حناويه
تبكي شيخها وطفلها و”شمسها”

السفير (السبت، 27 كانون أول «ديسمبر» 2003)

ثناء عطوي


الشيخ علي خاتون

     تحوّل ليل بلدة حناوية في قضاء صور إلى نهار قاتم وحزين لم يعرف خلاله الأهالي النوم ساعة واحدة، معظمهم تسمّروا أمام شاشات التلفزة الوسيلة الوحيدة التي تصلهم بعالم كوتونو وما يجري فيها، وإن كانت المعلومات مكرورة لا تحمل من الجديد إلا القليل الذي لا يطمئن القلوب المشتعلة نارا على الأحبة والغيّاب، وسط عجز فعلي عن التواصل مع المدينة التي وقعت فيها الكارثة نظرا لكونها محطة الكثيرين من الضحايا القادمين من سيراليون باتجاه بيروت، وليست مقر عيشهم أو عملهم أو دائرة علاقاتهم. 

لذلك كان من الصعب معرفة تفاصيل الكارثة وأوضاع الضحايا وحالاتهم ومَن مات منهم ومَن بقي على قيد الحياة، وظل الأهل والأقارب حائرين يبكون أبناءهم تارة ويستعيدون أملهم الضعيف تارة أخرى. 

أول نبأ وصل إلى حناوية كان وفاة إمام البلدة الشيخ علي خاتون، الذي توجه قبل ثلاثة أسابيع إلى سيراليون لعقد صلحة بين عائلات من البلدة كانت قد دبّت الخلافات فيما بينها، وقد أنجز مهمته على أكمل وجه كما يقول الأهالي لأنه رجل إصلاح وخير يحترمه الجميع ويمتثلون لكلامه.

ويقول إبن عمه الشيخ شوقي خاتون الذي يتولى الترتيبات كلها إن العائلة عاشت على أعصابها حتى منتصف الليل من دون أي خبر عن الشيخ باستثناء ما علمناه منه شخصيا عندما هاتفنا في اليوم الذي سبق الكارثة وأعلمنا أنه عائد إلى بيروت على متن الطائرة المذكورة. وأضاف: تمكنا ليلا من معرفة الخبر اليقين بواسطة اتصالات أجراها”تلفزيون المنار” مع أحد المقيمين في كوتونو، وتأكد لنا أن جثة الشيخ كانت موجودة على الأرض وقد قُتل على الفور لأنه كان يجلس في مقدمة الطائرة، أي القسم الذي ارتطم مباشرة بالأرض، مشيراً إلى أن أحدا من المسؤولين اللبنانيين لم يتصل بالعائلة. إلا أنهم تلقوا فور شيوع النبأ اتصالاً من أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصر الله لتعزيتنا بالشيخ الفقيد. 

ولد الشيخ خاتون عام 1961 في حناوية، قضاء صور. بدأ دراسته الدينية عام 1976، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف عام 1977 وتتلمذ فيها على يد السيد عباس الموسوي. وعام 1978 اضطر العودة نتيجة إرهاب صدام حسين، وأكمل دراسته الدينية في حوزة بعلبك وأصبح استاذاً فيها. عام 1982، أصبح اماماً لبلدة البزالية لغاية 1987 وتسلّم خلال هذه الفترة مسؤوليات في صفوف “حزب الله”. بعدها انتقل الى حناويه اماماً ومارس التدريس في الحوزة العلمية في صور، كما شغل منصب عضو مكتب الوكيل الشرعي للامام الخامئني في صور منذ تأسيسه.


محمد سلمان مع شقيقته

     الشيخ خاتون لم يكن وحده كما يؤكد أقرباؤه، بل برفقة الفتى محمد سلمان إبن العشرة أعوام، الذي أصرّ أن يعود من سيراليون برفقة الشيخ خاتون وليس مع والده الذي سبقه قبل ثلاثة أيام إلى لبنان. ويقول الأب المفجوع إن إبنه توسّله لكي يبقى بصحبة الشيخ “فهو يحبه كثيراً تأثر به خلال إقامته عندنا طيلة فترة سفره، وقد بدأ محمد يصلي وظل ملازما الشيخ الذي أحبه بدوره وكأنه إبنه فكان نصيبه أن يقضي معه”.

جدة محمد التي ربته منذ أن انفصل والده عن والدته كانت تندبه بحرقة رافضة عزاء أحد مؤكدة أنه لم يمت وسيعثر عليه حياً، وقالت لقد أكد لنا نبيل هاشم الذي جرح في الحادثة أنه ركض نحو محمد وفك له حزام الأمان، لكنه لم يره بعد ذلك فلعله سقط وسبح كغيره وهو المتفوق في السباحة كعادته. وأضافت الجدة أن حفيدها انتقل قبل ثلاثة أشهر إلى أفريقيا ليلتحق بالمدرسة نظرا لظروف والده المهنية، لكن يا ليته ظل في مدرسته الليسيه في البلدة التي تميز فيها وكان من الأوائل لكان الآن بيننا، ربّيته منذ طفولته حضنته واهتممت به ليكبر وأراه شابا، لقد أحس بالغربة ودائما كان يتصل بنا ويعبر عن شوقه لنا ورفاقه وكنت أحاول أن أخفف عنه بالكلام عن عطلة الصيف والفرص السنوية الأخرى التي سنراه فيها ونشبع منه. 


شمس الدين شمس الدين

     أهل شمس الدين شمس الدين (34 عاما) كانوا لا يزالون ينتظرون أي خبر إلا وفاة ولدهم، الذي سافر إلى سيراليون قبل خمس سنوات للعمل وإعالة العائلة، أبو سامي والده كان يجهش بالبكاء كلما تحدث عنه لا ينفك يسأل عن آخر الأخبار رافعا يديه كل لحظة نحو السماء ليرأف الله بولده، الأم أكدت أن شمس الدين اتصل بها قبيل موعد سفره بساعتين مؤكدا لها أنه سينزل فقط في مطار بيروت لساعتين ثم يتجه إلى دبي لإنجاز عمله في قطاع الإتصالات. وقالت: طلبت منه فقط أن يطمئنني عنه عندما يصل وهو أكد لي أنه سيفعل إلا أنني لم أسمع صوته مرة ثانية بعد سقوط طائرته، وقد حاولنا الاتصال بكل من نعرفهم هناك من أقارب وغيره والكل أكد أنه ليس من بين المفقودين ولا من بين الجثث وها نحن ننتظر خبراً يفرح قلبنا ويجعل عيوننا تغمض لساعة. 
 

صور

     مدينة صور التي نجا ثلاثة من أبنائها فقدت رابعاً في ربيع العمر هو مهدي هاشم (18 عاما) وكان قد قصد سيراليون قبل سنة واحدة للعمل مع أبيه وشقيقه، يقول خاله الدكتور طلال بزي: “أخبرنا مهدي ليلا أنه سيعود ليمضي الأعياد معنا وكنا ننتظره لكننا صدمنا بنبأ وقوع الطائرة، وما أربكنا أكثر غياب أي معلومات عنه لنعرف مصيره ونرتاح علماً أننا لم نترك اتصالا إلا وأجريناه من دون فائدة، فلا هو جريح ولا أثر لجثته”. 

وإذ حمل بزي على الدولة ،التي تسمح لهكذا نوع من الطائرات بالتوجه إلى مطار بيروت وهي طائرات مخصصة لتهريب الأموال لا تفتش ولا تجرى لها أي صيانة، اعتبر شقيقه الدكتور مالك أن المسؤولين هم الذين يتحملون مسؤولية أرواح الضحايا فكل همهم مصالحم وابناؤهم الذين سينامون في أحضانهم فيما لن ينام أبناؤنا في بيوتهم لأنه كتب عليهم العمل والهجرة من بلد لم يعد يتسع لأهله، معتبرا أن اللبناني مستهدَف من دولته أولا التي تقتله بأكثر من وسيلة، ومنتقدا المعنيين الذين لم يقدموا لنا شربة ماء ونحن نجلس في المطار لساعات ننتظر خبرا طيلة الليل داعيا إلى تعزيز وزارة المغتربين لأن اللبنانيين سينتشرون ويهاجرون أكثر وأكثر في ظل غياب فرص العمل والحياة والعيش في هذا البلد، ووسط عدم وجود أي قيمة واحترام للإنسان في لبنان. 

 
ملف خــاص: "كارثة طائرة بنين - كيف ولماذا ومن المسؤول؟؟؟"

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic