لا تزال ظاهرة الأسواق "الأسبوعية" التي يشهدها عدد من البلدات والقرى الجنوبية تدمغ الدورة الاقتصادية بطابعين، أحدهما تجاري والآخر تراثي.
وإذا كانت هذه الأسواق قد شكّلت، لمئات السنين في بعض القرى، مفصلاً تجارياً، ليس في حياة السكان المحليين فحسب، بل امتدت تفاعلاتها الى شمال فلسطين وحوران والجولان في سوريا، وصولاً الى بلاد ما بين الرافدين، فإنها باتت اليوم تقليداً لم تستطع متغيرات الحياة الحدّ منه.
فما زلت ترى بلدات، كالعباسية مثلاً في قضاء صور، مسرحاً لأحداث سوق "الجمعة". كما لا تزال تجد صعوبة بالغة في اجتياز طريق قانا الرئيسية يوم الأحد، بسبب كثرة عارضي بضائعهم وكثرة الوافدين من أبناء المحيط للتسوّق، يشدهم الى ذلك إما "شعبية" السلع نفسها، أو تدنّي الأسعار أو منشأ السلعة التي تبدأ بالزبيب والتين اليابس وتنتهي بالثياب.
أما أهم هذه الأسواق وأكثرها سبراً في أغوار التاريخ، فهو سوق "الخميس" في بلدة بنت جبيل، حسبما يقول ابنها استاذ مادة التاريخ في الجامعة اللبنانية، مصطفى بزي، مضيفاً "ليس هناك من تاريخ معيّن لهذا "السوق"، ولكنه قديم جداً، ولا يقل عمره عن ستة قرون، مذ كان "آل الصغير" حكاماً للمنطقة".
وقال "صحيح أن المتصرف رستم باشا أصدر قراراً رسمياً "شرعَنَ" فيه الأسواق الأسبوعية في المناطق اللبنانية، ولكن الصحيح أيضاً ان هذا القرار جاء ليعطي الصفة القانونية لما هو قائم، ومن بينه سوق "الخميس" في البلدة".
وأضاف "ان ما جعل هذا "السوق" يبزّ امثاله في مختلف النواحي، هو موقعه الجغرافي، حيث لا يبعد سوى خمسة كيلومترات من الحدود الفلسطينية، كما أنه ليس بعيداً عن الجولان السوري، ما جعله مركزاً تجارياً يقصده أبناء هذه المناطق، خصوصاً من الجليل والجولان.
وكان الفسلطينيون، قبل النكبة، يرفدون السوق ببضائع متنوعة، مثل السكر والشاي والقهوة والصابون والخضر والفاكهة، يستبدلونها أو يشترون بأثمانها بضائع لبنانية لا سيما البيض والدجاج والدخان، أو يستبدلون بها بضائع مستوردة من بلاد الشام مثل "العقال والكوفية والحبال".
ويذكر بزي "ان أهم أنواع التجارة التي لاقت رواجاً آنذاك، المواشي والحبوب التي كانت تستورد من حوران الى بنت جبيل كما الى مناطق أخرى، حيث كانت تعرض للبيع هناك. وما يباع يباع، أما ما لم يتم بيعه فكان يشتريه تجار من بلدة يارون ويصدّرونه الى فلسطين".
وعن وضع السوق اليوم، يشير الى أنه "يمتد على مسافة تراوح بين عشرين وثلاثين دونماً ويشغل المسافة الممتدة من قرب مدرسة البراك غرباً، الى حي "النبيه" شرقاً، مروراً بمنطقة السرايا"، لافتاً الى تأثر السوق سلباً، أولاً بنكبة "فلسطين" إذ فقد منطقة استهلاكية وتوريدية، كما بفترة الاحتلال الصهيوني التي امتدت أكثر من عشرين عاماً، ودفعت الأهالي في أغلبيتهم الى مغادرة المنطقة.
وتجهد البلدية لإعادة بعث الحياة الى السوق من جديد وذلك كونه جزءاً من تراثها وتاريخها، وهي عملت حتى الآن، لتوسعة مداخله وتنظيم حركة السير فيه، والحركة التجارية أيضاً، إضافة الى إصدارها النشرات الإرشادية والتوجيهية، مترافقة مع سلسلة نشاطات تقوم بها مع لجنة التجار في المدينة، لا سيما من خلال إطلاق شهر التسوّق الموسمي الذي لا يأتي على حساب "السوق" الأسبوعي بل انه تتمة لفاعلياته.