لبنان يستقبل "موكب الموت"...
ولا أجوبة عن أسئلة الفاجعة

السفير (الإثنين، 29 كانون أول «ديسمبر» 2003)

جهاد بزي


سيارة إسعاف تمر أمام الفرقة الموسيقية لقوى الأمن الداخلي في المطار (علي علوش)

     عند التاسعة والربع من مساء أمس، ساد الصمت التام الطائرة العسكرية الفرنسية بينما تحط على أرض لبنان حاملة من كوتونو 79 جثمانا ( 77 لبنانيا وإيرانيان) من الذين كانوا ضحية الرحلة المشؤومة لطائرة البوينغ 727 التي كتب لها أن تهبط حطاما بركابها على شاطئ بحر يبعد أمتارا عن مدرج الإقلاع. 

الصمت ليس سيد الموقفين. لا شك أن الطائرة الأولى شهدت في لحظاتها الأخيرة مشهدا مروعا لأناس تهوي بهم طائرة. لكن الصمت نفسه انسحب على لبنان الرسمي الذي خرج برؤسائه الثلاثة وجل رسمييه من وزراء ونواب لاستقبال النعوش التي مرت في خط طويل جدا من سيارات الصليب الأحمر أمام الرؤساء وأمام اللبنانيين على شاشات تلفزيونهم بينما يعزف لحن الموت الكئيب تحت سماء ماطرة. 

صمت الليل هذا، بينما لبنان يستقبل لأول مرة 77 من أبنائه سويا في نعوش ملفوفة برايته انتهى ما أن راحت السيارات تخرج من المدرج إلى الشارع حيث زعقت أبواق الخطر جماعيا بينما السيارات تذهب في كل اتجاهات للبلد الصغير وتلحق بها سيارات أهالي وأقارب الضحايا الذين انتظروا حتى الحادية عشرة ليلا انتهاء المراسيم، لأن الدولة التي جندت كل شيء فيها من أجل الفاجعة لم تنتبه إلى أن الحق الأول في استقبال جثامين الضحايا يعود إلى أهل الضحايا. هؤلاء فضلوا انتظار سيارات الصليب الأحمر لتذهب بموتاهم إليهم، بينما قرر البعض الانتظار على الطرقات وفي قاعة وصول المسافرين ريثما يصير بإمكانهم مرافقة الجثامين كأقل إيمان.

صمت الليل سيمحوه هذا اليوم وما سيليه. لبنان سيدفن بنيه وسيسأل عمن لم يأت بعد. فلا شيء حتى اللحظة نهائي. عدد المفقودين ليس معروفا كما صرح المدير العام للمغتربين هيثم جمعة الذي أضاف أن هناك أربع جثث ما زالت مجهولة الهوية. ولا شيء نهائيا لأن طائرة تابعة للميدل ايست غادرت عند السابعة من مساء أمس إلى كوناكري ومنها إلى كوتونو تحمل معها تسعة من اقارب الضحايا وطبيبا فرنسيا متخصصا بالتعرف على هوية الجثث المشوهة. ولا شيء نهائيا لأن الأسئلة الاساسية لم تعرف لها إجابة ومنها الالتباس حول الإذن لهذه الطائرة بالهبوط على الأراضي اللبنانية وحول الحصيلة النهائية لعدد الضحايا اللبنانيين ليبقى السؤال الأول والأخير: على من تقع مسؤولية الكارثة؟ 

لا نستطيع التعليق إلا بعد صدور النتائج الرسمية، قال رئيس مجلس إدارة شركة الطيران الاوسط محمد الحوت: نحن ننتظر نتائج التحقيق الذي تقوم به لجنة مشتركة غينية كوتونية لبنانية. والتحقيقات تبدأ من الصندوقين الأسودين وقد عثر عليهما عناصر مغاوير الجيش اللبناني الذين ذهبوا للمشاركة في عمليات البحث عن الجثث وانتشلوا 18 جثة. سلم الصندوقان إلى الجهات المختصة هناك. أما هنا فأعلن وزير الاشغال العامة والنقل نجيب ميقاتي أمس أنه سيعقد مؤتمرا صحافيا موسعا خلال ال48 ساعة المقبلة بعد استكمال ملف طائرة اتحاد النقل الأفريقي (الطائرة المشؤومة). وأضاف أن "الملف بين يدي النيابة العامة التمييزية، حيث سنضع الرأي العام اللبناني في كل المعطيات التي ستتوفر لدينا". وأفادت مصادر قضائية أن مدعي عام التمييز عدنان عضوم قرر عقد اجتماع مع مدير عام الطيران المدني حمدي شوق للاستفسار منه عن مجموعة من المعطيات حول سقوط الطائرة بينها أسئلة تتعلق بالجهة التي أعطت الإذن للشركة بتسيير رحلات إلى لبنان، وما هو عدد الرحلات السابقة التي قامت بها وغيرها من الأسئلة. أما وزير الإعلام ميشال سماحة فأتى إلى خلاصة الكلام على أرض المدرج: لا يمكن أن نتهاون في التحقيق ولن نقف عند التخمين.. هذه كارثة يتحمل مسؤوليتها أناس يعيشون على هذه الأرض عرّضوا الطيران المدني لهذه الكارثة وعرضوا اللبنانيين لهذه الكارثة وعرضوا العائلات اللبنانية لهذا الجرح العميق.. فلا بد غدا أن نتحدث عن هذا الموضوع.

"غدا" هو اليوم. اليوم يحمل عبد الله نعمة نعش والده عاطف نعمة على كتفه ويمشي به إلى مدفن القرية في حبوش حيث يواريه الثرى.. عبد الله كان في المطار أمس منذ الرابعة بعد الظهر. كان يسعى لأن يأخذ الجثمان إلى مسقط الرأس الأخير كما يليق به، على صوت آيات من القرآن. خاف عبد الله من أن يدخل الرجل قريته بسيارة للصليب الأحمر. اضطر عبد الله إلى كل هذا الانتظار. لا بأس. المصيبة أصلا هائلة عليه وعلى عائلته. كانت ستكون الرحلة الأخيرة للوالد إلى أفريقيا. ذهب لينهي كل شيء ويعود ليستقر هنا. هكذا كان. بعدما أوصله إلى المطار واطمأن عليه عاد إلى بيته القريب من المطار. سمع دوي الانفجار فطار عائدا. نزلت إطارات السيارة الأمامية في مياه الشاطئ وقفز عبد الله كمجنون يبحث بين الحطام والغرقى. هو يلقي باللوم كله على مستثمري الطائرة اللبنانيين. كانت محشورة تماما يقول ويضيف أن طائرة صغيرة أتت وأخذت ربان الطائرة الليبي بعد ساعة من وقوع الحادث. عبد الله عاد مع ابن المستثمر على الطائرة التي جلبت أهالي الضحايا. كان الأخير ملفوف الوجه يبدو مصابا مع أنه كان نفسه يجلس إلى جانب عبد الله في القنصلية اللبنانية بعد يوم من الكارثة ليس مصابا بخدش واحد. يلقي عبد الله باللوم كاملا على المستثمرين الذين حملوا الطائرة أكثر بكثير مما تحمل. ويطلب من الدولة أن تقتص من هؤلاء لأنهم السبب. 

لنعد إلى حكايته هناك عند الشاطئ. نزل من سيارته كمجنون.. سبح بين الركام والجثث والمواطنين المحليين الذين كان بينهم من ينهب كما بينهم من يحاول المساعدة. سبح حتى وجد والده طافيا على سطح الماء. هو الذي سحبه إلى الشاطئ.. وهو الذي انتبه إلى الوالد وقد رحل.. وهو الذي لم يعد يستطيع أن يكمل كلامه في قاعة انتظار الواصلين في مطار بيروت أمس حين خانه الكلام. 

صمت عبد الله.. لكنه، ومعه أهالي الضحايا، لن يقدر على الصمت طويلا.. لبنان الرسمي قام بجزء كبير من المهمة القاسية، لكن الجزء الأهم ما زال على عاتقه لمعرفة بقية الحكاية الحزينة التي فجعت البلد الصغير بين عيدين. ولبنان الذي كان يستقبل طائرة الصمت بالامس، استقبل في مواعيد متقاربة طائرات أخرى كانت تضج بمغتربين يعودون إلى وطنهم لتمضية العيد فيه.. وفي صالة الانتظار كانت ألوان سعيدة تختلط بأسود قاتم.. لكن اللون الأسود طغى بصمته الموجع على أي لون آخر والأسود وحده كان سيد البيوت الكثيرة على امتداد لبنان التي استقبلت عائديها أمس ملفوفين بالعلم اللبناني وبالاسئلة.

 
ملف خــاص: "كارثة طائرة بنين - كيف ولماذا ومن المسؤول؟؟؟"

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic