
نبيل هاشم يهاتف أصدقاء من سريره (حسن عمار) |
كانوا يتجاورون في الطائرة عينها، يجمعهم الأمل بانتهاء الساعات الست، الوقت المطلوب للرحلة من كوتونو الى بيروت، ويغمرهم الشوق للقاء حبيب أو قريب. ارادوا قضاء أيام العطلة في ربوع الوطن وبعيداً عن عناء القارة السمراء، شدوا الحزام حسب الاصول. أقلعت الطائرة ولم يكملوا العد العكسي، فقد توقف الزمن فجأة. توقفت الاحلام وطارت جثث واشلاء 146 راكباً. رفض الخمسة عشر الباقون الانصياع للقدر وأصروا على رفض الموت. الرحلة لم تنته بعد. لقد وصلوا الى بيروت بالرغم من تأخرهم 24 ساعة عن موعدهم. أجمعوا أنه
"انكتبلنا عمر جديد".
في زيارة اطمئنان على أحوال الجرحى في مستشفيات بيروت بدا واضحاً أنهم يتشاركون بالحالة الصحية نفسها: استقرار الوضع مع بعض الرضوض والكسور اضافة الى سوء تنفس نتيجة امتلاء الرئتين بكميات كبيرة من المياه. يتشاركون أيضاً في ظروف نجاتهم: كانوا يجلسون في مؤخرة الطائرة ووجدوا أنفسهم في المياه مثبتين الى مقاعدهم عبر أحزمة الامان.
في مستشفى بهمن كان الجريح نبيل هاشم (من شيحين قضاء صور) يستقبل زواره بابتسامة، ابتسامة تجعلك تتحرر من عبء الاحراج متطفلاً على عائلة تنوعت دموعها بين الفرح بمعجزة عودة الابن، وبين حزن برحيل ابن عمه. يحرص نبيل على مصافحة كل من أرادوا الاطمئنان الى صحته. تسأله عن وضعه، يغمض عينيه ويقول
"أنا عايش". ويضيف ممازحاً طلبت منهم أن يضعوني في الطابق المخصص للولادة فقد
"ولدت من جديد". ويضيف "الحمد الله، لن أنسى أنني كنت بين 15 ناجيا". يصر نبيل على الاشادة بالجهود التي بذلتها الدولة والتي اعتبرها جبارة ومحترفة وكان لها الفضل المباشر في بقائهم على قيد الحياة. وعن حالته الصحية يقول انها اقتصرت على بعض الرضوض والقطب اضافة الى كسر في الكتف، وسيخرج اليوم من المستشفى.
لم يفترق الجرحى الباقون منذ النكبة، الى ان استقروا في مستشفى الجامعة الاميركية حيث يخضعون للعلاج. حالة محمد بشير (30 عاماً) هي الاكثر حرجاً ولا يزال في غرفة العناية الفائقة حيث يعاني من مشاكل في التنفس، كما كان يعاني من نقص الاوكسيجين في الدم. وقد طمأن الطبيب أقاربه الى تخطيه المرحلة الحرجة، والتي أدت في أثناء نقله من كوتونو الى حصول اضطرابات في تنفسه.
دخلنا الى غرفة حمزة حمود (من أرزاي) في
"الاميركية" في أثناء تناوله طعام العشاء، فأصر على محادثتنا متخلياً عن طبق
"الناكتس". وعن حالته يقول "ماشي الحال" ثم يحدد لنا باصبعه حدود الالتهاب الذي استشرى في يده نتيجة سوء الاستشفاء في افريقيا. ثم يصر على طمأنتنا على صحته
"كلها جروح بسيطة". ويوضح أن الطبيب قال له أن الالتهاب سيختفي بعد خمسة أيام حيث يستطيع بعدها الخروج من المستشفى.
عند عيادة الطفل عبد الرحمن أبو ستيتية (14 عاماً، فلسطيني الجنسية) كانت أمه متكئة الى جانبه وقد أعياها النعاس. الا انها تبادر بالقول
"الحمد الله نجى باعجوبة". كان عبد الرحمن لا يزال مخدراً نتيجة العملية التي خضع لها، والتي وضع له بموجبها مفصل صناعي بعد تحطم ركبته. كما ظهر جرح كبير في رأسه وصفته الام بقولها
"سطحي وما في شي".
الى جانبه في الغرفة 822 كان الطفل جاك بامبوكيان (3 سنوات) يتنقل بين السريرين حيث تمدد أبواه هراتشو (36) وايزابيل (24). كانوا جميعاً في الطائرة ونجوا جميعاً. يقول الاب وقد أغمض عينيه
"أنا أنقذت مرتي وابني" فبين العدد الكبير للجثث كان ابني أول شخص رأيته، كان يغرق أمام عيني"، فسارع الى نجدته، وقد كان له ما اراد. وبالهلع نفسه راح يبحث عن زوجته فوجدها هي الاخرى فاقدة الوعي. أما جاك فلم تكن حالته تستدعي دخوله المستشفى وتم الاكتفاء بمعاينته في الطوارئ. المؤسف أن هراتشو لم يستطع إنقاذ طفلته الرضيعة.
في الطابق التاسع من المستشفى نفسه كان حسن شقيق الجريح موسى شميساني (النبطية) يصرخ متوتراً عبر الهاتف
" بدي طلّعو من هون شو بدكن خيي يموت". هو يعترض على عدم وصول اي طبيب لرؤية أخيه. ويقول هل يعقل أن يتحججوا بأنه يوم أحد ولا يوجد العديد من الاطباء. أما موسى فيقول أن جروحه قد خيطت في افريقيا دون أي مراعاة لضرورة التعقيم. كما اشتكى من وجود الرمال داخل جرح في يده كان قد رآها أثناء معالجته في كوتونو. الممرضات تعاطفن معه وحاولن فعل كل شيء الا أن الطبيب لم يأت.
الى جوار موسى، كان بلال غزاوي (38 سنة من بيروت)، يغط في نوم عميق بعد أن أمضى ليلته الاولى في غرفة العناية الفائقة، والليلة التي سبقتها طائراً في الهواء متأرجحاً بين الموت والحياة.
في الغرفة المقابلة كان جهاد سعيد (سوري الجنسية) يتحدث الى أصدقائه عن لحظات قال أنه لن ينساها الى الابد. ويوضح أنه فقد الوعي مرتين: المرة الاولى عندما ارتطمت الطائرة، أو دوى الانفجار، حسب ما شعر في لحظتها. ويقول أنه استفاق أثناء طيرانه في الهواء لكنه سرعان ما غاب عن الوعي. اليقظة الثانية والمصيرية كانت عندما وجد نفسه في قعر البحر جالساً على كرسيه، حرك يديه فارتطمت بالرمال، ويقول أنه قفز مرات عدة الى أعلى مستجدياً القليل من الهواء... تذكر الحزام، فنزعه عنه وصعد الى أعلى الماء. تصدر ابتسامة عند تذكره لحظة أخذوه الى المستوصف، ويقول
"كانوا عم بيخيطولي بخيطان الشوال. ثم يروي كيف ترك الطبيب الابرة في لحمه
"حتى يعرف وين كان" لحظة سمع احداهن تتأوه في سريرها.
فرحات والعلي
في الطابق العاشر تجمع آخر الجرحى، فاقتسم خضر فرحات (40 عاماً من جديتا) الذي يعاني من كسر في الكتف اضافة الى جروح في مختلف أنحاء جسمه الغرفة 1028 مع علي العلي (20 عاماً من حاريص) الذي ستجرى له اليوم عملية جراحية بعد أن أظهرت الصور الشعاعية كسراً في ثلاثة أضلاع من القفص الصدري. وقد تمت معالجته أمس من وجود كميات من المياه في رئتيه نتيجة ابتلاعه كميات كبيرة منها.
في الغرفة المجاورة، وبعد أن أجريت له عملية جراحية في رجله، استلقى علي اللقيس (23 عاماً من جويا)، منتظراً اليوم، موعد خروجه من المستشفى، حيث سيكون بمقدوره اعادة احتساب عمره من جديد، فقد
"انكتبلي عمر جديد".