
رئيف كرم |
بعد عشرة أعوام أمضاها بعيدا عن خشبة المسرح، إثر إنجازه “تكوين” في العام 1994، يستعدّ المخرج المسرحي رئيف كرم لتقديم “عاشوراء” في العاشر من محرّم، الذي يُصادف أحد اليومين الأولين من آذار المقبل، وذلك في النبطية، بمشاركة ممثلين لبنانيين، أمثال عمار شلق (الحسين) وخالد السيد (ابن سعد) وبديع أبو شقرا (علي الأكبر) وباسم مغنية (القاسم) ووفاء شرارة (السيدة زينب)، يؤدّون، للمرّة الأولى في التاريخ العريق ل”احتفالية عاشوراء”، أدوارا اقتصر تقديمها على أبناء البلدة.
في هذه المناسبة، التقت “السفير” رئيف كرم في هذا الحوار.
* منذ وقت طويل لم تقدّم عملا مسرحيا واحدا.
- لديّ عمل جاهز للتنفيذ، منذ عشر سنوات، بعنوان “تكوين”، وهو المشروع الأكمل الذي لم أقدّم منه إلاّ جزءا صغيرا، في العام 1994. لسوء الحظّ، لم تتوفر لي، لغاية اليوم، الإمكانيات المالية اللازمة لتنفيذه كاملا. اشتغلت عليه كثيرا، على مدى أعوام طويلة، وهو جاهز للتنفيذ.
هناك سبب آخر أيضا، وهو المناخ العام المسيطر على البلد. هناك تراجع فني وثقافي شهدته بيروت في خلال الأعوام العشرة الماضية. ربما لهذا لا يوجد إنتاج، أو مصدر مالي، أو منتج مرئي. لا أعرف ما الذي يفعله الذين يقدّمون أعمالهم؟ من أين يحصلون على الإنتاج؟ لعلّهم بحاجة إلى إمكانيات بسيطة، أو إنهم يكتفون بميزانيات متواضعة، لا تفي بالمطلوب. أنا لا أطلب كثيرا، لكن المسرح في لبنان مُكلف، كما هو مُكلف في أي بلد غني. قدّمت مشروع “تكوين” صغير، بإمكانيات ضئيلة وفّرها لي “معهد الفنون الجميلة” (الجامعة اللبنانية). هذا إنتاج أكاديمي، بقي في حيّز الاختبار. لهذا، قدّمته ليومين فقط على خشبة “مسرح بيروت”، لأنه لم يكن عملا مهنيا احترافيا، أو مُعدّا للجمهور العريض. حتى اللحظة، لم تتوفر لديّ إمكانيات معيّنة لتقديم المشروع الأكمل.
* كيف حدث أن حصلت على مشروع “عاشوراء”؟
- انتظرت العمل في مشروع عاشوراء منذ أن شاهدت هذه الاحتفالية للمرة الأولى في العام 1974. منذ ذلك الحين، وأنا أنتظر أن يسمح لي الجو، أو الإطار الديني، أن أتعامل مع مشروع كهذا يهمّني. في هذا العام، بدت “لجنة عاشوراء” في النبطية، بإشراف الشيخ عبد الحسين صادق، مستعدّة ل”تثوير” الجانب الفني في هذا العمل المسرحي المتوارث منذ أكثر من خمسين عاما. حصل اللقاء، وباشرت العمل.
“مسرح الفخامة” هاجسي
* أنت قادم إلى “احتفالية عاشوراء” من عالم مسرحي مختلف تماما.
- دخلتُ على مناخات مشابهة لمناخات عاشوراء منذ بداية أعمالي، وتحديدا منذ عملي الأول “يوم الحصاد”، الذي قدّمته في العام 1977. كان العمل نوعا من احتفال في قرية “الجاهلية”، احتفال عضوي بعلاقته بالقرية التي أصبحت يومها، بمساحتها وهندستها وناسها المشاركين في العمل، جزءا كبيرا من العرض. هذا نوع من العرض، نسمّيه اليوم “مسرح الفخامة”، كان هاجسي الدائم. وثبت هذا الهاجس منذ وقت “الجاهلية”، مرورا بمسرح الشارع الضخم في بيروت، مع طواف العام 1984 في شارع الحمراء، امتدادا إلى المنارة. والاحتفال المسرحي بولادة شوشو في العام 1988، أمام مستديرة المودكا الويمبي.
* هل ستستعين بأدوات عالمك المسرحي الخاص في “احتفالية عاشوراء”؟
- بالتأكيد. فالعلاقة ب”مسرح الفخامة” تبدأ، بشكل أساسي، من عضويته مع المدينة، وهي هنا النبطية. هذا مسرح متوارث منذ خمسين عاما، وله حضوره المتميّز بالمشاركة، أي بالصلاة. سيُقدّم العمل في مكان عام وليس في مسرح مغلق، اسمه البيدر، مساحته كبيرة (100 م م ب100 م م تقريبا)، وجمهوره مؤكّد، يتجاوز عدده خمسين ألف مُشاهد. أضف إلى ذلك أن عدد الممثلين المشاركين في العرض يُمكن أن يتجاوز ال200، بين شخصيات أساسية ومجاميع جيوش ابن سعد وآل البيت. هناك الدمى التي سيبلغ علوّها سبعة أمتار، والشاشات الكبيرة. هذه كلها عناصر عرض مسرحي يجري في خارج المكان المغلق، ويتعامل مع البيئة العمرانية، ويستوحي من عاشوراء مادته الأصلية، ومن الاحتفالات المتشابهة كلّها، وصولا إلى ما هو حديث، على غرار ما يجري في افتتاح الدورات الأولمبية. لهذا كلّه، لا أعتبر نفسي دخيلا على هذا المشروع، الذي أنتظره منذ زمن.
أرى أن “احتفالية عاشوراء” تستأهل التفاتة من المسرحيين، لعلها جاءت اليوم متأخرة. مع هذا، فمن الأفضل أن تأتي متأخرة من ألاّ تأتي أبدا. لأن مسرحا كهذا، يقف على حافتي الطقس الديني والمسرح، في آن واحد، يُعتبر ظاهرة فنية ومسرحية مهمّة في المسرح اللبناني، كان يُفترض بالمسرحيين اللبنانيين أن يتعاملوا معها منذ بداية المسرح اللبناني في الستينيات. فاحتفالية عاشوراء تستحق هذه الالتفاتة من جيل الروّاد، بدل البحث هنا وهناك عن نوع من المسرح يلائم المجتمع اللبناني. هذا مسرح موجود، له العناصر الفنية كلّها، وجمهوره مهم. لا أعتقد أن هناك عملا مسرحيا في لبنان يُمكن أن يشاهده 100 ألف مُشاهد. لهذه الاحتفالية جمهورها، ومن المؤكّد أن عدده يتجاوز ال50 ألفا.
أتمنى هذا العام أن تنفتح “احتفالية عاشوراء” على الجمهور العريض، غير المحصور بالطائفة الشيعية، أو بمنطقة النبطية. أتمنّى أن يكون هناك جمهور من الطوائف كلّها، والمناطق المختلفة. طموحي أن تكون هذه الظاهرة لافتة لنظر الجمهور الأجنبي الغريب عن لبنان، الذي يهتمّ بهذا الشكل الفني الإتنوغرافي، النابع من طقوس دينية شيعية إسلامية ذات طابع لبناني عام، ومناطقي بشكل خاص، بلهجته وبيئته، كما من حيث إنتاجه ومحليته. له طابع “نبطاني” (من النبطية)، مثله مثل سائر المسارح العريقة في الشرق أو الغرب. أصل المسرح الغربي كلّه موجود في الطقوس الدينية اليونانية. وإنطلاقا منها، نشأت التراجيديا اليونانية، ثم الكوميديا.
يُمكن أن تكون “احتفالية عاشوراء” مؤشّرا لولادة مسرح جديد في لبنان، له خصائصه المميزة.
التثوير الفني متنوّع
* إنها المرّة الأولى التي يُمثّل فيها ممثلون محترفون في “احتفالية عاشوراء”.
- للمرة الأولى تُفتح أبواب التجديد والتحديث في بنية العرض الاحتفالي (عاشوراء)، من قبل لجنة عاشوراء. فالشيخ عبد الحسين صادق أعطانا الضوء الأخضر لإحداث التغيير الفني بحرية لا تقيّدها إلاّ المحافظة على الطابع الرصين المقدّس الخاص بهذا العرض. وهذه لا أعتبرها حدودا تُكبّل العمل، بل على العكس إذ إنها في جوهر العمل، لأن العرض المسرحي يقوم أساسا على هذه العلاقة بالجمهور. في “احتفالية عاشوراء”، الجمهور مؤمن يمارس، في اليوم العاشر من محرّم، طقسه الموسمي السنوي (مقتل الإمام الحسين وآله وصحبه).
في هذا العام، لأول مرّة، يقوم ممثلون محترفون، بمشاركة “الممثلين” الأصليين من أهل النبطية، بأداء العمل. لأول مرّة، يقوم الموسيقيّ نجيب شيرادي (فرقة “وشم”)، المعروف عربيا وعالميا، بتأليف الشريط الصوتي الموسيقيّ للعمل. لأول مرّة، يتمّ إدخال عناصر سينوغرافية ضخمة في العمل، كالدمى الكبيرة والشاشات البيضاء والمجاميع. فالدمى تلعب دورا دراميا أساسيا في تمثيل يديّ العبّاس المُقطّعة ورأس الإمام المجزّ، المرفوعة على حراب. في حين أن منطلق العرض شاشات بيضاء تُلطَّخ بالدماء عند مقتل رسول الإمام إلى أهل الكوفة، في بداية العرض. وتمثّل المجاميع (الكتل البشرية) جنود أهل الكوفة وآل البيت. لأول مرّة، تدخل جوقات “اللطّيمة” (اللطم) و”الندّيبة” (الندب)، النسائية والرجالية، في العرض. لأول مرّة، يظهر الدور النسائي للسيدة زينب ولجوقتها النسائية. قبل ذلك، اقتصر الدور النسائي على حضور السيدة حسيبة الراحلة.
* قبل اختيارك لتقديم “احتفالية عاشوراء” في هذا العام، قدّمها مسرحيان آخران هما مشهور مصطفى وحسام الصباح.
- جرى التعامل مع “احتفالية عاشوراء” سابقا من قبل المخرجين الصديقين مشهور مصطفى وحسام الصباح. لكن، لم يحصل في السابق هذا التغيير الذي يحصل الآن.
أنا لا أتعامل مع الاحتفالية من الخارج فقط، بل أصرّيت على بقاء نصف الممثلين من أهل النبطية، مثلما أصرّيت على حضور النص السابق (مع إجراء تعديلات عليه). أنا أتعامل مع عاشوراء من الداخل. لم آت لأنسفها، بل لأثوّرها من الداخل. ومثلما قلت: أهم شيء في عاشوراء هو المحافظة على هذا البعد الموسمي الديني، وعلى العلاقة العضوية بين العرض وأهله (أهل النبطية والجوار أساسا). هذه العلاقة اجتماعية دينية، يهمّني أن أحافظ عليها وأن أربح جمهورا إضافيا. لا وجود ل”احتفالية عاشوراء” من دون أهلها، وهم أهل النبطية والطائفة الشيعية. هذه النقطة إيجابية. المسرح اللبناني اليوم يبحث عن جمهور. الناس في النبطية علاقتهم حميمة للغاية بعاشوراء.
* أين أصبحت التحضيرات؟
- نحن الآن في طور إنهاء الشريط الصوتي من حوارات وندبيّات. في الأسبوع المقبل، نبدأ العمل على إخراج الصورة، بمعنى حركة المُمثلين والمجاميع والسينوغرافيا. عملية معقّدة.
العمل على الشريط الصوتي استغرق نحو شهرين، وأمامنا شهر ونصف لإنجاز حركة الممثلين والسينوغرافيا.