 |
فجع لبنان في يوم عيد الميلاد، بكارثة تحطم طائرة ركاب خاصة يملكها لبنانيون، عصر امس الاول، بعد إقلاعها بثوان من مطار جمهورية بنين في غرب افريقيا، وتقل نحو 160 راكبا بينهم 130 لبنانيا على الاقل وفلسطينيون وسوريون وأفارقة. وتضاربت المعلومات التفصيلية عن عدد القتلى من اللبنانيين نتيجة غرق عدد منهم في البحر وتعذر انتشال جميع الجثث، فيما تواصلت على مدى اربع وعشرين ساعة وأكثر محاولات الانقاذ وسحب الضحايا من الحطام، بحضور وفد رسمي لبناني رفيع المستوى تقدمه الوزيران جان عبيد ونجيب ميقاتي، كما أسهم فريق إنقاذ بحري من مغاوير البحر في الجيش اللبناني في سحب جثث الضحايا، وفريق طبي لبناني في تقديم الاسعافات الطبية للجرحى الذين تم انتشالهم.
وأعلن وزير خارجية بنين روغاسيان بياو مساء امس، ان حصيلة الكارثة وصلت الى 133 قتيلا و22 ناجيا. وأوضح الوزير في مؤتمر صحافي ان الطائرة كانت تقل 161 شخصا من بينهم أفراد طاقمها العشرة. وتم تقديم الاسعافات ل24 ناجيا الا ان “اثنين منهم توفيا متأثرين بجروحهما”. ومن بين الناجين ال22 الباقين 16 لبنانيا.
وأوضح ان الجرحى القادرين على تحمّل السفر سيغادرون خلال ساعات (يفترض ان تصل الطائرة الى بيروت قرابة الخامسة من فجر اليوم).
وعلم انه نتيجة الاتصالات التي أجراها رئيس الحكومة رفيق الحريري مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، تقرر ان تقوم طائرات عسكرية فرنسية بنقل جثث الضحايا الى بيروت.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر ملاحي جوي في بنين، بعد ظهر امس، انه تم العثور على الصندوقين الأسودين لطائرة البوينغ التي تحطمت، وقوله ان ذلك “يسمح بمعرفة أسباب الحادث بسرعة، وان فتح تحقيق هو امر تلقائي في مثل هذه الحالة”. وأضاف المصدر للوكالة انه “لم يعلن رسميا بعد عن التحقيق، لكن يتوقع تعيين لجنة من الخبراء سريعا، مع الاشارة الى ان ثمة أمرا مؤكدا وهو انه كان هناك مشكلة وزن، لأن الطائرة لم تستطع الاقلاع من المطار فاصطدمت عجلاتها الخلفية بمبنى واقع عند طرف المدرج”.
والطائرة التي تحطمت هي من طراز “بوينغ 727” تسيرها شركة خاصة تدعى “يونايتد ترانسفير ايرلاينز” (يوتا) يملكها صاحب شركة سفر لبنانية يدعى عيد الجشي ويشاركه احد المغتربين الجنوبيين درويش خازم المعروف باسم سفير الوادي، لكنها مسجلة في غينيا وليس في لبنان. وصرح شقيق قنصل لبنان في بنين انطوان شاغوري بأن اتحاد النقل الافريقي يسير منذ حوالى شهرين رحلة أسبوعية بين كوتونو وبيروت تتوقف في عدد من المحطات الاخرى بين افريقيا ودبي لنقل اللبنانيين بصورة خاصة وركاب من جنسيات اخرى بين هذه الدول.
وقال الوزير ميقاتي بعد تفقده مكان الحادث “ان هناك 19 ناجيا هم 16 لبنانيا ومواطن سوري وآخر فلسطيني ومساعد قائد الطائرة الذي يحمل الجنسية الغينية”.
وقال مصدر حكومي في بنين: ان الطائرة التابعة لاتحاد النقل الافريقي الذي يملكه لبنانيون كانت تقل 156 راكبا وأفراد طاقمها السبعة. وقد سقطت خلال محاولتها الاقلاع من مطار كوتونو بعد تأخير طفيف في موعد رحلتها. وأوضح مسؤول في الطيران طلب عدم الكشف عن هويته ان مشاكل تقنية أخرت إقلاع الرحلة التي وصلت من العاصمة الغينية كوناكري وتوقفت في مطار العاصمة الليبيرية فريتاون قبل ان يصعد على متنها 71 راكبا في مطار كوتونو. وتحدث مسؤول كبير في إدارة الطيران عن زيادة مفرطة في حمولة الطائرة وخلل في توازنها.
وذكر شهود عيان ان الطائرة فقدت توازنها بعيد اقلاعها واصطدمت بمبان ثم انفجرت وسقطت في البحر قرب الشاطئ، لكن بقي القسم الأمامي منها في المياه وفيه العدد الاكبر من الركاب، فيما قذف الموج عددا من الجثث الى الشاطئ وجرى سحبها. أما الناجون فقد سقطوا في المياه قبل انفجار الطائرة وسبحوا الى الشاطئ، أو سحبهم الاهالي الذين هرعوا الى المكان فور حدوث الكارثة.
وهرع صيادون ومواطنون كانوا يحتفلون بيوم الميلاد على شاطئ البحر الى المياه لإنقاذ اوائل الناجين. وواجهت فرق الانقاذ صعوبات كبيرة في الوصول بسيارات الاسعاف الى الشاطئ بسبب كثافة الرمال، لكنها واصلت جهودها للعثور على ناجين محتملين طيلة ليل الخميس الجمعة. وقال احد عمال الانقاذ “نحاول الوصول الى الباقين لكن الامر بالغ الصعوبة”. وبهذا الحادث ارتفع عدد القتلى في حوادث الطيران الى 500 شخص خلال العام الجاري في أفريقيا حيث تعاني شركات الطيران من نقص في التمويل اللازم لتأمين صيانة لطائراتها.
ونفى مدير الشركة التي تملك الطائرة درويش خازم الذي نجا وهو كان في مقدمة الطائرة ان تكون الطائرة تحمل اكثر من حمولتها المعتادة عندما تحطمت، وانه فقد زوجته وابنه.
وأفاد شقيق قنصل لبنان في بنين انطوان شاغوري انه “فور وقوع حادث الطائرة التي كانت تحمل حوالى 140 شخصا، بينهم 130 لبنانيا توجه رئيس جمهورية بنين ماسيو كاراكو، ورئيس مجلس النواب ايتجي كولاوولا، ووزراء الداخلية والدفاع والصحة وكبار القادة الامنيين وتفقدوا مكان سقوط الطائرة، ووضعوا كل أجهزة الدولة من دفاع مدني وإطفاء وصحة ورجال إنقاذ، للقيام بعمليات انتشال الضحايا ومعالجة الجرحى”. وأشاد شاغوري برئيس دولة بنين الذي أشرف بنفسه على عمليات الانقاذ، وتفقده للجرحى والمصابين، حيث ابدى أسفه للحادث. كما شكر شعب بنين الذي هب للوقوف مع اللبنانيين في محنتهم. وأشار الى وجود اكثر من 2500 مغترب لبناني هناك.
التحرك الرسمي
وكان وزير الإعلام ميشال سماحة اول الرسميين الذين علموا بنبأ سقوط الطائرة من وكالة الصحافة الفرنسية، فاتصل بالوزير عبيد الذي أجرى بدوره اتصالات مع الرئيسين لحود والحريري، وتقرر نتيجة الاتصالات الرسمية، التي شملت ايضا الوزير ميقاتي ورئيس مجلس إدارة شركة الميدل ايست محمد الحوت، إيفاد بعثة رسمية الى بنين للوقوف على طبيعة الكارثة وتقديم العون للمنكوبين. وفي ساعة متأخرة من ليل امس الاول، غادر الوزيران عبيد وميقاتي والمدير العام للمغتربين هيثم جمعة، والمستشار في وزارة الخارجية يوسف صدقة، وقنصل لبنان الفخري في بنين اسعد شاغوري.. والشيخ علي دعموش ممثلا الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ووفد طبي مؤلف من 8 أطباء، بينهم النائب الدكتور غطاس خوري وهو جراح، ووفد إعلامي والمهندس الفني الخبير في سلامة الطيران المدني حاتم ذبيان، اضافة الى خمسة موظفين من الميدل ايست. كما اوفدت حركة “امل” فريقا طبيا مع ثلاثة جراحين على متن الطائرة نفسها. كما غادرت مفرزة من فوج مغاوير البحر بإمرة قائد الفوج العقيد جورج شريم للمساعدة في إنقاذ الغرقى وسحب الجثث من البحر.

يضعون الضحايا في توابيت قبل نقلها الى بيروت |
في بيروت
كما استنفر المسؤولون في لبنان وعلى رأسهم الرئيس لحود كل الاجهزة المعنية لاتخاذ التدابير الآيلة الى تسريع عملية إغاثة الجرحى ونقلهم الى مستشفيات بيروت والعمل على تأمين وصول جثامين الضحايا الى ذويهم في مختلف المناطق اللبنانية.
واستقبل رئيس الجمهورية صباحا، رئيس الحكومة رفيق الحريري في قصر بعبدا وعرض معه الاوضاع العامة في البلاد في ضوء التطورات الراهنة. وتطرق البحث الى الإجراءات التي اتخذت لمواجهة المأساة التي وقعت نتيجة مقتل عدد من اللبنانيين في حادثة سقوط الطائرة في مطار كوتونو عاصمة جمهورية بنين، وذلك في ضوء التقارير التي وردت الى الجهات اللبنانية الرسمية المعنية.
وأعرب رئيس الجمهورية عن ألمه العميق للمأساة التي حلت نتيجة سقوط الطائرة في مطار كوتونو، مقدما التعازي الحارة باسمه وباسم الشعب اللبناني الى عائلات الضحايا، ومتمنيا للجرحى الشفاء العاجل. واعتبر “ان الجرح الذي أصاب العائلات المفجوعة بضحاياها، هو جرح جميع اللبنانيين الذين يشاركون أهل الضحايا حزنهم على الارواح الغالية التي قضت في حادث تحطم الطائرة”. وقال: “ان قدر اهلنا في عدد من دول الاغتراب ان يواجهوا، فيما هم يسعون جاهدين لكسب لقمة عيشهم، صعوبات الحياة ومرارة الاغتراب، وكأن ذلك كله ليس بكاف حتى تأتي مآس لتضاف الى معاناتهم. إلا أن إرادة الصمود تبقى اقوى، وتصميم اللبنانيين على الاستمرار في الكفاح يزداد صلابة، ما يؤكد مرة جديدة ان الشعب اللبناني جدير بالحياة الحرة والكرامة”.
وكان الرئيس لحود تلقى منذ فجر امس الاول، تقارير حول تطور عملية انتشال ضحايا الطائرة والاسعافات التي قدمت الى الجرحى، وعمل افراد البعثة اللبنانية التي وصلت الى كوتونو قبل ظهر امس، ولا سيما عمل الفريق الطبي الذي باشر اسعاف المصابين في المستشفى الحكومي في كوتونو والمراكز الاستشفائية الاخرى، وكذلك عمل الغطاسين التابعين لفوج مغاوير البحر في الجيش اللبناني الذين عملوا على انتشال الجثث.
وتلقى الرئيس لحود برقية تعزية وتضامن من رئيس جمهورية بنين ماتيو كيريكو. كذلك تلقى الرئيس لحود سلسلة برقيات تعزية بضحايا الطائرة المنكوبة من الرئيس السوري بشار الأسد، الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الملك الاردني عبد الله الثاني بن الحسين، الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ،الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الرئيس الصيني هو جينتاو، والرئيس السلوفاكي رودولف شوستر، والرئيس اليمني علي عبدالله صالح.
على صعيد آخر، كلف رئيس الجمهورية وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور أسعد دياب تمثيله في مجلس العزاء الذي يقيمه المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى على أرواح ضحايا الطائرة المنكوبة بين الساعة العاشرة والثانية عشرة من قبل ظهر اليوم السبت في مقر المجلس.
كما تابع رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالاته المكثفة من اجل الوقوف على آخر التفاصيل المتعلقة بفاجعة الطائرة في بنين. وكان الرئيس بري اجرى فور حصول الفاجعة امس الاول، اتصالات بوزارة الخارجية والمغتربين وبالمسؤولين في الجاليات اللبنانية في افريقيا ورئيس الجالية في كوتونو الحاج علي الدر. وتقدم الرئيس بري باسمه وباسم مجلس النواب بالشكر لرئيس جمهورية بنين الذي تفقد المصابين وأشرف على عمليات الاغاثة.
وتلقى رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي جاك شيراك وهو الثاني في غضون 24 ساعة، أبلغه فيه أنه أعطى تعليماته للمسؤولين الفرنسيين من اجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل جثامين الضحايا اللبنانيين على متن طائرات عسكرية فرنسية بالسرعة القصوى، وقد شكره الرئيس الحريري على ذلك.
وطلب وزير الصحة العامة سليمان فرنجية من المستشفيات الخاصة والحكومية استقبال جميع الجرحى والمصابين من جراء حادث تحطم الطائرة يوم امس، وذلك عل نفقة وزارة الصحة العامة.
وكان قد حضر الى مطار بيروت الدولي لمتابعة المعلومات المتوافرة عن الحادثة كل من وزير الزراعة علي حسن خليل، والنواب: علي بزي، قاسم هاشم، وعبد الله قصير، ومدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية والمغتربين السفير ناجي ابي عاصي، ورئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الاوسط محمد الحوت.