الجنوب المنكوب:
مسيرات تشييع عشرات من ضحايا الكارثة

السفير (الثلاثاء، 30 كانون أول «ديسمبر» 2003)

عدنان طباجة، ثناء عطوي، كامل جابر، محمد صالح

     الجنوب في نكبة. اكبر عدد من ضحايا الكارثة من مدنه وقراه وبلداته، ومنذ ليلتين لم ينم الجميع. كانوا في انتظار الجثامين، ومن ثم انشغلوا في ترتيبات الدفن. وحشود الاهالي خرجت من كل البيوت في كل المدن والقرى، ووفود الرؤساء والاحزاب والفعاليات الرسمية والسياسية ضاعت بين آلاف الابناء والاقارب الذين تجمعوا منذ ساعات الصباح في الاندية الحسينية او في منازل الضحايا. فيما سارت مواكب التشييع في وقت واحد تقريبا، أي عند صلاة الظهر. لتعج المنازل بعدها بوفود المعزين، وينشغل الجميع في البحث عن المفقودين وعن أسباب الفاجعة. 
 

الخرايب 


الجنازة في الخرايب

     في الخرايب، بصعوبة بالغة تم انتزاع نعوش الضحايا من بين أيادي أهلهم وذويهم وعائلاتهم. ووسط البكاء والدموع رفعت الجثامين على الاكف. الفراق كان صعباً جداً، اختلط فيه نحيب الأم الثكلى على ضناها مع بكاء طفلة تنادي والدها فلا يرد، وصراخ زوجة مفجوعة، وهتاف اخت بأعلى صوتها "يا خيي يا حنون" و"يا اختي بدي اشتاق لك" و"بكرتي كتير علينا". وأب مكسور القلب يصرخ "يا ولدي عليك وين العريس رفقاتك بدهن يزفوك". 

كانت جثامين الضحايا الثمانية قد جمعت فور وصولها في مقر كشافة الرسالة الاسلامية في البلدة، حيث اقيمت مراسم غسل وتكفين الضحايا وهم مصطفى اخضر ومحمد حمود ومحمد الدر وهبة الدر وعلي الدر وحسين اخضر ومحمد سبيتي وناصر القاضي (ونُقل جثمان احمد قشاقش الى مسقط رأسه حناويه). 

وصباح امس نُقل الضحايا كل الى منزله او منزل عائلته لإلقاء نظرة الوداع الاخيرة من قبل اولاده او اشقائه وزوجته ووالديه وأهله وأصدقائه. وحوالى الحادية عشرة نُقلت النعوش والجثامين بصعوبة الى ساحة النادي الحسيني وسط بلدة الخرايب، وأم الصلاة على ارواحهم رئيس معهد الامام الصدر للدراسات الاسلامية السيد علي الامين الذي ألقى كلمة رثى فيها الضحايا. 

وبعد الصلاة حملت النعوش على الأكف في موكب احتشد فيه الآلاف الى مقبرة البلدة وعلى طول الطريق من النادي الحسيني حتى المقبرة تحولت شرفات المنازل الى تجمعات للنسوة شاركن في الوداع بعد ان نثرن الارز فوق النعوش، وقد ووري الضحايا الثماني الثرى في قبر جماعي واحد. 
 

الزرارية 

     الزرارية ودعت طبيبها الدكتور علي حمود مروة، في جو مؤثر، واكتست البلدة بالسواد حدادا على الطبيب الذي بكاه الكل في الزرارية. ورفعت الرايات السود فوق سطوح الابنية. وصلى الشيخ حسين بغدادي على الجثمان في مسجد البلدة، وألقى الشيخ غالب الكجك كلمة في النادي الحسيني ومجلس عزاء عن روحه وألقى كلمة اعتبر فيها الدكتور مروة "شهيدا لأنه مجاهد من اجل لقمة عيشه وعيش عياله" وبعد ذلك شيعته الزرارية وأبناء القرى الى مثواه الاخير بحضور ممثل حركة امل النائب علي خريس والنائب جورج نجم والنائب الاسبق ابن البلدة الدكتور سعيد الأسعد ونجله رياض الأسعد. 
 

الغازية 


الصلاة على غدار في الغازية

     وفي الغازية الساحلية جنوب صيدا لفها الحزن والرايات السوداء لفقدان عزيزها الحاج رائف علي غدار. وقد سجي جثمانه في منزله بين أهله وعائلته وأقربائه. ثم نقل الى ساحة بلدة الغازية وأم الصلاة عن روحه إمام البلدة السيد فخر الدين ابو الحسن وألقى كلمة في المناسبة بحضور فعاليات رسمية ومن المنطقة ورؤساء البلديات ووفود شعبية ووري الثرى في مقبرة آل غدار في البلدة. 
 

الصرفند 

     وفي الصرفند شُيع امس "العريس" محمد كوثراني ابن ال34 عاما وسط أجواء الحزن والاسى على الفقيد الذي رحل بعد ان كان مجيئه صدفة من اجل ان يتزوج (خطيبته غنوة كوثراني). في المنزل كان المشهد مؤثرا لا سيما من قبل شقيقاته اللواتي ارتمين على النعش وأصبن بالإغماء أكثر من مرة خاصة قبيل لحظة الوداع الاخيرة ونثرن الورد "على نعش العريس". 

وقد سجي جثمانه امام النادي الحسيني وأم الصلاة عن روحه كل من الشيخ حسين عسيلي والشيخ عباس كوثراني بحضور رجال الدين وأهالي البلدة والقرى المجاورة والفعاليات الرسمية والنيابية، ثم نقل الى مثواه الاخير ووري الثرى في مقبرة البلدة. 
 

النبطية 


الصلاة على الجثامين في النبطية

     بعد انتظار مضنٍ عاشه أهلهم وأحباؤهم أياماً وليالي، عاد معظم ضحايا طائرة كوتونو من أبناء مدينة النبطية ومنطقتها إلى مدنهم وقراهم وبلداتهم وأرضهم. 

في مواكب مهيبة وحاشدة وحّدها التوقيت، مثلما وحّدتها المصيبة والفاجعة، ودّعت مدينة النبطية وعدد من القرى والبلدات المجاورة قبل ظهر أمس ضحايا تحطم طائرة كوتونو، بحيث لم تنقطع الدموع والآهات من العيون والحناجر المفجوعة بالكارثة حزناً وألماً على فراق الأحبة وفلذات الأكباد. 

وسادت النبطية ومنطقتها أجواء الحداد العام، وعلت أصوات المآذن بآيات القرآن الكريم، وقرعت أجراس كنيسة السيدة في النبطية، وأقفلت المتاجر أبوابها، وتعطل سوق الاثنين التجاري على غير عادته، وارتفعت اللافتات والرايات السوداء في الشوارع والأحياء، وتجمهر آلاف المشيّعين على المدخل الشمالي لمدينة النبطية عند الحادية عشرة قبل الظهر، ورفعوا نعوش الضحايا على أكتافهم في ظل هتافات التكبير والتهليل، وساروا في تظاهرة ضخمة جابت شارع حسن كامل الصباح الذي غص بحشود المواطنين المحتشدين على جانبيه وعلى شرفات المنازل والأبنية المجاورة، لإلقاء النظرة الأخيرة على جثامين الضحايا: سميح عفيف الحاج علي، شوقي خليل فران، حسام علي صفا، قاسم محمد صباح وعلي عبد الحليم شميساني، وقد رشت الجثامين الخمسة بالأرز والورود، وتقدم التظاهرة سيارات الإسعاف وحمَلة الأكاليل وصور الضحايا على وقع نشيد الموتى الذي تشاركت في عزفه موسيقى كشافة الإمام المهدي والرسالة الإسلامية والتربية الوطنية. 

وشارك في التشييع محافظ النبطية القاضي محمود المولى ممثلاً رئيس الجمهورية إميل لحود، وزير الطاقة والمياه أيوب حميّد ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وزير الزراعة علي حسن خليل والنواب عبد اللطيف الزين، محمد رعد، محمد برجاوي، ياسين جابر، النائبان السابقان رفيق شاهين وعماد جابر، رئيس مجلس الجنوب الدكتور قبلان قبلان، المدير العام لتعاونية موظفي الدولة أنور ضو، رئيس اتحاد بلديات الشقيف وممثلون عن الأحزاب والقوى الوطنية والإسلامية وحشد من الشخصيات والفعاليات ورؤساء البلديات والمخاتير ولفيف من علماء الدين. 

وبعد وصول جثامين الضحايا إلى باحة حسينية النبطية أمّ الشيخ عبد الحسين صادق الصلاة عليها قبل مواراتها الثرى في جبانة النبطية. 

وفي قرى وبلدات كفرتبنيت، حبوش، أنصار، عين قانا وصير الغربية جرت قبل ظهر أمس أيضاً وفي نفس الوقت مراسم تشييع كل من الضحايا: عاطف عبد الله نعمة (حبوش)، إسماعيل محمد وهبي (أنصار)، عبدو محمد معتوق (صير الغربية)، علي حسن سعد (عين قانا) وهاشم حبيب نحلة (كفرتبنيت)، وعمّت أجواء الحزن والأسى القرى والبلدات المذكورة حداداً على رحيل أبنائها المغتربين. 
 

صور 

     توزع ضحايا الطائرة المنكوبة في كوتونو على القرى والبلدات الجنوبية منذ الصباح، بعد أن أمضوا ليلتهم الأخيرة في وطنهم داخل برادات مشافي صور ومنطقتها، وذلك جراء وصول الجثامين في وقت متأخر من الليل ما اضطر المسؤولين عن التنظيم إلى إيداع الجثث في البرادات حتى الصباح، لكن الأهالي المفجوعين أبوا إلا أن يلاقوا نعوش أبنائهم لحظة وصولهم، فانتظر بعضهم أمام المستشفيات حتى ساعات الفجر الأولى لعلهم يتمكنون من رؤيتهم وهو ما كان متعذرا نتيجة التشوّهات الكثيرة التي لحقت بالضحايا. 

الجثامين كلها لفت بالأعلام اللبنانية وسلمت إلى ذويها بواسطة سيارات تابعة للصليب الأحمر والدفاع المدني والهيئة الصحية الإسلامية، وقد لازم عناصر هذه الأجهزة الأهالي مع أكثر من فريق طبي لإسعافهم من النوبات العصبية وحالات الإغماء التي تعرض لها معظمهم، فيما غطت أصوات المآذن على كل الأصوات الأخرى وخيّم جو من الأسى والحزن على الشوارع والبيوت في صور وحناويه وجويا وعين بعال. 

لكن صور التي ظلت على أمل عودة أربعة من أبنائها سالمين حتى وقت متأخر، شيّعت جثامين ضحاياها الثلاث وهم لطيفة حسين بيطار وعلي بيطار وعمر زعتر، فيما لم يعرف بعد مصير الشاب مهدي هاشم الذي ظل في عداد المفقودين، وقد توجه خاله الدكتور مالك بزي للغاية مع ذوي الضحايا إلى كوتونو أمس الأول للتعرف على جثة ابن شقيقته التي تعيش مأساة متواصلة منذ خمسة أيام دون معرفة مصير ولدها. 

موكب التشييع انطلق بعيد صلاة الظهر من منازل الضحايا وصولا إلى نقطة التقاء واحدة أمام نادي الإمام الصادق، حيث أقيم مأتم جماعي حاشد حمل خلاله المشيّعون نعوش الضحايا على الأكف وساروا باتجاه سراي صور الحكومي وصولا إلى مسجد المدينة، يتقدمهم النائب علي خريس ممثلا رئيس مجلس النواب، النائب الدكتور علي الخليل ورئيس اتحاد بلديات صور عبد المحسن الحسيني، قياديون من حركة أمل وممثلون عن مختلف الأحزاب اللبنانية والتنظيمات الفلسطينية ورؤساء أندية وجمعيات ثقافية ورياضية وحشد من فعاليات المدينة البلدية والاختيارية والنقابية. 
 

جويا 


من التشييع في جويا

     وفي بلدة جويا احتشد آلاف السكان على الطريق الرئيسي أمام مدخل البلدة لملاقاة الجثامين، وقد رفعت الرايات السوداء حدادا على أرواح الضحايا السبع من أبناء البلدة ووروا الثرى عصرا في جبانة جويا وهم: سلام خازم، الطفلان محمد وحسين خليل اللقيس، رشا اللقيس، عبد الله هاشم، جمال علي نزال وقاسم محمد نزال وقد أمّ الصلاة السيد لؤي نور الدين.
 

حناويه

     وفي بلدة حناويه كان المشهد مؤلما عند استقبال جثامين شيخ البلدة علي خاتون والطفل محمد سلمان والشاب شمس الدين شمس الدين، الذين جمعت صورهم في لوحة واحدة علقت على كل الأعمدة وأمام مداخل البيوت وعلى الطرقات الرئيسية وسيارات أهالي البلدة، وقد حمل النعوش على الأكف وسط نحيب النسوة وصرخات التكبير في موكب مهيب انطلق من أمام حسينية البلدة نزولا باتجاه الجبانة حيث ووري الضحايا الثرى بعد الصلاة على أرواحهم، بمشاركة رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب الحاج محمد رعد، رئيس المجلس السياسي في حزب الله السيد إبراهيم أمين السيد، وعضو شورى حزب الله الشيخ محمد يزبك ووفد قيادي من حزب الله وفعاليات وأهالي البلدة. 
 

عين بعال

     كذلك شيّعت بلدة عين بعال فقيدها المغترب حسن بسمة شقيق رئيس البلدية جميل بسمة في مأتم كبير شارك فيه أهالي البلدة والجوار. 
 

ميس الجبل 


الصلاة على عائلة حجازي في ميس الجبل

     كان المشهد كربلائيا، وكان لبلدة ميس الجبل في قضاء مرجعيون، وداعها الحزين، لأفراد عائلة عبد المجيد حجازي: زوجته إيمان نمر عمّار (30 عاماً)، وابنتيه مريم (8 سنوات) وريم (6 سنوات) فيما ظلت جثة ابنه الثالث، أصغر عياله، عباس البالغ ثلاث سنوات، قيد البحث والتدقيق حيث سقطت الطائرة. لم يستطع النحيب والعويل إطلاق كل الحزن الذي حمله حجازي، العائد بجثث عائلته إلى بلدته، بدلاً من إضفاء صخب محبتهم وطفولتهم على البيت الجديد الذي بناه في ميس الجبل ليكون نزل حنينهم المتواصل إلى ربوع البلدة. 

شيّع عبد المجيد، وأشقاؤه، ومنهم رئيس البلدية الدكتور محمد حجازي، الجثث الثلاث إلى تربة البلدة، بمشاركة رسمية وسياسية وحزبية، وأمّ الصلاة على النعوش، عمّ الزوجة الراحلة، الشيخ عبد المجيد عمّار الذي ناشد أهالي الضحايا تقديم شكوى جماعية على الشركة الناقلة وأصحاب الطائرة لتقصيرهم في اتخاذ الاحتياط اللازم، كي لا يكون المواطن عرضة للخطر والاستهتار مرة أخرى. وقال عمار: هناك نحو 20 جثة مجهولة الهوية رفض فريق الاغاثة الفرنسي نقلها قبل معرفة اصحابها. وأضاف انه عثر بحوزة ابن صاحب الطائرة الذي نجا من الكارثة على لائحة تضم 20 اسماً غير مدرجة على بيان الركاب الرسمي. ويعني هذا أن الرحلة كانت اعتباطية غير مستوفية الشروط القانونية المتعارف عليها. وقال: ان البحث مستمر لإيجاد جثة الطفل عباس. وأنحى باللائمة على سلطات المطار في بنين لسماحها للطائرة بالاقلاع، بفائض وزن يبلغ ثمانية أطنان، ورأى في ذلك استهتاراً بأرواح الناس ونوعاً من اللامبالاة.
 

دبين 

     وخرجت زهية ونسة في دبين مع أفراد عائلتها وأبناء بلدتها والجوار لإلقاء النظرة الأخيرة على شقيقتها رفقا ونسى (61 عاماً) ، التي قضت مع ابن شقيقها غسان ونسة (40 عاماً)، وكان غسان قد ترك لبنان في العام 1976 الى سيراليون، ليعمل تاجراً وقد دفنته زوجته وبناته الثلاث في بيروت، حيث يقطن،ّ بحضور النائب نزيه منصور. وبعد الصلاة على جثمانها، ووريت الفقيدة رفقة في جبانة البلدة إلى جانب ضريح زوجها حسن أسعد نمر ونسة الذي شاركت العام الماضي في وداعه، بعد غياب وإياه عن البلدة امتد 41 عاماً. 
 

طلوسة 

     حشد الأهالي شيّعوا الشاب علي احمد ملحم، بمشاركة زوجته وأولاده الثلاثة. فيما ظلّت الحيرة على ابن البلدة الشاب حسين ترمس الذي لم تعثر فرق البحث عليه بعد. 
 

مارون الراس

لقمان علوية
لقمان علوية

     في كل تشييع قصة خاصة قد يكشفها التشييع أو الصور. ومنها قصة الشاب لقمان حسن علوية، نجل النائب السابق حسن علوية البالغ من العمر السابعة والعشرين من العمر الذي قضى مع صديق دراسته علي حسن سعد. لقمان سافر إلى كوتونو العام 2001 وعاد إلى لبنان ثم سافر مرة أخرى العام الفائت وعاد أخيراً جثماناً. يروي أهله أنه عندما كان يهم بالدخول تراجع ثم عاود الدخول متلفتا حوله وكأنه كان يشعر بما ينتظره. لقمان ودّعته قريته مارون الراس قضاء بنت جبيل بمأتم حاشد حضره ممثلو الرؤساء الثلاثة وعدد من الوزراء والنواب. وكان الموكب قد انطلق من مكان التجمّع على طريق المطار، وتوقف في بلدة جويا لتقديم التعازي بأهلها وكذلك في بنت جبيل وأخيراً إلى مسقط رأسه حيث ووري الثرى. 
 

حاريص

     شيّع الحزب السوري القومي الاجتماعي في بلدة حاريص قضاء بنت جبيل، الفقيد غالب فقيه بحضور عميد الإذاعة والإعلام توفيق مهنا على رأس وفد مركزي ونائب حزب الله محمد فنيش وفاعليات حزبية وسياسية. 

 
ملف خــاص: "كارثة طائرة بنين - كيف ولماذا ومن المسؤول؟؟؟"

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic