 |
شُيّد مقام خلوات البيّاضة منذ أكثر من ثلاثة قرون ونصف قرن، أسسها الشيخ سيف الدين شعيب على تلة تقع جنوب غرب حاصبيا في موقع يسمى البيّاضة. ومع مرور الزمن تحوّلت هذه الخلوة إلى مجموعة خلوات اقتداء بالشيخ سيف الدين الناسك.
يبلغ مجموع الخلوات القائمة اليوم نحو 50 خلوة، تقتصر الاقامة فيها على رجال الدين وطلاب العلم والزهد. وعلى الطالب أن ينفق على إقامته من ماله الخاص لا من مال الوقف.
ومن الخلوات في البيّاضة ما هو ذُرّي لعائلات، ومنها ما خُصّص للمناطق مثل خلوات جبل العرب في سوريا، وخلوات فلسطين التي شيّدت منذ ما يزيد على 170 سنة، وخلوة جبل لبنان.
ويذكر أن السيدة الوحيدة التي سمح لها ببناء خلوة في البيّاضة، هي الست أم علي نايفة جنبلاط. لكنها لم تُقِم فيها، إنما وقفت مجموعة من العقارات كي تنفق في سبيل الخير، وبعد مماتها دفنت في البيّاضة.
يقول الشيخ فندي شجاع، أحد مشايخ البيّاضة، "إن الطالب يبدأ بتعلّم آداب الدين وأدب العين وآداب الأذن وأدب اللسان وأدب اليد وأدب الرجل وآداب البطن، فتكتمل هذه الآداب مجتمعة في سلوك الطالب.
ولا يقتصر طلب العلم على الأحداث بل يتعدّاه إلى البالغين. وباستطاعة المرء أن يمضي حياته طالباً المزيد من العلم والمعرفة".
ويضيف "الصلاة هي الصلة بين الخالق والمخلوق، وتقود إلى التقوى، والتقوى تقود إلى الحكمة، والحكمة تقود إلى المعرفة، والمعرفة تقود إلى السعادة. فهنيئاً لمن عرف ربه فعبده حق عبادته وأتقاه حق تقاته".
ويتابع "وللصلاة في البيّاضة مواقيت هي فرض، إذا تعذّر على المصلي إقامتها في وقتها يمكنه تعويضها في أي وقت يُتاح له".
والزكاة من الفرائض، وعلى الموسر تأديتها بكل طيب خاطر وفرح والأجمل والأفضل أن تكون صَدَقة سرية لا يعرف بها إلا أصحابها والله سبحانه وتعالى".
دور البيّاضة الاجتماعي
لعب مشايخ خلوات البيـّاضة خلال الأحداث التي عصفت بالمنطقة والوطن دوراً مهماً في تعزيز الألفة واللحمة والمحبة والتسامح وفق ما يفرضه الدين الحنيف.
وقدر البياضة اليوم أنها على إحدى التلال قبالة مزارع شبعا المحتلة حيث تختصر المواجهة العربية ـ الإسرائيلية.
وفي هذا الاطار يقول شجاع "ندعو أهلنا إلى الصبر والثبات في أرضهم، لأن الثبات مطلوب منا أولاً نحن أبناء هذه الأرض. وهذا قدرنا وعلينا مواجهته بصبر وشجاعة وحكمة. ما تحلى به مشايخ البيّاضة من حكمة ونصرة للحق، حوّلهم إلى محكمة دائمة لا سيما خلال الأحداث، فعملت لحل المشكلات ضمن إطار الطائفة وغيرها من الطوائف الأخرى. والواقع الاجتماعي في منطقة حاصبيا شاهد على هذا الدور".
ورأى شجاع "أن البيّاضة تحرص أشد الحرص على العيش المشترك والوحدة الوطنية والتلاحم بين الشعب والجيش والمقاومة لمواجهة الظروف الصعبة التي تعصف بالمنطقة. فالوحدة الوطنية هي السلاح الأمضى والأفعل في هذه المرحلة. وتشعر البيّاضة مع كل المواطنين اللبنانيين في مواجهتهم للأزمة الاقتصادية. وتتمنى أن يلهم الله المسؤولين ما فيه مصلحة الوطن ويهديهم إلى السبل التي تنقذ الشعب في محنته الاقتصادية.
وقال "الجنوب هو الأشد معاناة وتعرّضاً للاعتداء. والواجب الوطني يفرض على الهيئات الرسمية والأهلية الوقوف إلى جانب المواطن الجنوبي في دعم ثباته لا المزيد من الضرائب.
حرم خاص بالخلوات
قبل نحو سنة صدر المرسوم الجمهوري الذي يحمل الرقم 9525، ووقعه رئيس الجمهورية في 30 كانون الثاني 2003. وبموجبه يمنع البناء حول خلوات البيّاضة في دائرة قطرها ألف متر، لتبقى هذه المساحة بمثابة حرم خاص بالخلوات". وشكر شجاع الرئيسين إميل لحود ورفيق الحريري وكل الذين أسهموا في المرسوم.
محطات في تاريخ البيّاضة
توالى على خلوات البيّاضة منذ ما يزيد على ثلاثة قرون مشايخ أجلاّء وزهّاد أتقياء عرفوا بالعبادة والتسامح، ولعبوا دوراً دينياً واجتماعياً بارزاً، لا سيما خلال النصف الثاني من القرن الماضي، فسجل الشيخ جمال الدين شجاع محطات وطنية بارزة في تاريخ منطقة وادي التيم زمن الاحتلال، بمواقفه الوطنية الرافضة لهذا الوجود.
ورأى الشيخ غالب قيس أن مشايخ البيّاضة من حيث موقعهم الديني الذي يرتّب عليهم مسؤوليات أخرى اجتماعية وأخلاقية ووطنية، لا يألون جهداً في تتبع الأحداث في وطنهم الذي يتمسكون به بشدة.
وقال "إن البيّاضة لعبت دوراً وطنياً كبيراً أثناء الاحتلال الإسرائيلي بما كانت تقوم به من توجيه وطني وتحريم صارم لأي دور يتنافى مع مصالح الوطن، مع التشدد في وجوب صون الوحدة الوطنية".