
الرؤساء الثلاثة
ووزراء ونواب وممثلو الطوائف في
استقبال الضحايا في المطار |
غالب لبنان القدر المشؤوم وهبّ حزمةً واحدة للوقوف إلى جانب أبنائه في بنين والجوار وتوجه بقلب واحد إلى مطار بيروت الدولي حيث استقبل جثماني ايرانين و77 لبنانياً من شهداء الكفاح في المغترب الافريقي الذين حملتهم طائرة فرنسية إلى وطنهم الأم حيث كانوا يحلمون باستراحة تعوّضهم ضنى الأيام الصعبة في القارة السوداء.
وفيما كان الرؤساء الثلاثة اميل لحود ونبيه برّي ورفيق الحريري وعدد من الوزراء على رأس الوافدين لإلقاء تحية الإكبار على من وقعوا ضحية الطائرة الغينية التي تحطمت في كوتونو، أقلعت طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، على نفقة الحكومة اللبنانية إلى بنين وعلى متنها عشرة أشخاص من ذوي الضحايا الذين لم يتم التعرّف الى هوياتهم بعد برفقة طبيب اختصاصي بالحمض النووي لتحديد أسمائهم بعدما تشوّهت جثثهم، ونقلت الطائرة معها بصمات لعدد من الأشخاص أمنتها وزارة الداخلية لمطابقتها على بصمات المجهولة هوياتهم.
وأفيد ان الطائرة ستعود إلى بيروت ومعها أهالي ضحايا موجودون في كوناكري وفريتاون ومن سيتم التعرف الى هويته من الجثث المشوهة، بعدما توقف البحث عن مفقودين في المحيط الأطلسي، إذ أعلن فريق الغطاسين الذي أوفدته قيادة الجيش عن انتهاء المهمة التي تشاركوا فيها مع غطاسين فرنسيين وأسفرت عن العثور على 17 جثة.
وإذا كان لبنان سينكب اليوم على تشييع شهدائه على امتداد خارطة الوطن، فإن التحقيق عن سبب الكارثة يطرح نفسه بقوة لتحديد المسؤوليات.
وبدأت سلطات بنين بالاشتراك مع سلطات غينيا حيث سجلت الطائرة المحطمة، تحقيقاتها مستندة إلى الصندوق الأسود الخاص بالتسجيلات الصوتية فيما الصندوق الأسود الثاني الخاص بالتسجيلات الفنية، وهو الأهم، لا يزال مفقوداً، وفق تأكيدات رئيس مجلس إدارة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت.
وفي لبنان، وفي انتظار توافر معلومات من منظمة الانتربول الدولي، تبدأ النيابة العامة التمييزية تحقيقاتها، وسط تكشف معلومات مثيرة وفرها لـ"المستقبل" خبراء بعضهم عمل على الطائرة المحطمة سابقاً وبعضهم الآخر كان في كوتونو أخيراً.
معلومات عن الطائرة
ويشير هؤلاء الخبراء الى ان طائرة "البوينغ" 727 كانت في الأصل تعمل لحساب شركة "أميركان ايرلاين" التي أوقفتها عن العمل مطلع التسعينيات وركنتها في منطقة صحراوية في الولايات المتحدة الأميركية تعرف بـ"مقبرة الطائرات" الى أن قام بشرائها أحد رجال الأعمال في دبي (فلسطيني الأصل) وأجّرها لشركة "يو.تي.آي". وقد قامت الطائرة بأول رحلة لحساب الشركة المذكورة من واشنطن الى كوناكري مباشرة ولم يكن على متنها سوى الطاقم المؤلف من أربعة أميركيين. ومن كوناكري وصلت الطائرة الى بيروت في حزيران الماضي محمّلة بالركاب.
وبقيت الطائرة في مطار بيروت الدولي أكثر من عشرة أيام لأنه لم يسمح لها بالإقلاع بالركاب، ولم تعطَ أي ترخيص.
بعد ذلك أعطيت الطائرة اذن الاقلاع الى دبي ولكن من دون ركاب، وهناك تمّ استبدالها بطائرة من النوع نفسه ومن المصدر نفسه فأقلعت من دبي عائدة الى بيروت. ثم استأنفت الطائرة طيرانها فتوجهت الى الجزائر التي كانت المحطة الاولى للطائرة وقد وصلتها بعد أربع ساعات طيران مع توقف لساعتين، حيث زوّدت بالوقود ثم أقلعت الى كوتونو (3 ساعات طيران وساعتان توقف)، ومن كوتونو الى كوناكري (3 ساعات طيران وساعتان توقف)، ثم عادت أدراجها من دون توقف لتحمل الركاب من كوناكري الى كوتونو فبيروت، بحيث استغرقت الرحلة الأولى ذهاباً وإياباً نحو (31 ساعة) من الثالثة فجر الخميس 11 تموز، الى العاشرة قبل ظهر الجمعة 12 تموز.
اسئلة
وقد تبيّن اثناء هذه الرحلة الاولى ان المضيفات الأفارقة الأربع، لا يحملن اي تراخيص رسمية كمضيفات، ولا عقود عمل ولا عقود تأمين بحيث كن يجهلن وظائفهن على متن الطائرة وتحديداً لجهة اجراءات الامن والسلامة داخل الطائرة، لدرجة انهن لا يعرفن مكان عبوات الاوكسيجين والاطفائيات على متن الطائرة. اما حاويات الطعام والمياه فوضعت بشكل عشوائي ولم تكن مربوطة بأحزمة الأمان لجهل المضيفات بوجوب ربط شيء متحرك بالأحزمة أثناء إقلاع الطائرة، ومن دون توافر "مانيفست" الركاب ولائحة الحمولة.
أما بقية الرحلات من 12 تموز الى يوم وقوع الكارثة فقد تمّ تعديل على خط سير الطائرة بحيث كانت تتوقف في مطار الكفرة (ليبيا) بدلاً من الجزائر لتتزوّد بالوقود، وقد زادت الى محطتي كوتونو وكوناكري محطة ثالثة وهي فريتاون، مما رفع ايام الرحلة الى ثلاثة ايام وجعل الطائرة تعمل خلال اسبوع بمعدل رحلتين.
وفي معرض تعليقه على حيثيات الرحلة الأولى يرى خبير في الملاحة الجوية "ان ما جرى في الرحلة الأولى وما سبقها من تأخير في الحصول على اذن الإقلاع من مطار بيروت فيه الكثير من الأجوبة عن الأسئلة التي تطرح عن أسباب الكارثة".
وفي هذا الصدد يسأل الخبير كيف يسمح للطائرة بالطيران؟ وهل كان يتم الإطلاع على رخص الطيارين والمضيفات مع العلم انّ كل طيار ومضيف يحمل ملفه أثناء السفر اي خلال دوام العمل الرسمي على متن الطائرة.
ومعلوم ان الملف يجب ان يتضمن:
1 ـ رخصة طيار أو مضيف.
2 ـ شهادة طبية.
3 ـ جواز سفر.
4 ـ بطاقة تعريف من الشركة.
5 ـ ختم أمني من الأمن العام.
ويسأل "هل كان يتم الاطلاع على رخص الطيارين والمضيفات للتأكد من السلامة العامة ومن حسن تنفيذ إجراءات السلامة والأمان على متن الطائرة، خصوصاً ان هذه المسائل تعتبر "ألف باء" الطيران؟".
وفي حديثه عن حمولة الطائرة المنكوبة التي قدّرت بزيادة ثمانية أطنان على الأقل، يرى الخبير نفسه "ان الحمولة على متن الطائرة ثلاثة أنواع:
1 ـ الوقود.
2 ـ الركاب.
3 ـ البضائع".
ويوضح ان كل طائرة لها حدّ أقصى وحد أدنى من الحمولة، فإذا كانت رحلة الطائرة قصيرة لا تكون خزانات الوقود مليئة وبالتالي يمكن زيادة الحمولة في الركاب أو البضائع ضمن الحد الأقصى إلا انه من الصعب زيادة الحمولة في الرحلات الطويلة حيث الخزانات مليئة بالوقود".
ويضيف: "في طائرة من نوع 727 ذات المحركات الثلاثة في الخلف وأثناء قيامها برحلة طويلة لا يمكن تحميلها الى الحدّ الأقصى المسموح به لا من حيث الركاب ولا البضائع، فكيف إذا كانت الطائرة تتسع لـ161 كرسياً زائد طاقم الطائرة ما بين 6 و9 أشخاص؟ وما يؤكد ان الطائرة كانت تحمل زيادة في الركاب ما قاله أحد الأولاد الناجين في مقابلات إعلامية "كنت جالساً قرب الباب محل ما بيحطو الدرج، لأنو ما كان في مطرح إقعد؟؟".
أما في الحمولة يتابع الخبير "ان زيادة ثمانية أطنان ليس مشكلة لطائرة ذات أربعة محركات، لكنها تصبح مشكلة لا بل تتسبّب بكارثة إذا كانت بثلاثة محركات خلفية كالطائرة المنكوبة، وإذا لم يتم توضيب الحمولة بشكل يراعي نقطة الجاذبية لدى الطائرة، وفوق كل ذلك إذا كانت الطائرة تقلع من مدرج قصير من حيث الطول، الأمر الذي لا يسمح لها بأخذ المدى المطلوب والضروري لتتمكن من الإقلاع بالحمولة الزائدة، فمن الطبيعي ان تكون الكارثة".
ويضيف: "ان زيادة عدد الركاب والعشوائية في توضيب الحمولة وقصر المدرج كلها عوامل أدت الى اصطدام عجلات الطائرة بمبنى جهاز تحديد الهبوط في مطار كوتونو فكانت الكارثة".
وبعد هذا العرض التقني يرى الخبير "ان المسؤولية عن الكارثة متعددة الأبعاد". ويقول إن أصحاب الشركة يتحمّلون مسؤولية كبرى لأن خبرتهم التي اكتسبوها في مجال شحن ونقل البضائع خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية لا يمكن ان تجعلهم خبراء في مجال قطاع نقل الأشخاص وقوانينه التي لا مجال إطلاقاً للتلاعب بها أو خرق أي فاصلة فيها. فكيف إذا كانت الخروق متعددة. وهي:
1ـ مضيفات من دون رخص ولا خبرة.
2 ـ خرق قانون الخدمة الفعلية، بحيث استغرقت الرحلة الأولى 31 ساعة ذهاباً وإياباً منها 21 ساعة طيران فعلي فيما قانون الخدمة الفعلية يحدّد تسع ساعات طيران فعلي لطاقم واحد على متن الطائرة، و16 ساعة طيران فعلي لطاقمين على متن الطائرة".
ولا يغفل الخبير عن مسؤولية قائد الطائرة فيقول "لقد حاول الإقلاع أول مرة وفشل، ثم حاول مرة ثانية مع علمه المسبق بوجود حمولة زائدة، فكانت الكارثة".
ويستشهد الخبير بحديث الولد الجريح نفسه حيث قال "الكابتن أول مرة ما قدر يطير، ثم طار مرة ثانية".
ويرى الخبير أنّ المسافر بشكل عام يتحمل قدراً قليلاً من المسؤولية، وخصوصاً أولئك الذين يكثرون من الأسفار الذين يجب ان يتحلّوا بالحد الأدنى من المعرفة والدراية والوعي بشركات الطيران وشؤون وشجون قطاع النقل الجوي.
وإزاء كل ذلك يبقى السؤال اللغز: لماذا لم يتحدث أحد عن طاقم الطائرة الكارثة، باستثناء ان قائد الطائرة ومساعده ليبيان وان المهندس الميكانيكي من البيرو، ولكن ماذا عن المضيفات؟ وما هو مصيرهن؟ هل هن في عداد الأموات؟
عضوم
من جهته اكد النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم لـ"المستقبل" ان التحقيق في اسباب تحطم الطائرة التابعة لشركة "يو. تي. اي" يتكثف في غير اتجاه للاحاطة بكافة جوانبه لتحديد المسؤوليات واتخاذ الاجراءات القانونية في حال توافر عناصر جرم جزائي.
وكشف ان وضع الطائرة المحطمة غير مدرجة على السجل التجاري في بيروت.
ولفت الى انه سيجتمع اليوم مع المدير العام للطيران المدني حمدي شوق لسؤاله حول صحة اعلان الشركة ان تسيير رحلاتها بين افريقيا وبيروت يتم بموجب موافقة رسمية من المديرية العامة للطيران المدني تحت الرقم 7631/2 تاريخ 11 تشرين الثاني 2003 ولمدة ستة اشهر في ظل نفي وزير النقل نجيب ميقاتي اعطاء ترخيص لهذه الشركة.
واوضح انه لا يزال ينتظر ان يتسلم من الانتربول نسخاً عن التحقيقات القضائية والتقارير الفنية المعدة في بنين للاطلاع عليها واجراء المقتضى.