كانت عائلاتهم بالانتظار كان الآباء والامهات والابناء يعدون اللحظات كي تمر سريعاً ليصل الاحبة من موطن القارة السمراء الى وطن الوجع الدائم·· طال الانتظار وطالت هذه الرحلة التي سرعان ما تحولت الى تراجيديا حقيقية وحكاية مرة من حكايات الاغتراب اللبناني الذي وبسرعة رهيبة، سرعة طائرات الموت يتحول الى نقمة والى حزن عميق لا تمحوه السنوات ولا الايام·
تلك كانت حال الرحلة الجوية من كوتونو الى بيروت والتي ما ان تناقلتها شاشات التلفزة كخبر عاجل حتى كان الواقع دامياً في نفوس الاهل المنتظرين الذين تمسكوا بأي خيط أمل يوصلهم الى نور الحقيقة التي ظلت ضائعة على شاطئ المحيط الاطلسي· وظل بعيداً عنها شاطئ الامان···
كارثة حقيقية·· كارثة انسانية وكارثة للاغتراب اللبناني الذي أصيب في الصميم في فصل من اكثر الفصول مأساوية، وتحول العيد الى مأتم جماعي تغيرت ألوان المناسبة والاحمر الوردي استحال دماء، وبياض حامل الهدايا تحول الى سواد في القلب واللباس، لم تصل الهدايا ولن تصل·
هؤلاء الذين أرادوا ان يقضوا مناسبة العيد في وطنهم ليعبروا عن اسرار شوقهم وحنينهم الى وطنهم الى الارض تحولوا الى سر ذاب في تلك المياه البعيدة وهذه الشواطئ الغريبة·
فبالإضافة الى عمق الخسارة الرهيبة التي أصابت عشرات العائلات، وخلفت حزناً على اتساع الوطن تبقى أسئلة كثيرة عن رعاية هذا المغترب، عن سلامته، عن المستقبل···
الوطن عموماً والجنوب خصوصاً يشهدان ايام العام 2003 فواجع تقض أهله وعياله، حيث كان لـ "اللواء" جولة في بعض القرى الجنوبية ومنها بلدة الخرايب التي شاركتها (اللواء) حزنها وقدمت تعازيها·
ينتابك المشهد المحزن وتأخذك الرهبة ابتداءً من مدخل البلدة مروراً بشوارعها التي كانت مفعمة بالحب والعطاء والتجدد حيث استبدلت بالوشاح الاسود أسطح منازلها تبدلت مناظرها، مساجدها، نواديها الحسينية لفّها السواد وغلب عليها طابع الحزن والاسى·
أهالي بلدة الخرايب ومنذ شيوع الخبر لم يستكينوا، لم يناموا، لم يعرفوا طعم الراحة، فمنذ صباح أمس تجمع الاهالي امام النادي الحسيني يعدون لاستقبال ضحاياهم التسعة الذين كانوا بانتظارهم يحملون الهدايا لعوائلهم، الا انهم سيبقون في انتظارهم ليدفنوا في تراب الوطن·وخلال جولتنا في البلدة التقينا زوجة الضحية محمد علي سبيتي التي احتضنت ولديها حسن وحسين، حيث لم تتمكن من الكلام بفعل هول الصدمة ورددت عبارات تستجدي فيها الله وتتمنى ولو ان ابنها عائد اليها حي·فيما اكتفت والدة الضحية هبة عباس الدر بإطلاق عبارات (ابنتي لا تزال في ريعان شبابها)·
اما عائلة الضحية محمد علي الدر فقد سيطر عليها الحزن الشديد وبدت وكأنها في انتظار محمد الذي سيعود ويملأ المنزل غبطة وسروراً·
مشاهد لا يمكن ان تنسى، ستبقى محفورة في القلب مآسي الاغتراب التي أصابت اللبنانيين لا يمكن ان تنسى فمن مأساة كنشاسا واليوم كوتونو وغيرها··
وأشار رئيس بلدية الخرايب الحاج هاشم عكوش الى ان الاغتراب في البلدة الى كوتونو بدأ في التسعينيات وهناك ما بين 400 و500 شخص في كوتونو وأوضاعهم المادية جيدة الامر الذي ادى الى انعاش البلدة وإنعاش عائلاتهم، مؤكداً ان ما حدث بالمفجع والمصاب الاليم لم يصب عوائل الضحايا بل حل على كل البلدة·وقال: ان البلدة بحالة حزن، حيث الاتصالات لم تهدأ منذ شيوع الخبر وكانت الاتصالات برئيس مجلس النواب نبيه بري، وعدد من الوزراء، والنائب بهية الحريري، ومع رئيس الجالية علي الدر والذي كانت من خلاله تتم عملية الاتصال، آملاً ان تصل جثامين الضحايا اليوم·
وعدد عكوش ضحايا البلدة، محمد احمد محمود، علي حسن الدر، محمد علي الدر، هبة عباس الدر، حسين علي أخضر، مصطفى محمد أخضر، أحمد حسن قشاقش وناصر القاضي من الجنسية الفلسطينية متزوج من بلدة الخرايب ومقيم فيها، ومحمد علي سبيتي·
ولم يكن واقع الحال بأفضل في بلدة حاريص قضاء بنت جبيل والتي فجعت بضحيتين من أبناء البلدة وهم علي العلي ونايف الفقيه، حيث كانت الصدمة مؤثرة على البلدة بشكل عام، لبث ثوب الحداد وعلت اصوات المآذن والنوادي الحسينية·
كما فجعت بلدة مارون الراس بنجل النائب السابق حسن علوية (لقمان علوية 30 سنة)·
اما بلدة كفرا فقد اطمأنت الى صحة ابنها محمد علي بشير 40 سنة والذي أصيب بكسر في رجله وبرضوض·
ولم تكن مدينة بنت جبيل بمنأى عن الفاجعة فقد فقدت اثنين من أبنائها: هيثم بوجي الذي كان آتياً بغية حضور أسبوع احد أقاربه وأحمد شرارة·
ولم يتغير المشهد كثيراً في الزرارية حيث فجعت بأحد أبنائها الدكتور محمد علي مروة، وهو اخصائي أطفال. وقد اتشحت البلدة بالسواد فيما كان أطفاله الثلاثة امام المنزل مذهولين من هول الصدمة فيما كانت زوجته والاقارب يتقبلون التعازي في المنزل. وكان الدكتور مروة في طريقه الى بلدته الزرارية لقضاء فترة الاعياد بين عائلته والاهل·