“طباخ” لحدي يروي تفاصيل رحلة الذل إلى إسرائيل
تمييز بين العناصر وغربة بين الناس وأوامر لا تقبل الاعتراض

السفير (الأربعاء، 8 تشرين أول «أكتوبر» 2003)

علي الموسوي

     لا يعرف أشهر طباخي ثكنة مرجعيون حيث كانت تقع قيادة ميليشيا أنطوان لحد إبان الاحتلال الإسرائيلي، بسبب فراره المفاجئ مع الفلول المتهالكة من أمنيين وعسكريين ممن كانوا في عداد “جيش لبنان الجنوبي”، الى فلسطين المحتلة إبان انفجار “مفرقعات” التحرير في سماء ما سمي يوما ب”الحزام الأمني”. غير أنه متيقن من الدوافع التي حثته على العودة الى حضن الوطن بعد غربة قسرية فرضها بث شائعات التخويف و”التخوين”، ويختصرها بكلمات موشحة بالوجع والأسف تخرج من فمه على شكل غصات متقطعة “عيشة ذل في إسرائيل ونفسيتي كانت قتلانة ومصيرنا غير معروف ومش عارف شو بدي اعمل”، فحزم أمره عازما على الرجوع “ولو مهجرا” بعدما سبق أن هجّر من بلدة درب السيم الواقعة في شرق مدينة صيدا الى داخل منطقة “الشريط المحتل”، وحزم أمتعته القليلة وعائلته المؤلفة من زوجته وطفليه وقبض تعويضا ماليا. 
 

تمييز إسرائيلي 

     استاء هذا الطباخ من المعاملة اللاإنسانية والمقززة التي لقيها من السلطات الإسرائيلية وتمييزها البشع بين العناصر “اللحدية” والمصادر والمحركين والضباط والمسؤولين الأمنيين الكبار الذين ينعمون برفاهية مطلقة بسبب خدماتهم وجهودهم الكثيفة في سبيل توطيد الاحتلال وترسيخ حرية المحتلين في التنقل والقضاء على “الحياة الجنوبية”، كما أنه اشمأز من وقاحة التبدل في نظرة المدني الإسرائيلي إليه ولرفاقه الهاربين ممن يأتون في الصفوف الخلفية والمتأخرة في التراتبية المعمول بها في هيكلية الميليشيا “فالمدنيون كانوا يعرفون بأننا من جماعة لحد وكانوا يحبوننا باعتبار أن جيش لحد ساعد إسرائيل، وأحضروا ثيابا مستعملة ولكن ليس لديهم حنان، فالواحد منهم لا يحن لأولاده فكيف يحن عليّ أنا الغريب، ثم إنهم زادوا قيمة التعويض المعروض علينا لكي يتخلصوا منا ويطردونا، كما أن الأحكام الصادرة في لبنان كانت مخففة بحسب تتبعنا لها على المحطات التلفزيونية اللبنانية” مما زاد الحماسة لديه للرجوع وتحسس الراحة والاطمئنان بعد تعب نفسي مضن، وقدم للإسرائيليين طلبا ضمنه قرارا نهائيا بالعودة الى لبنان “الى ناسي وأهلي”. وبعد فترة وجيزة وصلته “تأشيرة” الموافقة فاستقل مع آخرين مثله أصيبوا بنكسة من جراء سوء المعاملة والتصنيف، حافلة تابعة لقوات الطوارئ الدولية العاملة في لبنان، أقلتهم الى بوابة فاطمة حيث تسلمهم مع عائلاتهم فرع الجنوب في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، استبقى الرجال لديه للتحقيق معهم في البدء ثم إيداعهم القضاء العسكري تمهيدا لمحاكمتهم وفقا لجرمي التجند في جيش العدو والتعامل مع عملائه ودخول “بلاده”، وترك النساء والأطفال ينتقلون الى قراهم وبلداتهم على أن تتم في وقت لاحق محاكمة النساء بجنحة الدخول الى فلسطين المحتلة والتي صارت عقوبتها بعد التحرير، تقتصر على غرامة مالية مقدارها خمسمئة ألف ليرة في أقصى الحالات بعدما وصلت في “عز” الاحتلال الى السجن بين أسبوع وشهرين بصورة وجاهية للرجال والنساء على حد سواء. 

يستذكر هذا الطباخ، الذي تحدث الى “السفير” مطولا فور وصوله سالما الى الناقورة، ماضيه في ميليشيا لحد ودواعي انخراطه فيها فيقول: “ما كان في شغل بالشريط وكنا مبهدلين وكنت ناطر الفرج فاضطررت الى الدخول في الميليشيا في العام 1988 وإلا فإنهم كانوا مستعدين لطردنا وطلب مني أن أخدم في ثكنة مرجعيون طباخا لأني عامل فندقية وكنت أقبض بالشهر 400 دولار أميركي”. 

يصر هذا الرجل الأربعيني على نفي تردده الى فلسطين المحتلة أو العمل فيها أسوة بمواطنين لجأوا للعمل في مهن مختلفة هناك إبان فترة الحضور الإسرائيلي في الجنوب، كما أنه ينكر زيارته لمعسكر المجيدية الشهير لتلقي جرعات تدريبية على السلاح بتنوع أشكاله، ويصل به الأمر الى إعلان براءته من الميليشيا وأعمالها التخريبية مع أن لسانه لا يزال معتادا على وصفها بالجيش “لا أعرف ماذا كان يحصل في الجيش ولم أتدرب ولم أقم بأي دورة تدريبية ولم أرغب أصلا في القيام بأي دورة لأن الأمر لا يعنيني ولم أكن أحبذ ذلك لأن الجيش كله لا يعنيني”. 
 

خوّفونا فهربنا

     تسأله عن كيفية هروبه عندما تناهى الى سمعه انطلاق قطار التحرير في شهر أيار من العام 2000 فيتوقف هنيهة مستعيدا مشهد الاندحار غير المتوقع وغير المألوف وما استتبعه من إهانات متتالية حتى مجيء قرار الحكومة الإسرائيلية بالسماح بالدخول للجميع، قادة وطباخين، مسؤولين وحراسا، أمنيين وبوابين، قتلة مأجورين وجنودا مجبورين، محركين في الجهاز 504 وعاملين في تلفزيون “الشرق الأوسط وإذاعة الجنوب”، مصادر ومخبرين وجواسيس صغارا في القرى والدساكر، كبارا وصغارا، “ما حدا كان معو خبر في الثكنة بحصول التحرير، ولم نكن نعرف بالتوقيت وطلب منا المسؤولون في الثكنة فجأة أن نهرب خوفا من أية ردات فعل فذهبت الى البيت وأخذت زوجتي وولديّ معي بداعي الخوف وهربنا” مستدركا أن “لحد كان يحكي سابقا بحسب ما كنت أسمع عن نيته في إنشاء جيش من دون الإسرائيليين”. 

ويتابع الطباخ تفصيل لوحة الهرب الجنوبي وحيثيات الذل الإسرائيلي في المنطقة العازلة بين الحدود اللبنانية الفلسطينية “فعندما وصلنا الى هناك أبقونا حتى الساعة الثانية من فجر اليوم التالي واقفين لا نلوي على شيء مع كثير من الممنوعات والفوضى العارمة، وصرنا معودين على البهدلة واللي بيسوانا بيسوى العالم كلها، الى أن جاء قرار السماح لنا بالدخول وأحضرت لنا باصات قرابة الساعة السابعة صباحا نقلتنا الى منطقة صفد ووضعونا في مجمعات يقولون إنها “أوتيلات” بس هي مجمعات مهجورة وسكنا فيها”. 

وقد لمس الإسرائيليون موجة من الحذر في استقبال اللحديين فسعوا الى تعويض ذلك، في بادئ الأمر، بإغداق المساعدات المالية والتي لم تكن هي الأخرى على قدر الآمال المعقودة “لقد قدموا لنا الطعام على ثلاث وجبات في هذه المجمعات ودفعوا لكل واحد منا مبلغ 800 شيكل (ما يوازي 177 دولارا و77 سنتا) أعطونا حرية التصرف به لشراء دخان ومرطبات ومشروبات أخرى”. 
 

لا مجال للاعتراض

     لم يقطن المسؤولون في ميليشيا لحد مع عناصرهم في المجمعات نفسها في منطقة صفد التي تضم يهودا “متدينين” ومتشددين، بل أسكنهم الإسرائيليون في دور منظمة ومرتبة ومهندسة في مستعمرة “نهاريا”. ويضحك الطباخ بمرارة على هذه الفتنة التي زرعها الإسرائيليون بين “المساكين” ومعلميهم وموزعي الأوامر الناهية عليهم “لقد فرقونا وشو بدك تعترض. كنا نعترض فقط على حصص الطعام في ما بيننا، من أخذ حصة أكثر من الثاني ليسد جوعه”. هذه هي أعلى درجات الاعتراض التي وصلت الى العسكري المعين في الجيش الإسرائيلي للإشراف على انتظام الحياة في رحابة هذه المجمعات، فلم يبال على جري عادة قادته وانصب اهتمامه أحيانا على تأمين الاستشفاء للمرضى. كما أنه كان يوجد عنصر من جهاز المخابرات مكلف بضبط شؤون المجمعات وساكنيها لفض أي إشكال يقع. 

أدخل الطباخ وأسرته الى مدرسة مجانية بغية تعلّم اللغة العبرية فأجاد فك الأحرف وحفظ بعض المعاني والألفاظ لا ليدرأ بها شر الإسرائيليين وإنما “لتخليص أمورنا وحل مشاكلنا. وإذا لم أقبل بالدخول الى هذه المدرسة فلا أقبض المعاش البالغ 3200 شيكل والذي لم يكن يكفي، فإذا بدك تصرف شوي صغيرة ما بيكفي وكأنهم مدوزنين الراتب. وما تنسى إنو نحن مضطرين نتحدث بالعبري فإذا دخلنا الى مستوصف مثلا فلن يفهموا علينا إلا بالعبري وإلا وقعنا بالمشاكل”. 

خلال الأشهر السبعة الأولى من رحلة العذاب على حد تعبير هذا الطباخ كان الضباط الإسرائيليون المنتشرون في القطعات والمراكز والمواقع والمقرات العسكرية والأمنية في الجزء المحتل من جنوب لبنان “يزوروننا ويستفسرون عن أوضاعنا وأحوالنا المعيشية ونقصّ عليهم معاناتنا لعلهم يفعلون شيئاً يريحنا غير أن الحلول والأوامر لم تعد بحوزتهم وملك أيديهم وكانوا يخبروننا بعدم قدرتهم على مساعدتنا وكانوا يسألون عنا بحكم المعرفة السابقة ولكنهم كانوا زعلانين لأنهم هربوا من لبنان إذ كانوا يستفيدون من وجودهم فيه مادياً فالفوضى منتشرة والاستفادة متوافرة”، ويضيف بحسرة: “بعد ذلك لم يعد يسأل أحد عنا، يعني بعدين كل واحد يدبّر رأسه”. 
 

الزيارات ممنوعة

     ولكن ألم تكن توجد زيارات متبادلة بينكم وبين المستوطنين الإسرائيليين؟ تسأله فيهز رأسه متأثراً “أصلاً لم تقم بيننا وبينهم زيارات فهم قريبون من المجتمع الأوروبي والغربي وبعيدون عن سلوكيات الشرقيين فتصور أنه خلال ثلاثة أعوام وأربعة أشهر وهي المدة التي مكثتها بينهم لم يدق باب بيتي أحد فلا صبحيات ولا فنجان قهوة ولا ابتسامات”. 

تختلف نظرة المواطن “العربي الإسرائيلي” الى هؤلاء “الضيوف” بشكل جذري عن تلك النظرة الخاصة بالمستوطن اليهودي الإسرائيلي في ما يشبه تبادل الأدوار، فالمواطنون العرب كانوا في البدء “يعتبروننا عملاء وينفرون ويفرون منا ولما احتكوا بنا تحسن أداؤهم معنا بعض الشيء ولكنهم لم يكونوا يساعدوننا بسبب عشرتهم المستديمة للإسرائيليين فإذا قصدت أحدهم لطلب خدمة منه يتملّص ويتهرّب منك بعكسنا نحن اللبنانيين”. 
 

انفجار الكرمل

     بعد مرور أحد عشر شهرا من حلول الطباخ والعناصر “اللحدية” الأخرى في ربوع صفد، قرر الإسرائيليون تغيير إقامتهم ونقلهم الى أماكن أخرى، وخيّروهم بين البقاء في صفد أو “النزوح” الى مستعمرتي “نهاريا” و”كريات شمونة” وطبريا وحيفا واستبشروا خيرا في أن تنعكس هذه “النقلة المباركة” إيجابا على حياتهم ومعيشتهم فاختار هو مدينة حيفا على الرغم من كثافة سكانها “لأن زوجتي تحبّ الصلاة ولا يوجد كنيسة إلا في حيفا فالراغبون في تأدية الصلاة كانوا يتوجهون الى أماكن بعيدة!”. وقد تسنى له الخروج من حصار البطالة مثل آخرين تأكدوا من أن الاتكال على الإسرائيليين سيبقيهم أسرى راتبهم الشهري غير المجدي، فنزلوا الى سوق العمل ووجدوا ضالّتهم في مهن متنوعة وخفيفة “على قد الحال” فهذا فران وذاك مزارع وذيّاك نادل وهذا الطباخ بدأ في مطبخ أحد المطاعم ثم تطور فانتقل الى مطبخ أحد فنادق هذه المدينة حيث كان يقبض أجره على الساعة “فكل ساعة تعمل فيها بتقبضها 17 شيكلا و80 آغورة” أي ما يساوي ثلاثة دولارات و95 سنتا ليصل راتبه الشهري في الحد الأدنى الى 3200 شيكل أي 711 دولارا أميركيا تقريبا “ولكن إذا ما كان في شغل كانوا يعطلونا حتى ما يدفعوا لنا ثمن الساعة. وفي أحد الأيام دوى انفجار في باص في منطقة الكرمل في حيفا فخفّ الشغل وعطّلونا شهرين”. 

على الرغم من أنهم أبناء “جيش” واحد، وعلى الرغم من أن المصيبة الإسرائيلية جمعتهم في بوتقة واحد، إلا أن أفراد ميليشيا لحد لم يكونوا موحدين ومتضامنين ومتعاونين مع بعضهم بعضاً، ولا يزالون على هذه الحال، فلا صلة ولا صلاة وإنما فصائل وتجمّعات مناطقية “كل أبناء قرية واحدة يتجمعون حول بعضهم تقريباً فأبناء بلدة رميش لوحدهم وأبناء بلدة دبل بمفردهم، وأبناء بلدة الخيام لوحدهم” وقس على سائر القرى والوحدات. ولم يكن هذا الطباخ يحبّذ مسألة الاحتكاك بهم وهو الغريب أصلاً عنهم وذلك “لكي أريح رأسي فكلهم كانوا يقولون نحن فعلنا كذا في الجيش وطالما أنهم أبطال فلماذا هربوا ولم يبقوا؟” يسأل نفسه ساخرا ويردف: “شباب بهورات وشو بدي أقول لك”. 

أعجبته مدينة حيفا “فالمعيشة مؤمنة كلها فيها” ولكنه لم يستطع أن يتأقلم مع أجوائها غير المريحة وراودته فكرة العودة “أنا بدي أجي من زمان وكانوا يقولون لنا في زودة معاش فنبقى وكل العالم بدها تجي من إسرائيل فالجو ليس لنا ولا يمكن لرب العائلة الاستمرار هناك فأنا تهمني عائلتي ومن ليست لديه عائلة يفضل العيش هناك فالعازبون يرفضون العودة الى لبنان ولما كنا نلتقي المطران صيّاح كان يطلب منّا نرجع” إلا من كانت جرائمه كثيرة وملفاته القضائية ضخمة ولا يمكن التساهل والتهاون معها. 

دفع الإسرائيليون له مبلغا ماليا مقداره سبعة وعشرين ألف دولار كتعويض بحسب سنوات خدمته في صفوف الميليشيا ورتبته العسكرية ثم ارتفع السعر وزيد العرض أربعة آلاف دولار فحسبها جيداً وأخذ هذا التعويض ونال ألفين وخمسمئة دولار على كل ولد من ولديه “أما المرأة فما بيطلعلنا عليها شي”. حتى المرأة مضطهدة مادياً لدى الإسرائيليين. 

لم توكل لهذا الطباخ، أي مهمة أمنية بداخل فلسطين، فلم يشارك في قمع انتفاضة الشعب الفلسطيني، كما فعل ضباط وعناصر جهاز الأمن في ميليشيا لحد، ولم يحضر اللقاءات الجانبية التي جرت بين أنطوان لحد “وأركان حربه وأمنه”، ولكنه يتجنب التورط في الكلام على هؤلاء “فالمهمات عرضت على المسؤولين فقط، ومن كانت علاقته قوية بالمخابرات فهو معزز ماديا ومعنويا ومعه سيارة وبيت ومعاملته ممتازة”. ولذلك فمن الصعب جدا أن يوافق الإسرائيليون على إعطاء هؤلاء المسؤولين إذناً بالعودة، لأن سجلاتهم ترشح بشتى أنواع الجرائم التي اقترفت على مدى اثنين وعشرين عاما من عمر الاحتلال في الجنوب ويخشون في حال عودتهم المستبعدة، أن يكشفوا المزيد والمزيد من جرائم إسرائيل المستترة. ويضرب هذا الطباخ كفاً بكف كمن انتهى من تلاوة فعل الندامة من صميم قلبه ويمضي عائداً الى زنزانته المؤقتة من دون أصفاد.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic