نبيل يروي قصة نجاته
وغابي قصة السقوط

السفير (السبت، 27 كانون أول «ديسمبر» 2003)

ضياء حيدر


الناجي نبيل هاشم في مخيم للقوات الدولية

     نبيل هاشم، أحد الناجين. يكفي أنه كان أحد الناجين من طائرة تحطمت ليكون صوته عبر الهاتف كمن يتحدث من الغيب، من المكان الذي كان في لحظات ممتلئا بالموت والصراخ ما قبل الموت ثم لحظة سكون ووحدة. وجد نفسه وحيدا في الماء، مربوطا بكرسيه الخاص في الطائرة، هكذا مفصولة عن كل شيء، فك الحزام وسبح نحو الشاطئ قليلا. نجا. وقبل ذلك جرى كل شيء بسرعة مذهلة. 

نبيل كان في طريقه من ليبيريا (في افريقيا) إلى لبنان، لم يكن في الطائرة نفسها، بدل في كوناكري ليحجز في طائرة أخرى متجهة إلى لبنان لكن مع استراحة في كوتونو، أي حجز في الطائرة نفسها التي انفجرت. في كوتونو لم يغادر الطائرة في فترة الاستراحة. فهو يعمل أصلا في بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيريا منذ نحو ثلاثة أشهر ورحلته إلى لبنان كانت لعشرة أيام لقضاء العطلة. 

أقلعت الطائرة لكنه لا يعرف بالتمام كما يقول إن كانت ما زالت على المدرج أم ارتفعت عن الأرض، لكن فجأة، يقول، شعر بارتطام كبير ثم صراخ ودماء ولا يتذكر بالضبط كيف مرت تلك اللحظات ولا يعرف كيف اختفى من كانوا بقربه، أي ابن عمه وطفل آخر في حوالى الثانية عشرة من عمره. كل ما يعيه أنه رأى الطائرة من دون سقف ثم وجد نفسه في البحر مربوطا بكرسيه، لم يكن بقربه أحد، فك الحزام وسبح بالرغم من جروحه باتجاه الشاطئ. ووجد رجالا أفارقة يركضون باتجاهه. بعدها جاء من اللبنانيين من نقله إلى عيادات خاصة هناك، لأنها أفضل حالا من المستشفيات الحكومية المتواضعة كثيرا في تلك البلاد. 

كان نبيل في مؤخرة الطائرة، أي في المقاعد الأخيرة منها، ويعتقد أنه نجا بسبب ذلك لأنه رأى في العيادة التي نقل إليها إثنان ممن كانوا في مؤخرة الطائرة. أما ابن عمه مهدي فكان ما يزال من بين المفقودين، وهو شاب لم يبلغ العشرين بعد، كان مغادرا سيراليون حيث يعيش أبوه، إلى لبنان لقضاء فرصة في صور حيث تعيش والدته ليتجه بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث يعيش أخوته. لكنه اختفى في الطريق ما بين كل هذه الأماكن. 

لا يدري نبيل بالضبط ما الذي حصل لكن هناك من شاهد كل ذلك من مدرج المطار. إنه غابي قديح، الذي شاهد الطائرة تتناثر. 

اتصل نبيل بغابي بمجرد وصوله إلى كوتونو لعله يحظى بلقاء سريع به في المطار، لقد افترقا منذ عشر سنين تقريبا، أي من أيام الدراسة المشتركة في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت. غابي يعيش في تلك المدينة ويعرف أهلها جيدا. تمكن من دخول الطائرة ولقاء نبيل لأنه على علاقة وثيقة بالمسؤولين في المطار، كما قال لنا في اتصال هاتفي. التقيا لبعض الوقت. ونزل بعدها غابي مودعا لبنانيين آخرين يعرفهم، كانوا هم أيضا مغادرين للمدينة. كان ما يزال على طرف المدرج البسيط جدا عندما شاهد مع كثيرين آخرين من المودعين الطائرة تنفجر. يقول، كان من الواضح أن الطائرة كانت غير قادرة على الإقلاع كما تجري العادة، أي أنها لم تتمكن من الارتفاع بالقدر المطلوب عن الأرض، فارتطم دولابها بالحائط المرتفع للمطار، الحائط المخصص لفصل مدرج المطار عن المناطق الشعبية المحيطة به، ارتطم الدولاب فانفجرت الطائرة إلى قسمين، الأول تبعثر فوق البحر المجاور تماما للطائرة والآخر فوق الرمل. ولكن الناجين الأساسيين، وهذا يطابق افتراض نبيل، كانوا من ركاب مؤخرة الطائرة، هؤلاء سقطوا بمعظمهم فوق الرمل، يضاف إليهم فريق القيادة الذي لم تنله إصابات تذكر. 

انفجرت الطائرة، فاندفع المودعون من الطريق الخلفية للمطار باتجاه الركاب لينقذوا من يمكن إنقاذه من دون الكثير من الحسابات، كان أكثر المسافرين من اللبنانيين ومثلهم المودعون. ولكن كما يقول غابي، كان أهل البلاد الأفارقة هم أيضا أول من ركضوا باتجاه البحر محاولين إنقاذ المسافرين، هناك الكثير من الجثث وكثيرون ممن ضاعوا في البحر. تأخر إنقاذ الكثيرين لأنه ليس في البلاد من فرق متخصصة، لكن سكان المدينة كانوا بمعظمهم هناك، وكذلك رئيس جمهوريتهم بعد حين ووزير الداخلية... يقول غابي. كان المشهد مذهلا ، جرى بسرعة. عندما وصل الشاطىء رأى نبيل يصرخ عند الشاطئ مناديا باسمه. نقله بسرعة إلى العيادة الخاصة. غابي مذهولا، لا يمكنه تقدير السبب، فرحلات الطائرة كانت مرغوبة من قبل المسافرين لأنها مريحة ولأن رحلاتها مباشرة.. 

نبيل أيضا، يقول إنه لم يلاحظ شيئا قبل صعوده الطائرة، امتلاؤها كان كاملا لكنه غير استثنائي، ما يتذكره أنه كان محاطا بالكثير من الأطفال في الطائرة، أحدهم بجانبه وآخر خلفه وثالث أمامه.. 

نبيل يتحدث من سريره، كان بجانبه أصدقاء، لم ينم منذ الحادث. قطب موزعة في جسمه، جروحه "تغتفر" أمام لحظة موت. السؤال عن تلك اللحظة مؤلم. أكثر ما يذكره أنه فقد سطح الطائرة فجأة. شعور بالعدم ثم الهبوط. أول ما فعله اتصل بأهله في لبنان، كان موعد وصول الطائرة إلى بيروت ما يزال مبكرا. لكنه تحدث معهم وأخبرهم عن الحادث قبل أن يصلهم بالإعلام. والدة نبيل في لبنان تقول إنه تحدث شخصيا معهم ثم أحالهم على طبيب لبناني كان هناك ليزيد في اطمئنانهم، هو بالأصل أخو غابي الذي أنقذه، طمأنهم الطبيب، لكن الوقت ما يزال في غاية الصعوبة، ابن عمهم ما يزال من بين المفقودين. نبيل لا يعرف لماذا قذف إلى الماء مع أن غابي يقول إن النصف الخلفي من الطائرة تبعثر فوق الرمل. ربما ان الضغط قذفه. لحظات نتخيلها طويلة، نحن المنتظرون للحصول على الرواية الكاملة. لكن الرواية هي موت سريع خبره معظم الركاب، ولحظة انخطاف سريعة ايضا خبرها الناجون، والتفاصيل الكثيرة التي نفترضها تصنع كابوسا لا حقيقة. إنها الحكاية بلسان من نجا. ومن مات على الأرجح ما كان سيخبرنا إلا عن الألم. الألم. الخوف ألم والارتطام ألم والتمزق ألم والموت... ألم؟

 
ملف خــاص: "كارثة طائرة بنين - كيف ولماذا ومن المسؤول؟؟؟"

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic