
طريق الخردلي مرجعيون |
إنها المرة الثالثة أو الرابعة، وقد تكون الخامسة، في بعض المطارح، التي تعالج فيها وزارة الأشغال العامة، أو الهيئة العليا للإغاثة، أو متعهدو الجهتين، بعض الانهيارات على جوانب الطرق العامة بين النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وحاصبيا، وحُفرها، عشية الشتاء الثالث بعد التحرير، لتكشف مرة تلو الاخرى، عورة “الترقيع” وهشاشة “التأهيل” التي تطيح، في كل مرة، بالمبالغ الضخمة التي تصرف هنا وهناك، من دون معالجة جذرية وطويلة الأمد، تؤمن السلامة العامة للعابرين على الطرقات، جنوباً.
فقد بدأت بعض الورش التابعة للهيئة العليا للإغاثة مؤخراً، بجرف الجهة اليمنى من الطريق العام، فوق “الخردلي”، المفضية نحو مرجعيون والمنطقة الحدودية، التي تنهار للمرة الثالثة في أقل من ثلاث سنوات، بغية تأهيلها بعد الانهيار الأخير. ورشة كبيرة بدأت هذه المرة بحفر عشرات الآبار التي ستتحول أعمدة أساس مقواة بالحديد والاسمنت، تتصل بجسور في ما بينها، لتشكل قاعدة تمنع الانهيارات، مجدداً. غير أن هذه المعالجة تتم جزئياً، من ثلاث قطع غير متصلة، في أمكنة حدوث الانهيارات، وليس على طول الطريق التي تبقى معرضة لأي انهيار على امتداد نحو ثلاثة كيلومترات، تشرف من علو شاهق على مجرى الليطاني.
وكانت الطريق قد شهدت على مدى أكثر من ثلاث سنوات أعقبت التحرير، وحتى اليوم، عشرات حوادث انزلاق السيارات نحو المنخفضات والأودية، بسبب عدم وجود دفاعات تقي مثل هذه الانزلاقات.
انتظر أبناء المنطقة الحدودية طويلاً بعد التحرير في أيار عام 2000، تنفيذ مقررات جلسة بنت جبيل “الشهيرة” في موضوع الطرقات وتأهيلها، وتنفيذ أحلامهم بتحقيق الطريق الدولية الجنوبية نحو المصنع السوري، والأوتوستراد الجنوبي الحدودي، بين النبطية ومرجعيون وحاصبيا نحو البقاع من جهة، ونحو قضاء بنت جبيل وصولاً إلى الناقورة من جهة ثانية. غير أن آمالهم بقيت “أضغاث أحلام” تحتاج إلى قرارات فعلية تتخذها الدولة اللبنانية بدرجة أولى، ووزارة الأشغال العامة، المعنية مباشرة، لجعل مشاريع الطرقات واقعاً يخفف عنهم أعباء الانتقال في طرقات، هي أشبه بالوعرة، في كثير من الأماكن والبلدات التي تعبرها، من كثافة الحفر والمنخفضات والمطبات في بعض الأحيان، ومن تراكم الترقيع في معظم الأحيان.
من قرارات الحكومة غداة التحرير: الانتهاء من أعمال صيانة الطرق الرئيسية وتوسيع المعابر خلال شهر واحد!
غير ان هذه الصيانة تتكرر في تواتر مستمر، بورش سريعة و”خاطفة” تصلح “وصلات” غير طويلة و”تعمي أخرى”. ومن يعبر جنوباً يدرك مدى تحوّل بعض أعمال الترقيع أو التأهيل إلى “تنفيعات” لبعض المتعهدين النافذين، دون غيرهم، فيما يشكو العديد من المتعهدين “غير المدعومين” من حرمانهم من مشاريع “رست” تلزيماتها عليهم، بعد فقدان ملفاتها في بعض مكاتب وزارة الأشغال العامة، أو المديريات التابعة لها. ويروي أحد المتعهدين أن طريق “هورا” بين كفركلا ودير ميماس، وهي حيوية في المنطقة، عُبّد جزء منها، ومعاملة الجزء الثاني اختفت “بقدرة قادر” وتبلغ قيمتها نحو 70 مليون ليرة لبنانية. وكذلك معاملة الطريق بين مدخلي مركبا وحولا البالغة أكثر من 200 مليون ليرة. ويردد البعض أن بعض التعهدات نقلت “تحت جنح السر” من مكان إلى آخر، أو تبدّل صيغة التأهيل من معاملة لمتعهد “غبّ الطلب” إلى تنفيذ بالأمانة أو الفاتورة، وبذلك يمكن تبديل المتعهد بآخر محظوظ!
أما لماذا ظلت الطرقات الجنوبية على هذا النحو من الرداءة وسرعة العطب وتحولها إلى خنادق وحفر؟ فيعزو بعض المتعهدين الأمر إلى سلسلة من الأسباب أهمها:
- عدم رصد اعتمادات كافية لتأهيل الطرقات، فيجري الترقيع ب”الموجود”، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان على حساب تحديد المساحة، فتنشر الكمية المقررة، بمبالغ أقل.
- معالجة بعض الطرقات بالتأهيل والترقيع برغم حاجتها إلى تعبيد كلّي بمواصفات جيدة.
- ضيق بعض الطرقات القديمة الرئيسية أو المتفرعة، وانحسارها في داخل القرى، فباتت لا تتوافق مع حركة السير عليها، وتستوعب كثافة حركة النقل وتبدل الآليات، ما جعل العديد منها ينهار تحت حمولة الشاحنات، غير الملتزمة بمعايير الوزن الإجمالي، على طرقات لم تعد مؤهلة لهذا الضغط من الحمولة.
- عدم تنفيذ بعض الطرقات الدولية المقررة منذ عشرات السنين، التي لا يقل عرضها عن ثلاثين متراً، والرئيسية التي لا تقل عن عشرين متراً. فالطريق بين النبطية ومرجعيون، ثم نحو بنت جبيل أو حاصبيا، في الواقع من أمرها، يترواح عرضها بين ستة أمتار وعشرة، وتصل إلى ما دون الأربعة في داخل بعض القرى أو البلدات.
- عدم صرف ميزانية أشغال تعبيد وتأهيل تتوافق مع حاجة العديد من الطرقات في القرى الجنوبية والحدودية، وفي هذا الإطار، لم ينل قضاء مرجعيون هذا العام، ما يفوق عن خمسين بالمئة مما حصل عليه العام الماضي. ظلت جملة من الطرقات بين كفركلا والعديسة، وسهل الخيام، وبين العديسة والطيبة، والطيبة والقنطرة، نحو وادي الحجير، ومن الغندورية نحو وادي الحجير، فضلاً عن الطريق بين ميس الجبل وبليدا وعيترون، وفي العديد من بلدات قضاء بنت جبيل، على ما هي عليه، من رديئة وسيئة تزينها الحفر والخنادق والمطبات، برغم حاجتها إلى توسيع وتعبيد و”فلش” كلي. ويشار هنا إلى أن وفداً من قرى المنطقة تلقى وعداً من مرجع نيابي جنوبي بإصلاح واقع الطريق قبل حلول فصل المطر.
ويرد بعض المتابعين لواقع الطرقات، وأعمال التأهيل أو الترقيع، هذا التجاذب في التعهدات والتلزيمات وانسياقها تحت مفهوم “من هالك إلى مالك، إلى قابض الأرواح” إلى استغلال هذا “الزفت الأسود” في تبييض بعض الوجوه بما يعود بالجدوى الانتخابية، النيابية أو البلدية، التي أضحت “على الأبواب”.
مرّ الصيف من دون ورش لافتة في مشاريع “ترقيع” الطرقات وتأهيلها، أو توسيعها في الجنوب، غير أن الجهات “المختصة” تذكرت بعض “واجباتها” بعدما بدأ فصل المطر يلقي بعيّنات من زخاته التي تبشّر بالخير المقبل، وتنذر بمزيد من الانهيارات وبواقع أكثر “وعورة” وحفراً ورداءة للطرقات الجنوبية والحدودية!