الأبنية المدرسية في الجنوب
تطيح بالمعايير التربوية والجغرافية

السفير (الجمعة، 31 تشرين أول «أكتوبر» 2003)

كامل جابر


المبنى المدرسي الجديد في ابل السقي

     مرت أعوام ثلاثة بعد التحرير، وحلم فاعليات الريحان في قضاء جزين لم ينقطع في انتقال ثلة من أبنائهم، عشرات قليلة، يشكلون تلامذة المدرسة الرسمية، من المبنى الصخري العتيق قرب ساحة البلدة، إلى المبنى الجديد الذي بناه مجلس الإنماء والإعمار، من دون العودة إلى استشارتهم، إلى مسافة مئتي متر صعوداً عن القديم، مفتقداً إلى بعض الأسس التي تراعي احتياجات أبناء الريحان وطبيعة جبلهم القاسية شتاءً، فضلاً عن مقومات أساسية لا غنى عنها، كالملعب الشتوي أو الصيفي وما يقيهم حر الصيف وقرّ الشتاء. 

كأن هناك من يضغط باتجاه عدم استلام وزارة التربية هذا المبنى الجديد باعتقاد أبناء البلدة، حتى بقي مهجوراً، إلى اليوم. بالرغم من أن هذا البناء الحديث يجب أن يكون أفضل من سابقه القديم الذي ما زال فضفاضاً على تلامذة البلدة، غير أنه (البناء الجديد) ينقصه الملعب الملائم، الذي يقي التلاميذ من ثلوج الشتاء وأمطاره الغزيرة، وكذلك من حرارة شمس الصيف، إذ أن ملعب المدرسة ما زال بعد نحو خمس سنوات أو أكثر على بنائها، مفتوحاً “على كل احتمال”. والممرات بين الصفوف، والأدراج المزينة بحجارة مثقوبة، لن تمنع لفح البرد ولا زخّ المطر، فضلاً عن الغرف الواسعة التي تبلغ الواحدة بحجم اثنتين أو ثلاث من قاعات المدارس العادية. 

حماسة أبناء الريحان تجاه المبنى الجديد جاء على خلفية أن البناء أضحى واقعاً لا محالة، على قطعة أرض من تراب بلدتهم و”الجود من الموجود” ويمكن بعد انتقال التلاميذ إليه، تحويل المبنى القديم إلى دار للبلدية تحتاجها الريحان، وهي تشغل اليوم جزءاً منه. غير أن السؤال الذي يتكرر في صميم أبناء البلدة وفاعلياتها ويلحّ في استمرار: لماذا لم تتحمس وزارة التربية إلى استلام المبنى ونقل التلامذة إليه؟ لو كان هذا المبنى من صنع مجلس الجنوب، أكانت الوزارة أدارت ظهرها إليه، على هذا النحو الجاري في الريحان؟
 

إبل السقي 

     لم يمر وضع حجر الأساس للمبنى المدرسي الجديد في بلدة إبل السقي في قضاء مرجعيون، مرور “النعيم” الذي يحوط بالأبنية التي يطلقها مجلس الجنوب في أكثر من قرية أو بلدة في أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وحاصبيا، التابعة كلها لمحافظة النبطية، أكانت تحتاج هذه البلدات والقرى إلى هذه المباني أم هي التخمة؟. أحاطت بهجة الاحتفاء بالحجر الجديد تجاذبات سياسية ومحلية، وفي جهة منها طائفية، جعلت وزير التربية والتعليم العالي، المعني في حينه، يرحل من دون وضع الحجر الأساس. غير أن المبنى شكلّ تحدياً للجهات المشيدة والتي أصرت على بنائه، فكان أن بدّلت المكان وبدأت ببناء واحد من طابقين بديل عن الموجود في داخل البلدة، الذي لا يزيد عدد روّاده من التلاميذ عن 66 تلميذاً، العام الدراسي المنصرم. يقع البناء على تلّ متواضع يبعد 500 متر عن مدخل البلدة، يطل على الطريق العام بين إبل السقي ومرجعيون ومنطقة حاصبيا. ويردد أبناء البلدة أن طابقاً من المبنى المقرر من ثلاثة “طار” بعدما تكلف المتعهد أكثر من المقرر على السور الخارجي، علماً أن المبلغ الذي طرح لتكلفة البناء وصل إلى حد 800 مليون ليرة لبنانية، بحسب أبناء البلدة. 

هذان النموذجان في هكذا أبنية مدرسية انتشرت في السنوات الأخيرة على كثير من التلال المتشابهة في المناطق الجنوبية، يطرحان جملة من أسئلة وعلامات استفهام حول الجدوى الفعلية من هذه المباني التي تنافس مجلسا الجنوب، والإنماء والأعمار، على تشييدها بمبالغها الطائلة، مع الحظوة المميزة في ذلك لمجلس الجنوب على الأخير، ومدى احتياج القرى والبلدات، والمناطق والمحاور، إلى مثيلها. لكن الأبنية لم تتوقف هنا أو هناك برغم ممانعة فاعليات بعض البلدات على فرضيتها وأمكنة زرعها، أو “نوعيتها” التي قد تلائم احتياجاتهم الفعلية والمستقبلية. وحجارة الأساس ما زالت تشكل مظلات معنوية لجهة حزبية “بعينها”، وأبواباً للكسب المادي والسياسي ل”معدودين” من المتعهدين “المحظيين”. وإذ بهذه الأبنية تفيض في أكثر من قرية ومحلة ومحور، وتشكل عامل حرمان في العديد من المناطق. فقد نعمت بلدة حولا (مرجعيون) لوحدها، بثلاث أبنية متلاصقة، جيدة ويشكل كل واحد منها، على حدة، حلاً كافياً لتلامذة البلدة البالغين 70 تلميذاً في المرحلة الابتدائية و131 تلميذاً في المتوسطة، العام الماضي. ما حدا ببلدية حولا إلى استغلال المبنيين الفائضين، واحد كدار لها وآخر لمكتبة عامة. والأمر عينه يتكرر في عيترون (بنت جبيل) البالغ عديد تلامذتها 149 في المرحلة الابتدائية و140 في المرحلة المتوسطة. 

ونالت عين إبل (بنت جبيل) بناء جديداً على نفقة مجلس الجنوب لتلامذتها البالغين 24 تلميذاً، فقط، في المرحلة المتوسطة. وكذلك عين عرب جارة الوزاني (مرجعيون) لتلامذتها البالغ عددهم 48 تلميذاً، جلّهم من الوزاني التي فتحت مدرستها هذا العام الدراسي، ما يشرّع الباب أمام عودة العديد من تلامذة عين عرب إلى الوزاني. ومدرسة في دبين (مرجعيون) لتلامذتها ال21، والعديسة لتلامذتها ال26. 

وزارة التربية استلمت أكثر من مبنى شيّد حديثاً على نفقة مجلس الجنوب أو قبل سنوات، وراحت تبحث في بعض الأماكن عن كيفية إشغاله، إذا يحتاج إلى تجهيزات وطاولات ومقاعد، وإلى مدير وموظفين وكادر تعليمي، برغم أن بعض الجهات السياسية أو الحزبية تتدخل أكثر من غيرها في حلّ مشكلة التعيين، إذ تطرح هي من ينعم بموافقتها السياسية والحزبية ورضاها، من مديرين ومعلمين وموظفين. لكن لم تجد الوزارة، عبر مناطقها التربوية أو مكاتبها بعد، حلاً لمدارس شيدت، في بعض الأماكن التي تعاني من تهجير مستمر، إما بسبب الاحتلال والعدوان، وإما بسبب النزوح نحو المدينة، ويمكن في الحالات القصوى تأمين كادر تعليمي متواضع لها، لكن، من أين لها الإتيان بتلامذة يملأون فراغ هذه الأبنية وخوائها، في وقت تحتاج بعض البلدات إلى أبنية تكفي تلامذتها بعد معاناتها من تضخم الأعداد أو ترهل الأبنية القديمة؟ 

فقد نالت اللويزة في قضاء جزين مدرسة مميزة منذ سنوات عديدة، تحتاج إلى تلامذة يسدون فراغ طوابقها وقاعاتها، وأخرى في القنطرة التي لا تلامذة لها ولا أساتذة يستعد بعضهم إلى الانتقال إلى هذه القرية شبه النائية في قضاء مرجعيون. ومثل ذلك يتكرر في أكثر من منطقة. في يحمر (النبطية) بنى مجلس الإنماء والأعمار مدرسة ثانوية تقديراً لصمود أهلها وحصارهم أكثر من مرة من قبل العدو الإسرائيلي، ولم تستخدم منذ ثماني سنوات. وكذلك في شبعا (حاصبيا) التي لم ينتقل تلامذتها إلى المدرسة الجديدة المبنية على نفقة مجلس الجنوب منذ نحو عشر سنين، أو أكثر، عند التخوم الجنوبية الشرقية لبلدتهم، وتبعد عنهم أكثر من نصف ساعة سيراً على الأقدام، صعوداً، وبات هذا المبنى غير صالح ليكون مدرسة بعدما لحقه ما لحقه من تصدع وتفسخ يطرحان الجدوى من بنائها على محك الاستفهام. 

هذه الأبنية المشيد معظمها بل غالبيتها القصوى، من دون مخططات مسبقة، بحسب تأكيد جهات تربوية فاعلة في الجنوب، لم تدخل بعد أتون التنظيم المدني في الأقضية والمحافظات، وما زالت أبنية غير مرخصة أو مشرعة البناء، معظمها على مشاعات بلدية أو حكومية، أو أراض بلدية. جيء بها من دون الأخذ برأي المناطق التربوية التي يجب أن تحدد هي أكثر من غيرها الجدوى التربوية والاقتصادية والمحورية والجغرافية، مع مراعاة الاحتياجات السكانية والتنموية. وعدم اعتماد الدراسات العلمية في إنشائها، ما حول معظمها أبنية عشوائية أكثر منها مدرسية تراعي التوزع الديموغرافي والوظيفي والهجرة، ووضع المدارس قبل الاحتلال الإسرائيلي وبعد التحرير. بل كانت أبنية ذات انتشار سياسي في الدرجة الأولى، ومناطقي، وطائفي ومذهبي، في كثير من المطارح، انعكس على عدد التلاميذ الذي فاض هنا، وضؤل هناك، وكذلك عدد المعلمين الذي جعل بعض المدارس تعاني من احتياج غير منقطع، وبعضها الآخر من تضخم وصل إلى حد التخمة. ومرد كل ذلك إلى غياب الدراسات ثم الدراسات، بحسب الجهات التربوية المهتمة في الجنوب. فإلى متى يستمر هذا “الإنماء” العشوائي ذو الوجوه السياسية والحزبية والطائفية على حساب التنمية التربوية وحاجتها وديمومتها؟
 

رد من مجلس الجنوب

     (السفير – 1/11/2003) رد مجلس الجنوب على المقال (المنشور أعلاه) وقال إنه لا يقوم بإنشاء أي بناء مدرسي في الجنوب إلا بالتنسيق التام وبموافقة وزارة التربية والتعليم العالي على الأشغال والملفات المتعلقة بالأبنية، سواء الجديدة منها أم تلك التي هي بحاجة الى ترميم، أو إضافة أقسام عليها، إضافة الى المطالبات الخطية من الجهات الأهلية الرسمية من مخاتير ورؤساء بلديات في القرى كافة التي تم بناء مدارس رسمية فيها. 

وأحال المجلس الكلام عن كثرة المدارس لأبناء الجنوب الى الذين هم “أدرى بمصالح أبنائهم وقراهم ومناطقهم”.. أما “ما ساقه عن موضوع مدرسة إبل السقي، فإننا نتمنى على النيابة العامة المالية التحقيق في هذا الملف لعل وراء الأمر صفقة كبرى يتم ضبطها بواسطة جابر”.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic