
منزل محمد الدر
في الخرايب |
كانت الخرايب جاهزة لاستقبال أبنائها المغتربين في القارة السوداء. ومنت النفس باستقبال فرح يليق بالعائدين ومكانتهم كونهم المعيل الذي يعمل ويكد ويكابد هموم الغربة وقساوتها ومرارتها لينعش بيوتا بكاملها، لا بل عائلات بأجمعها وبينهم الحبيب والاب أو الابن والشقيق والاخت والزوج. كانوا عائدين لتمضية عطلة الاعياد بين الاهل والاحبة، وبينهم من كانت عروسه بانتظاره وآخر خطيبته اشترت أحلى ما في الاسواق لاستقبال الحبيب العائد. لكن الفرحة تحولت الى مأتم جماعي لا أحد كان على موعد معه، ثياب حداد ورايات سوداء. ولا صوت الا النحيب والبكاء والصراخ النابع من قلب أم ملهوفة وزوجة مشتاقة وحبيبة كانت على موعد اللقاء وابنة تنتظر الوالد العائد لتحضنه بحرارة.
نزل الأهالي إلى الشوارع، تجمعوا وراحوا يواسون بعضهم بعضا ويخففون عن الاقرب هول المصيبة. واقفلت المحال وتنادى الاهالي الى النادي الحسيني، لا أحد منهم يصدق ما يسمع أو ما تناقلته وسائل الاعلام. الصدمة أذهلت الجميع. الجميع ظن أن احد اقربائه من بين الضحايا، خاصة انه يوجد نحو 300 شخص من الخرايب في كوتونو فانهالت الاتصالات مع الخارج للتأكد مما حصل ومن الاسماء، وشاعت في البلدة اخبار تفيد ان عدد الضحايا من الخرايب يفوق هذا العدد بمرتين وأكثر، الى ان حملت الاخبار النبأ اليقين، في حين اكد آخرون من الخرايب ان نحو 20 شخصا اضافيا من البلدة كانوا ينوون ايضا المجيء على متن الطائرة المنكوبة نفسها، الا انهم اجلوا سفرهم في آخر لحظة.
والضحايا من الخرايب هم محمد حمود "ابوعلي" (41 سنة) ومحمد علي الدر (27 سنة) ومصطفى محمد حسين اديب اخضر (27 سنة) وهبة عباس الدر (22 سنة) وعلي حسن الدر (22 سنة) وناصر القاضي (40 سنة) واحمد قشاقش (30 سنة) وحسين اخضر (40 سنة) ومحمد علي سبيتي (40 سنة) .
ويروي عباس شقيق المتوفى محمد علي الدر أن شقيقه أمضى 5 سنوات دفعة واحدة في كوتونو ويعمل في تجارة السيارات مع اشقائه. وعاد قبل سنة حيث امضى شهرين ونحن جهزنا له اعفاء من خدمة العلم كي نسلمه إياه على المطار. وقد تحدثت معه قبل يومين وابلغني موعد هبوط الطائرة في بيروت فأحضرت سيارته من الكاراج ورحت أغسلها ليجدها نظيفة وخرجت فيها ليلة امس الى البلدة. لاحظت الناس متجمعة ورحت أسال عن السبب وعلمت بعد ذلك بالخبر وسارعت الى الاتصال بألمانيا حيث يوجد لي شقيق آخر هناك، وكان وصله الخبر ورحنا نتصل بشقيقي حسن الذي ما زال موجود في كوتونو فابلغنا
"ان محمد الله يرحمه وانا انتشلت جثته من البحر بعد ان ودعته قبل دقائق". وكان يجهش من البكاء، وقال لنا:
"خففوا عن الوالدة المصاب وكان الله في عوننا". وأضاف:
"رحمه الله كان يود البقاء لاكثر من ثلاثة أشهر لانه كان ينوي ان يخطب، انظروا هنا كان سيسكن معنا محمد هذا بيته لقد جهزناه له وكنت ارسل له صوره باستمرار".
أما والد محمد فراح يبكي بصمت وراح يندبه ويقول
"أنا كنت انتظره لأزوجه وها انا انتظره لأكفنه، وبدل أن أزفه ها انا انعيه". اما والدته الثكلى:
"الله يرحم الشباب، قضى حياته بالغربة يا ولدي، يا أمي، يا حبيبي بكير عليك، ناطرتك لأضمك الى صدري يا ولدي لأحضنك وبوسك يا محمد يا عمري، وينك يا روحي ويا عمري".

هبة الدر |
أما هبة الصبية، ابنة ال22 ربيعا، فتحول مأتمها الى عرس وراح اهلها وشقيقاتها يحملن صورها ويندبن بين المعزيات
"العروس" ويعددن صفاتها وهي "الحلوة المتعلمة الذكية يا حسرتي عليك ياهبة يا اختي يا حنونة". هبة كانت تزور اشقاءها في كوتونو لتمضي معهم عيد الفطر، وكانت تريد ان تعود الى لبنان قبل اسبوعين الا انها أخرت العودة وكان هذا المصير.
في منزل محمد سبيتي امرأة تندب وتصب اللعنة تلو اللعنة على قائد الطائرة
"اللي ما عرف يطلع فيها". اما والدته فكان يغمى عليها باستمرار، وما ان تفيق حتى يغمى عليها مجددا. كانت دائمة البكاء والنحيب بصوت الام التي بلغت من العمر ما يفوق ال75 سنة، في حين كانت زوجة محمد تبكي في ركن من صالون الدار وتقول:
"انا مين ناطرة، ولادك مين ناطرين... لن نراك ابدا يا عشير عمري لا انا ولا اولادك". وكانت احيانا تبكي واحيانا اخرى تذهب في حالة من الصفنة وتفرك يدا بيد كمن يقبض على الجمر.
ونصحنا كثيرون من الاهالي ان لا نقترب من دارة آل حمود، حيث الفقيد محمد حمود ابو علي (صاحب مصرف) وقالوا لنا الفاجعة كبيرة وعائلته غير مصدقة الصدمة خاصة ان بعض الاخبار اعتبرته في عداد المفقودين وما زال افراد عائلته يأملون ان يكون مفقودا ومتمسكين بهذا الامل الى ان يثبت العكس.
الزرارية

الدكتور علي
مروة |
وكان لبلدة الزرارية أيضا "نصيبها" من هذه الكارثة الفاجعة بفقدان ابنها الدكتور علي حمود مروة (مواليد 1952)، الذي يعمل في كوتونو كصاحب مستشفى. وهو طبيب صحة عامة واخصائي اطفال، ومتزوج ولديه ثلاثة اولاد فاطمة (12 سنة) ومحمد (9 سنوات) وحسن (4 سنوات).
يقول شقيقه: "الدكتور كان يتصل بنا يوميا ليعلمنا عن موعد عودته وكان يتصل بأولاده وزوجته ووالديه وهو أبلغنا انه سيحضر الى لبنان لتمضية العطلة الى جانب عائلته بعد ان مضى نحو سنة دون ان يرى عائلته. اما والده حمود مروة الذي يبلغ من العمر 80 سنة فقال:
"سمعت بالحادثة من الناس عندما كنت ذاهبا الى بيت ابني علي لاسلم عليه بعد عودته من السفر. فتجمع حولي عدد من اهالي البلدة وبينهم شيخ البلد وقالوا لي: لوين رايح يا ابوعلي ووقفوا الى جانبي واعادوني الى البيت وابلغوني بما حصل.
ورفع عدد من ابناء البلدة الرايات السوداء عند مدخل منزل والد الدكتور علي الكائن وسط ساحة البلدة. اما في منزل الراحل فكان كل شيء في مكانه واللافتة التي كتب عليها
"عيادة الدكتور علي مروة"، حيث كانت والدته تبكي وقد تجاوز عمرها ال82 سنة وتلطم على وجنتيها وتحمل منديلا ابيض وتندب ابنها وتعدد مزاياه. اما زوجة الدكتور علي فجلست تتقبل تعازي نساء البلدة والدموع لا تفارقها وقد حملت صورة لزوجها وكانت تنظر اليها باستمرار وتخاطبه بكلمة
"يا حبيبي" وصوتها يشبه الهمس وكأنها تريد ان لا يزعج جلستها هذه مع زوجها احد. وفجأة تسأل عن اولادها فاطمة وحسن ومحمد وتقول:
"الا تريدون ان تسلموا على والدكم انه عائد ولن يذهب بعد اليوم من الزرارية ابدا، ألم تسالوه عن هداياكم وماذا احضر لكم من ألعاب انتظروه انه سيأتي".
أما فاطمة وهي الابنة البكر للدكتور علي فقالت
"انها سمعت بالخبر من والدتها التي اخبرتها ومن الناس التي جاءت الى منزلنا وانا كنت ناطرة البابا وبحبه كثير وقبل يومين حكيت معه وقال لي انتظريني انا جايي عا الزرارية وجايب لك معي كل اللي طلبتيه".