لم يكن الوفد الطبي الذي رافق جرحى الطائرة المحطمة الى بيروت يعتقد انه سيواجه ما واجهه في مستشفيات كوتونو في بنين حيث كان يرقد الناجون المصابون. صحيح ان الاطباء السبعة، الذين رافقوا الوفد الرسمي والاعلامي، توقعوا مسبقا ان تكون الخدمات الطبية في ذلك البلد الافريقي متواضعة ولكن الواقع فاق الخيال هذه المرة بعدما اكتشفوا بالعين المجردة الحال المأساوية لمراكز العلاج في كوتونو التي تسمى مجازا
"مستشفيات".
وكان رئيس الحكومة رفيق الحريري قد اتصل هاتفيا بالنائب الدكتور غطاس خوري بعد تبلغه بنبأ سقوط الطائرة وطلب منه تشكيل وفد طبي للسفر إلى بنين والاشراف على تأمين الإسعافات الاولية للجرحى ومن ثم نقلهم الى بيروت على متن طائرة الميدل إيست، وخلال ساعتين كان هناك سبعة أطباء مستعدين لتنفيذ المهمة وهم: غطاس خوري (جراحة عامة) الطبيب الخاص لرئيس الحكومة جابر صوايا (طبيب قلب) عمر بدورة (جراحة عظم)، شكيب ايوب (إنعاش وعناية فائقة)، مالك محمد (طبيب قلب) علي شمس الدين (جراحة عظم) الدكتور كلاش (جراحة عامة) اضافة الى أربعة مسعفين.
ولكن المشكلة الاولى التي واجهت الوفد تمثلت في خلو طائرة الميدل ايست من الآلات الطبية الضرورية فاقترح الدكتور صوايا الاستعانة بالمعدات الموجودة في الطائرة الخاصة بالرئيس الحريري، وهكذا كان، حيث نقلت منها اجهزة للتنفس الاصطناعي ولتشغيل القلب وغيرها.
ولدى وصول الأطباء الى كوتونو انتقلوا على الفور الى المستشفيات الاربعة التي يرقد فيها الجرحى اللبنانيون لمعاينتهم، وسرعان ما بدت عليهم علامات الصدمة، ليس فقط بسبب غرق الطائرة المنكوبة في بحر كوتونو وإنما ايضا بسبب غرق تلك المستسفيات
"الرمزية" في بحر من التخلف المدقع الذي أحالها الى مجرد
"عيادات" في احسن الاحوال، بعدما تبيّن انها تفتقر الى
"أبجدية" الاستشفاء المتعارف عليها دوليا في ظل النقص الفادح في المعدات والخبرات، الذي لم تنج منه حتى غرف العناية الفائقة حيث تقتصر العناية عمليا على اكياس المصل، اضافة الى غياب التعقيم المصنف في خانة بديهيات العمل الطبي وتواضع النظافة العامة وكل جوانب الرعاية الصحية!
إزاء هذا الواقع، امتنع الوفد الطبي برئاسة خوري عن إجراء اي عملية جراحية للمصابين وقرر الاستعاضة عن هذه
"المغامرة" بتأمين الاسعافات الاولية لهم لمساعدتهم على
"الصمود" بانتظار عودتهم الى بيروت، وما زاد الطين بلة ان الاطباء الافارقة كانوا يتعاملون بحساسية مفرطة مع زملائهم اللبنانيين ويحاولون الحد من تدخلهم في العلاج.
وهكذا اصبح هاجس خوري وزملائه ينحصر في ضمان وصول الجرحى الى العاصمة اللبنانية، باعتبار ان فرص شفائهم سترتفع تلقائيا حينئذ، وقد ابلغ خوري وزير الخارجية جان عبيد ان لا امكانية لانتظار الجثث وأن الاولوية يجب ان تكون للأحياء، الا ان المفاجاة الاخرى التي كانت تنصب كمينا للوفد اللبناني تمثلت في عدم وجود سوى ثلاث سيارات اسعاف في المدينة الامر الذي تطلب وقتا مضاعفا لنقل المصابين الى الطائرة عدا عن ان عملية النقل الى داخل الطائرة تمت بطريقة يدوية نتيجة غياب المعدات المطلوبة.
وقال خوري ل"السفير" بعد عودته ان دولة بنين غير جاهزة للتعامل مع الإصابات الجدية لأنها ما تزال في طور التطور وهذا ما دفعنا الى اتخاذ قرار بالرجوع فورا الى بيروت، مشيرا الى ان مستشفيات كوتونو غير قادرة إلا على إجراء جراحات بسيطة،
"ولذلك كان همنا ان نضع الجرحى في الطائرة العائدة وأن نستعيد المبادرة، وأنا كنت اعرف اننا متى عدنا فإن القصة تكون قد انتهت". أما المسؤولية المباشرة عن الكارثة فيحمّلها خوري للشركة التي تملك الطائرة المنكوبة وللسلطات المعنية في بنين
"التي سمحت بتحليقها على الرغم من حمولتها الزائدة التي تجاوزت المعدل المقبول بثمانية آلاف كيلوغرام".