سهيلة بنّوت
تناشد لاسترداد أولادها من اسرائيل
بعد فرار زوجها مع أبنائهما الأربعة عبر بلدة الغجر

المستقبل (الجمعة، 24 تشرين أول «أكتوبر» 2003)

رولا عبدالله


سهيلة بنوت

صابرين وسارة

     من أين تبدأ في الحديث الى سهيلة بنّوت، الأم المنكوبة بهروب زوجها السابق أحمد ياسين ومعه أولادهما الأربعة الى اسرائيل. هل تسألها أولاً عن آخر المعطيات في القضية؟ أم عن أولادها واللحظات الأخيرة معهم؟ وماذا بعد؟

"أرجوكم لا تسألوني كثيراً"، تتمنى سهيلة بعد نهار شاق امضته في التحقيق معها. كانت قبل شهر ونصف الشهر مجرّد ربّة منزل همّها أولادها والمحافظة على الأسرة. ولما أعلمها زوجها قبل أسبوعين انه ينوي "ردّها"، فرحت لأجل الأربعة. قصدت مزيّن الشعر وتخلّت عن نيتها في رفع دعوى ضد ياسين لحضانة اثنين من أطفالها.

وحدثت المفاجأة التي حوّلت أيامها الى نوبات دموع وأسئلة لم يبادر أحد الى الاجابة عنها، كما تقول.

صارت سهيلة بنوّت "القضية" التي يتداولها المجتمع اللبناني، وصار زوجها في المقلب الخصم، عند العدو، القضية التي تبحث عن حلّ. يبقى صابرين (10 سنوات) وعلي (8 سنوات) ومحمد (5 سنوات) وسارة (أربع سنوات) أولاداً لبنانيين برسم المجهول، ذلك أنّ اللعبة قامت على مصيرهم.

و"ما مصيرهم؟". تسأل سهيلة، مناشدة الحكومة اللبنانية والجهات المعنية التدخل لإستعادتهم.

توضح: "لم أحصل بعد على وعود أو حتى خيط أمل يدلني الى أحوالهم. كل ما يصلني هو ما يتداوله الشارع بخصوصهم".

تحكي سهيلة تفاصيل ورود خبر فرار زوجها السابق، فتقول: "أصيبت شقيقتي بنوبة رمل استدعت نقلها الى المستشفى. هناك سمعت أحدهم يقرأ لزوجته تفاصيل عن فرار مواطن لبناني الى اسرائيل. بدأت أتعرف إلى تلك الأسرة من الأسماء. صرخت وأغمي عليّ، ومن حينها لم يهدأ بالي ولا جفّت دموعي. عرفت أني خسرتهم".

تتدخل والدة سهيلة وتقول: "فتحنا مجلس عزاء في المنزل. نعرف ما الذي يعنيه خبر الفرار الى اسرائيل".

تنفي سهيلة أي شكوك انتابتها بخصوص نيّة زوجها الفرار أو العلاقة بإسرائيل، وتقول: "كان زوجي شرساً في تعامله معي. ضربني كثيراً أمام الأولاد الى أن وصلت علاقتنا الى طريق مسدود. انفصلنا قبل شهر ونصف الشهر، ومن يومها انقطعت أخبار أولادي، إلى أن وصلته الأخبار عن نيّتي رفع دعوى ضده لحضانة محمد (5 سنوات) وسارة (4 سنوات). وقبل أيام من فراره، فوجئت به يزور أهلي، الحادية عشرة ليلاً ليعلمهم بنيته تهدئة الأوضاع".

تؤكد سهيلة انها لم تكن على علم بأي اتصالات مشبوهة وردته. وتوضح "طالما شككت بوجود امرأة ثانية في حياته بسبب تلك الاتصالات. وأحياناً يغيب عنا لأيام فيتفاقم الموقف بيننا. كنت أغار عليه وكان يغار عليّ، فاصطدمنا. قد أكون حصلت على اجابة، بعد طلاقنا وفراره، عن مصدر المكالمات المجهولة. أعلمني سابقاً أن لديه شقيقاً في سويسرا يدعى ابراهيم ياسين. عرفت لاحقاً، اي في الأيام القليلة الماضية، ان شقيقه أصبح يهودياً ومن المتدينين السلفيين (الحارديم)".

تتوقف سهيلة قليلاً عن السرد. تشرد لدقائق كانت دموعها خلالها محتقنة في وجهها. تسأل خالها الذي رافقها الى التحقيق الذي أجري معها لدى الجهات الأمنية. "ما الاسم الذي بات يحمله شقيقه ابراهيم؟". يبحث خالها بين الأوراق ليقرأ على مسامعها ما ورد في خبر نشرته جريدة "المستقبل". يعلمها: "بات اسمه ابراهام سني. تهوّد منذ سنوات طويلة على يد حاخام صفد شلومو الياهو". تطلب سهيلة من خالها ان لا يتابع لأنها بإحساسها تتوقع الخطر الذي يهدد أولادها بعد الذي بثته القناة الثانية من "صورة للحاخام وهو يستقبل الفار أحمد للبدء بتهويده مع أبنائه الأربعة".

تجيب سهيلة عن صلة القرابة بين زوجها السابق والأسير انور ياسين، وتقول: "أولاد عم". وتوضح: "أنا من زفتا وأحمد من دلافة في قضاء حاصبيا. كان جندياً في الجيش اللبناني قبل أن يُسرّح. استأجرنا منزلاً في زفتا، وشيّدنا آخر في دلافة. استثمر أحمد التعويض الذي حصل عليه من الجيش بقيمة أربعة ملايين وثلاثمئة ألف بشراء نمرة عمومية ثم تطور عمله ليشتري "فإن مدرسة". تفاجأت قبل أيام من فراره بأنه أجَّر الباص، ثم علمت انه قام ببيعه. وأخبرتني شقيقته انها ابتاعت منه غسالة وغرفة نوم من دون أن يساورها الشك في نيته.

سألته: "ما بدك تتزوج". فأجابها: "غير سهيلة لأ".

تلمّح سهيلة إلى انها عاتبة على "بيت عمها"، آل ياسين، لأنهم في بيان الاستنكار والتبرؤ من أحمد وابراهيم ياسين، لم يذكروا شيئاً عن الأولاد. وتعلّق "سبق أن فرّ ولدهم ابراهيم ولم يستنكروا أو يتخذوا خطوات مماثلة".

تحكي سهيلة عن علاقتها بأطفالها، فتقول "كنت أسهر الليل في غرفتهم خوفاً من أذية بعوضة أو نسمة هواء جارحة. وكانوا يقولون إن سهيلة مهووسة بأولادها.

أذكر أن ابنتي صابرين، وهي متفوقة في المدرسة، صرّحت لي يوماً بعد أن فاجأتها تذرف الدموع: "ماما، ينتابني إحساس بأن أحد أفراد الأسرة سيموت. قد يكون أبي أو أنت". سألتها من تختار، فغضبت: "انتِ أمي وذاك أبي. أحبكما ولا أتمنى الأذية لأحد". عندها شرحت لها سبب خلافي مع والدها بأنني "أجاوبه"، فيغضب.

تبكي سهيلة من جديد كلما تذكرت علي ومحمد. وتتابع "كانت اللعبة المفضلة لديهما أن يخوضا حرباً شرسة ضد العدو الإسرائيلي باعتبارهما من رجال المقاومة. اليوم هما في إسرائيل، فأي مصير يلقيانه؟".

تتذكر سهيلة أنها قصدت مدرسة أولادها "المرملية الرسمية" للتأكد من قيام والدهم بتسجيلهم، "فتفاجأت بأنه سحب إفاداتهم المدرسية وإخراجات القيد. توقعت انه ينوي البحث عن مدرسة تكون قريبة من المنزل بعد عودته الى "دلافة".

ليست لدى سهيلة معلومات عن كيفية انتقالهم الى إسرائيل. تقول "سمعت في الأخبار نقلاً عن التلفزيون الإسرائيلي أنهم فرّوا عن طريق بلدة الغجر. ثم وصلتني أخبار بأنه استأجر سيارة عثر عليها بالقرب من نهر الوزاني".

تعود سهيلة لتغرق في بحر من الأسئلة تقول بينما تكرّ دموعها: "أريد أن أعرف كيف غادروا لبنان. أليست تلك مسؤولية الدولة اللبنانية؟ غير معقول أن يغادر أحدهم وطنه ويلجأ الى العدو بسبب خلاف مع زوجته. ليتني أعرف الحقيقة أو استيقظ من الكابوس".

وتسأل أكثر مستوضحة: "قولكم لو ذهبت الى محطة عربية فضائية وطرحت مشكلتي، هل تصل الى أولادي؟ أريدهم أن يعرفوا أني أبحث عنهم وأدفع حياتي ثمناً لاستعادتهم الى أرض الوطن".

كل ما بين يديّ سهيلة مجرد وعود حصلت عليها من "حزب الله" والجيش اللبناني بإمكان مساعدتها مقابل أن تتعاون معهم في تقديم المعلومات. هنا تبدي سهيلة انزعاجها مما يتناقله البعض عن احتمال درايتها المسبقة بنشاطات زوجها. تقول: "كنت على الأقل تحسبت للوضع. مهما قيل أجد أني المنكوبة الوحيدة في هذه القضية وأطلب المساعدة".
 

مناشدة

     يذكر أنّ سهيلة بنوّت وجهت رسالة مكتوبة الى جريدة "المستقبل" تناشد فيها المسؤولين مساعدتها. هنا نصها كما ورد من دون التوقف عند الأخطاء الإملائية: "أعرض عليكم مشكلتي وأناشد الدولة اللبنانية والمؤسسات الانسانية من الصليب الأحمر اللبناني والدولي المساعدة على لمّ الشمل مع أولادي الأربعة الذين اختطافهم (اختطفهم) زوجي السابق أحمد ياسين وفرّ بهم الى إسرائيل. وقد كتبت وسائل الإعلام عن هذا الموضوع. وبالأمس صدر بيان عن عائلة آل ياسين يعلنون فيه التبراء (التبرؤ) وهدر دماء أحمد وابراهيم ياسين.

ولكن أطفالي الأربعة، صابرين (10 سنوات) وعلي (8 سنوات) ومحمد (5 سنوات) وسارة (4 سنوات) ما هو مصيرهم في أراضي العدو الإسرائيلي، وهل من الممكن إعادتهم (الى) وطنهم قبل فوات الأوان وهم لا يزالون قصر(اً). وهل من الممكن أن أطمئن عليهم بشكل دائم حتى يقضي الله أمراً كان مقضياً (مفعولا)؟!.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic