذ السلاحف (ميداسيت) لاستكمال دراسة الموقع ومساعدة الفريق المحلي.

"الكارثة" تقول الخليل "إن العش الضائع من نوع كيلونيا أكله كلب شارد واكتشفنا قشر البيض فوق الرمل". وتضيف "يبدو أن رائحة البيض عندما وصل إلى مرحلة النضج باتت قوية فاجتذبت الكلاب الشارد ة التي كشفت العش وقضت على ما فيه".

تتابع: "بلغ عدد البيض في العش الثاني من هذا النوع 109 لكن لم يخرج منها الا سلحفتان سليمتان والباقي افسدته الرطوبة التي سببها تدفق المياه المهدورة في أقنية رأس العين إلى المجاري السطحية فوق رمل الشاطئ. وكذلك العش الثالث الذي احتوى على 135 بيضة خرج منها 22 سلحفاة سليمة فقط".

وتوضح الحارستان اسباب عدم تأثر النوع الآخر كاريتا كايتا. فتقول حبيبة "إن فترة حضانة البيض لهذا النوع كانت خلال هذا الصيف 45 يوماً وخرجت السلاحف قبل أيلول. أما النوع الأخضر فتجاوز 60 يوماً ولم تخرج السلاحف إلا في الأسبوع الماضي. وفي هذه الفترة فاضت المياه عن حاجة البساتين ووصلت إلى رمل الشاطئ".

وبعيداً عن مأساة السلاحف الخضر تبدي الحارستان فرحاً؛ أولاً، لاستمرار النوع، وإن كان عدد السلاحف التي وضعت بيضها هذه السنة نصف عدد العام الماضي. وثانياً، لأن خفر السواحل سيّر خلال الصيف دوريات لقمع الصيد بالديناميت. وثالثاً، لأن الموقع بات مقصداً للطلاب والعائلات. فقد أجرى 40 طالباً من الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) فترة تدريب ومساعدة على حماية السلاحف وتنظيف الشاطئ. وقام الدكتور احمد حوري استاذ مادة الدراسات البيئية في الجامعة بتدريب ميداني لفريق من 20 طالباً. يضاف إلى ذلك أن عائلات من بيروت ومن بكفيا زارت الموقع وتعرفت إلى اهمية السلاحف البحرية وكيفية حمايتها وساعدت في أعمال تنظيف الشاطئ.

وتسجل الحارستان، اعتزازهما بزيارة رئيسة (ميداسيت) التي حضرت الى لبنان في حزيران الماضي لحضور احتفال الأمم المتحدة في مناسبة يوم البيئة العالمي حيث تم تكريمها كونها من بين "الخمسمئة العالميون". كما تلفتان إلى صديق دنماركي يعمل في مكتب الأمم المتحدة في بيروت هونيليس راسموسن الذي كرس الوقت الكافي لتوثيق نشاطات الحماية بالصورة. ونوهتا باهتمام سفير كندا الذي زار الشاطئ واطلع على أعمال حماية السلاحف.

عن العلاقة بوزارة البيئة تقول الخليل "استدعتنا الوزارة إلى ندوة حضرها طلاب من الجامعة الأميركية ومتطوعون من الصليب الأحمر وشارك فيها مهتمون بالحياة البحرية حيث عرضنا تجربتنا في حماية السلاحف".

وماذا عن المستقبل؟

"السترة يا رب. والله يبعد النفايات البلاستيكية والخطرة وسنكمل العمل ونتابع الدراسات لتحسين أساليب الحماية" تضيف: "آمل أن تسجل شكري وتقديري لـِ(ميداسيت) التي ساعدتنا بمبلغ 250 باونداً انكليزياً ولصديقة كويتية تبرعت بمبلغ 2000 دولار أميركي لتأمين كومبيوتر وتجهيزاته.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic