 |
طالع من برج حمود. سيرته مجبولة بعرق جبين والده، الذي كان يتصبب مع كل ضربة مسمار، وعرق جبين والدته التي كانت "تقرّص العجين" مع كل بزوغ فجر. ظاهره يعكس شخصيته. هادىء، لطيف، يتكلم لكنه لا يكثر. تسأله يجيب، قابعا في كرسيه وقلما يستعين بيديه للتعبير أو التشخيص. "تزركه" لا ينفعل، ولكنه يعطيك جوابا "كلاسيكيا" وكأنه يخشى زلة اللسان. جذوره الاجتماعية ومعاناة الماضي تترك بصماتها على شخصيته، التي "تجدها" في شعره الذي فاجأنا بقراءات منه.
علي بزي، "مغترب" في مقتبل العمر، عاد من ديربورن (الولايات المتحدة) ليمثل بلدته بنت جبيل في مجلس النواب منذ الانتخابات الأخيرة عام 2000. لبى "نداء الواجب" لحركة "أمل" الملتزم فيها منذ 26 سنة. طالب أهالي البلدة أن يتمثلوا بواحد منهم. فقد تحررت عاصمة جبل عامل ولم يعد من "اللائق" تجاهلها. كثر المرشحون، وبينهم المقربون جدا من "الاستاذ". الا أن الابن عبد الله بري، والذي تربطه "علاقة وثيقة" ببزي عندما كان الاثنان في الولايات المتحدة، تدخل في اللحظة المناسبة مزكيا ترشيحه. وكان لأهالي بنت جبيل ما أرادوا، وضرب بري "عصفورين بحجر". وها هي صوره تتصدر مكتب بزي مع صورة صغيرة للامام موسى الصدر.
ولد بزي سنة 1958 في بنت جبيل، من عائلة فقيرة نزحت الى العاصمة بحثا عن لقمة العيش، وقطنت في ضاحية برج حمود التي لجأ اليها العديد من أهالي البلدة. امتلك والده "الكندرجي" حسا طبقيا ووطنيا دفعه للمشاركة في تظاهرات الاحتجاج في نهاية الستينات بعد أن انتمى الى حزب "البعث" السوري. علي هو الابن الأكبر للعائلة التي أنجبت أحد عشر ولدا (سبعة صبيان واربع بنات)، فكان صاحب "حظوة" لأنه الوحيد عمليا الذي تمكن من تحصيل علمه. تلقى دروسه الابتدائية والتكميلية في مدرستي "زهرة العلوم" و"النموذجية" في برج حمود، ثم التحق بدار المعلمين وتابع دروسه الثانوية في الوقت نفسه في ثانوية رأس النبع الرسمية. تخرج من دار المعلمين وعين مدرسا في قرية المنصوري، في الجنوب. واثر الاجتياح الاسرائيلي الأول في 1978، وكان قد أصبح عضوا في حركة "المحرومين"، انتقل الى قرية جبشيت ومنها الى تكميلية عبد الكريم الخليل في الشياح. متزوج من تحية حمادة ولهما صبي وبنت.
رحلة بزي مع حركة "أمل" ورئيسها بدأت منذ زمن طويل. مارس التدريس نحو ست سنوات والتحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية. أصبح مسؤولا عن شؤون المعلمين في المكتب التربوي للحركة ومندوبها في الجامعة. عام 1984، وعلى أثر مفاوضات جنيف ولوزان "حط" بري في الدولة وزيرا لشؤون الجنوب واستدعى بزي الى مكتبه، حيث مكث الى جانبه.
الا أن الظروف المادية الصعبة دفعته للحاق بأهله، الذين سبقوه الى الولايات المتحدة بعد أن ضاقت بهم سبل العيش في لبنان. يتوقف نائب بنت جبيل أمام هذه المرحلة، يستعيد محطاتها المرة. يروي بصراحة وبدون احراج كيف عمل عند وصوله على محطات البنزين وفي المطاعم، الى أن اصبح... موظفا في احدى المؤسسات الاميركية الرسمية: "أنه واقع مختلف تماما، المعيار هو فقط العمل والكسب المشروع". ومع العمل ثابر على متابعة تحصيله العلمي في مدارس ليلية وحصل على ماجستير في الادارة العامة. وتابع نشاطه السياسي على صعيد الجالية اللبنانية ومع الادارات المحلية كمسؤول لحركة "أمل" في الولايات المتحدة وكندا.
وخلال اقامته نحو ثلاث عشرة سنة هناك لم ينقطع بزي عن لبنان. كان يتردد من وقت لآخر الى أن تم تحرير الجنوب في أيار 2000.
هل تشعر أن بري كافأك بالنيابة؟
"آمل ان أكون على مستوى الثقة والأمانة. المهم الوفاء والصدق والمثابرة، فالرئيس بري لا يطلب غير ذلك". ويضيف: "يجب أن لا ينسى الانسان جذوره الاجتماعية وما عاناه في حياته".
وهل أنت مرتاح لدورك كنائب؟
"دور النائب تشريعي بطبيعة الحال الا أنك لا يمكن أن تخرج من الواجبات الاجتماعية".
ألا ترى من تقصير في عمل المجلس؟
"لقد انجز المجلس الكثير من التشريعات، خاصة في الشأن الاجتماعي والتربوي. لكننا نشعر بالاحباط أمام عدم تنفيذ القوانين".
ولكن مؤسسات الدولة مشلولة، أليس ذلك نتيجة للمحاصصة؟
"وضع الرئيس بري ورقة اصلاحية في 1997 وتبعها ما تم التوافق عليه في خلوة فقرا (بين بري والحريري)... هناك مؤثرات خارجة عن ارادتنا كنواب".
عاصرت الصدر المؤسس والرئيس بري، ما الفرق بين الإثنين؟
"لا فرق، فقط الظروف اختلفت".
كيف، الصدر أسس حركة لبنانية لا مذهبية ضمت عند التأسيس شخصيات من مختلف الطوائف؟
"بري استكمل بناء مسيرة الحركة وتحقيق ميثاقها وبرامجها. استمرت وطنية جامعة في سياستها، واذا كانت تركيبتها اليوم غير مختلطة فان نهجها ليس مذهبيا".
بزي يعتبر أن مطالبة رئيس المجلس بقانون انتخابي يقوم على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة على قاعدة التمثيل النسبي تأكيد على لاطائفية الحركة.
وماذا عن الديموقراطية في "أمل"؟
يعتبر بزي أن الحركة "قطعت شوطا كبيرا في هذا المجال، الانتخابات باتت هي الأساس في اختيار المسؤولين والكوادر من القاعدة الى القمة، والقرارات تتخذ بعد نقاشات وحوارات مستفيضة...".
لماذا اذن تم طرد محمد عبد الحميد بيضون ومحمود أبو حمدان بهذه الطريقة؟
"لقد اتبعت في هذه القضية الأصول التنظيمية التي ينص عليها النظام الداخلي".
لماذا لم يتم الاستماع الى وجهة نظرهما على الأقل؟
يصر بشيء من الامتعاض على اعتبار "الاجراء تنظيميا ولا شيء شخصيا فيه والحركة لا تسمح بتغطية أي مرتكب أو متجاوز، والمسألة باتت من التاريخ".
هل لديك صداقات خارج السياسة؟
"بالتاكيد، ألتقي باستمرار مع رفاق الجامعة ودار المعلمين".
مثل من؟
"علي وهبي، خليل عجمي، سعد الدين سرحال
وماجد فران وآخرين".
لا بد أن لك هوايات اذن.
هنا تكمن المفاجأة، إذ يتحول النائب الى شاعر. يقوم اخيرا من مقعده، يفتح أحد الأدراج ويلقي علينا قصائد وجدانية ووطنية... ويكشف أنه كان يعد نصوص برنامج "ابن البلد" للفنان أحمد الزين كما أنه يهوى كرة القدم ويتابعها بشغف. يؤكد بزي أن لا مداخيل لديه خارج مخصصه كنائب.