منذ لحظة الإعلان عن صفقة التبادل وأهالي الأسرى لم يهدأ لهم بال ولم تخل منازلهم من المهنئين من أقارب وأصدقاء، وتوالت الاتصالات من داخل لبنان وخارجه حتى منتصف الليل لتستأنف مجددا عند الصباح، فيما بدأ المقيمون في بلاد المهجر من أشقاء وأقرباء الأسرى بالاستعداد للمجيء وملاقاة المحررين المتلهفين للحرية ووجوه الأحباب بعد طول انتظار.
أم علي: كنت تحت الأرض والله نشلني
في بلدة صديقين حيث تقيم عائلة الأسير علي بلحص الذي تحتجزه قوات الاحتلال منذ ثلاثة عشر عاما، إثر قيامه بعملية في منطقة القوزح ضد أحد مواقع الاحتلال، أدت إلى مقتل ضابط إسرائيلي وجرح ثلاثة آخرين، فيما استشهد مقاوم آخر من آل شهاب وأصيب بلحص بجروح بالغة أدت إلى بتر القسم السفلي من رجله.
والدة الأسير فاطمة بدت تائهة غير مصدقة وهي التي يئست من عودة ولدها بعد صدور حكم عليه بالسجن تسعة وتسعين عاما، تقول: ولدت من جديد، كنت تحت الأرض والله نشلني من هذه العتمة، ظننت أنني لن أرى علي طالما أنا حيّة. لكن الله رأف بي وجعلني من الصابرين لأنال جزائي وأراه أخيرا، داعية ل”السيد” بطول العمر لأنه حمل قضية الأسرى وبذل الكثير لعودتهم إلى أحضان أهلهم، مشيرة إلى أن آخر رسالة وصلت من علي قبل خمسة أشهر جرحت قلبها لأنها لمست فيها معاناته المستمرة، خاصة عندما أخبرهم عن الحرارة التي تشبه جهنم في السجن الذي أبقته فيه قوات الإحتلال في صحراء النقب لفترة طويلة.
أم يوسف تعد المرقوق على الصاج
أم علي والدة المعتقل يوسف وزني الذي اعتقل من محيط بلدته تبنين عام 1988، لم تستطع أن تفرح كما يجب، فهي منشغلة بزوجها المريض الذي بدأ يفقد السيطرة على تصرفاته منذ فترة كما تقول، لقد أضناه فراق يوسف وساهم في استفحال مرضه العصبي، خاصة وأنه اعتقل معه لفترة وذاق مرارة التعذيب وذل الاحتلال.
تقول: كنت دائما بانتظار يوسف لا سيما بعد أن انتهت مدة حكمه المقررة خمسة عشر عاما، لم أفقد الأمل لأنه لم يعتقل في جرم مشهود أو في عملية بل أخذوه من البلدة بتهمة انتمائه إلى المقاومة المؤمنة، كنا فخورين به لكنه تعذب كثيرا وظل تحت الأرض ست سنوات كما أخبرنا في آخر رسالة وصلتنا منه عام 2000، وبعدها لم نعرف شيئا عنه إلا من المحررين الذين سبقوه وأخبرونا عن الظروف الصعبة التي عاشها في الظلمة منعزلا لسنوات.
تضيف: “أبلغنا شقيقه في أميركا بخبر الإفراج القريب واتصلنا بكل إخوته وكلهم سيكونون في انتظاره في المطار وأنا سأعد له المرقوق على الصاج الذي كان يحبه، كما سأعيد ترتيب أغراضه التي وضبتها في صناديق قبل ستة عشر عاما لكي لا تتلف ولتبقى له ويراها بعد عودته كما كانت.
جواد سيعود مفتقداً “جميلته”
من تبنين إلى السلطانية حيث امتزج الفرح بالحزن في منزل الأسير جواد قصفي، الذي اعتقل منذ ستة عشر عاما، ولم تتسن له رؤية وجه جميلة، طفلته التي ولدت أثناء وجوده في المعتقل، وكبرت وترعرعت على حلم عودته وملاقاته قبل أن يأخذها الموت منذ اكثر من عام وهي في الثالثة عشرة من عمرها، من دون أن يتحقق الحلم ومن دون أن يتمكن جواد تعويضها سنوات الفراق كما كان يعدها في كل رسائله التي وصلتها من داخل زنازين الاحتلال.
فضيلى زوجة جواد هي الأكثر تحمسا وقلقا كما تقول، فالأخبار صدمتني ولا زلت ضائعة لا أعرف ما أفعل وكيف أخطط وأرتب أفكاري، ومنذ أن علم الجميع بالنبأ والمنزل يغص بالزوار، لكنني وسط كل ذلك أشعر بحسرة كبيرة لأنني سأستقبل جواد وجميلة ليست هنا، لا تمسك بيدي وتخفف عني وطأة الانتظار والرهبة، لقد حرمها الموت من حلم راودها برؤية أب طال انتظاره وحرم الاحتلال جواد من أمل وسبب للحياة وتحمل العذاب والذل في زنازين الموت والرعب، كانت جميلة فخورة إلى حد كبير بوالدها المقاوم وكانت تكتب له ذلك، وهو كان يبادلها الإحساس بالفخر ويدعوها للإيمان بالله وبالأرض ويحثها على حب الوطن والعمل في سبيله.
لقد أحدث موتها بعد معاناة طويلة مع المرض صدمة لجواد الذي عاش هذه المأساة وحيدا من دون مواساة، وهو يكتب لي كل مرة عن حسرته وحزنه العميق، ويحسدني لأني رأيتها وقبلتها ولمست يديها وهو لم يتمكن أبدا من فعل ذلك، سيتحرر جواد وهو يتوقع في كل رسائله العودة إلى ارض الوطن، لكنه سيعود وفي قلبه غصة بعد أن فقد حلمه الكبير وسببه الأول في الاستمرار بعزم وتحد.
“أم أنور” قلبها جاهز .. وصحن “الفراكة”
 |
في آخر رسالة بعثتها اليه قبل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق التبادل كتبت له: “نام يا أنور.. كتر النوم وشباع نوم. أنا بدي سهرك ومش رح خليك تنام ومش رح إشبع منك”.
اليوم ومع اقتراب عودته، عدلت ام انور ياسين نواياها وخططها. سيحصل انور على ما يريده “كل شي بيريحه وبيبسطه بدي اعمله، حتى لو بدو ينام رح خليه ينام، المهم يعوض عذاب السنين”.
دموعها لم تزل تستغفلها لتنساب في “أخاديد” حفرها القهر لا العمر. قهر لم ينل من عزيمتها بعد سبعة عشر عاماً من الأسر، وإن كان الشوق والخوف من الرحيل قبل تكحيل العين برؤية الطفل الذي سيعود رجلاً قد أقلقاها. “طلبت من الله ان يمد بعمري فقط لأرى انور وأحضنه وبعدها يصطفل”.
بعد ان تحتضن “بطلها” الخميس المقبل ستكون “طميعة”، تقول ممازحة، “بدي إعمل لايحة جديدة وابعتها لفوق، بدي قول له ممنونتك كتير على تحقيق حلمي، بس بعد عندي طلب أخير.. بدي تسمح لي زوج انور واحمل ولادو متل ما حملت ولاد اخواتو”. يعني العروس جاهزة؟ “ما جاهز إلا قلبي.. وكمان صحن فراكة جنوبية ولحمة ملسة بالتوم مع زيت من زيتون “الدلافة”.
في آخر عملية لتبادل الأسرى، رآها كثيرون تسرع الخطى بقدمين حافيتين نحو باص العائدين فخافوا عليها من الصدمة لأن الصفقة لم تشمل انور، أما هي فكانت تعلم وكانت هناك “لأنهم ابنائي ايضا”، كما قالت، “وذهبت أشم فيهم رائحة انور وأرى عبرهم بعض ملامحه”.
لن يكتمل التحرير عندها حتى مع احتضانها لأنور بعد كل هذه السنوات، “فالأرض لا تتحرر وأبطالها في الأسر. وسمير القنطار أول الأبطال ورح ضل ناطرتو متل ما نطرت انور”.
زوجة الديراني.. قلق حتى الخميس
لم تبد علامات الفرح الغامر على زوجة الديراني عندما استقبلتنا في منزل العائلة في بئر العبد، كما فعلت زوجات المعتقلين الآخرين. اكتفت بابتسامة بسيطة وبالقول “إن شاء الله يأتِ يوم الخميس على خير وتبقَ الأمور ميسرة”.
بقيت العائلة ثماني سنوات لا تعرف شيئا عن أسيرها باستثناء بطاقة أرسلها عن طريق الوساطة الألمانية بعد سنتين على اعتقاله كتب فيها أربعة أسطر بخط يده، كان حينها في سجن تابع للمخابرات الاسرائيلية يدعى سجن الصرفند. وعام 2000 نقل الى سجن كفريونا في حيفا هو والشيخ عبد الكريم عبيد، فيما اعتقل باقي الأسرى اللبنانيين في سجن نفحة الصحراوي، تبنتهم أمهات فلسطينيات كان لديهن أبناء في السجن وبقين صلة الاتصال بين الأهل والأسرى عبر الهاتف الى الآن.
تدرّس زوجة الديراني في احدى المدارس الرسمية وتتلقى مساعدات من مؤسسة الشهيد التي تعنى بعوائل الأسرى والشهداء والجرحى، وتنشغل الآن باستقبال الاعلاميين الذين تهافتوا الى المنزل لمعرفة كيف تتعامل العائلة مع خبر اطلاق واحد من أشهر الأسرى الذين ما زالوا في المعتقل بعدما اختطفته مجموعة كوماندوس اسرائيلي من منزله في قصرنبا في البقاع عام 1994، في محاولة للحصول على معلومات عن الطيار الاسرائيلي رون أراد.
والدة مصطفى محمود.. أسيرة محررة
وحدها والدة الأسير مصطفى محمود تبعته الى سجنه لدى اعتقاله وهو في السادسة عشرة من عمره بعد عملية أطلق عليها في حينه عملية الشهيد الحر العاملي. اعتقل في قريته كوكبا عام 1988 لتعاونه مع رجال المقاومة وهدمت الميليشيات التابعة للاحتلال منزلهم، واعتقلت أمه ونقلتها الى الخيام ثم الى سجن يدعى سجن الجرمق
داخل فلسطين المحتلة. سألوها ماذا تعرف عن ابنها وماذا كان يفعل وعندما أجرت القوات الاسرائيلية لقاء بينهما صرخ: “دخلكم لشو جايبين أمي لهون”. اعتقلت الأم لمدة شهرين وعشرة أيام، لكن صرخته ما تزال ترن في أذنها، هو صغيرها وكان تلميذا في المدرسة عندما اعتقل. تمكث في منزل أحد أبنائها في برج البراجنة بعد تدمير منزلهم في كوكبا، ومنذ أن عرفت بنبأ الافراج عنه تدور في غرف المنزل ولا تعرف ماذا تفعل، تنظر الى الصورة وتشعر بأن نارا تشتعل في صدرها، تضع رأسها على الوسادة لكنها لا تعرف الى النوم سبيلا. تدعو الى ربها أن يهدئ خاطرها حتى يوم الخميس، لأنها تريد أن تستمتع بلحظة اللقاء.
والدة فادي ترابط قبالة الشاشة
 |
لا تدري عائلة فادي الجزار كيف ستستقبل ابنها في منزلها الصغير في برج البراجنة، هو عبارة عن مدخل وغرفتين مجاورتين، لذلك يفكر أخوته بنصب خيمة على سطح المنزل تتسع للضيوف، لم يقصد منزلهم الاعلاميون بكثرة لأن الابن ليس بشهرة عبيد والديراني، لكن الأم عندما تبلغت نبأ الافراج عنه منذ فترة أعادت طلاء المنزل وترتيب الأثاث البسيط، وتقضي وقتها أمام شاشة “المنار” تتابع الأخبار.
اعتقل فادي في عملية للجهاد الاسلامي عام 1991 عندما تخطى الحدود اللبنانية باتجاه فلسطين المحتلة واعتقد أهله أنه استشهد لكنهم فوجئوا بصورة له نقلتها قناة “ال. بي. سي.” عن التفزيون الاسرائيلي خلال التحقيق معه وعرفوا عندها أنه أصيب، وقد أرسل أول صورة لأهله عبر الصليب الأحمر وهو جالس على كرسي فاعتقدوا أنه مقعد ولم يطمئنوا الى وضعه الصحي الا بعد الافراج عن الأسير عادل ترمس، سألوه بإلحاح حينها عن وضعه الصحي فطمأنهم الى سلامته، وهو من محبي ممارسة الرياضة مع الأسير مصطفى محمود الذي تحول الى صديق خاص له في السجن.
من عكا التي نزح عنها أهله الى سجن نفحة، ثم الى برج البراجنة، رحلة طويلة جدا على شاب بدأ حياته عامل مطبعة، عمره الآن واحد وثلاثون عاما، أمضى منها ثلاثة عشر عاما، أي نصف عمره تقريبا في الاعتقال.
والدة سكاف تناشد
“وأنا على فراش المرض الذي حمله إلي تقدم العمر في انتظار ولدي يحيى، سمعت أن الأسرى سيطلقون، لكني سألت فلم أجد اسم ابني بينهم، وأنا التي انتظرت ستة وعشرين عاماً لحظة رؤيته قبل أن أودع الحياة الدنيا.
عمري الباقي، والأعمار بيد الله، لم يبق منه ما يكفي لانتظار جديد، فأرجوكم يا سادة، أن ترأفوا بقلب أم ضعيف، وأن تنقذوا عينيّ من العتمة الطويلة قبل أن تقفلا على دموعي التي لم تجف ولن تجف حتى الرمق الأخير.
لا أدري لمن أتوجه وأنا التي زحفت طيلة خمسة وعشرين عاماً إلى كل بصيص أمل ولم أتعب ولن أتعب. لا أدري من أتوسل حتى يساعدني على لقاء ولدي. لا أدري لمن ألجأ كي يشفى غليلي بنظرة إلى ولدي، بضمه إلى صدري، بحضنة واحدة أتوسلها.
يا حضرة الوسيط الألماني، ابني يقبع في السجون الاسرائيلية منذ أكثر من خمس وعشرين سنة ولا تصدق كذبهم فكل من خرج من الأسر أكد أن يحي موجود، والصليب الحمر يعرف ذلك.
يا أخي السيد حسن نصر الله، بارك الله جهودك فأكمل ما بدأت لإسعاد أمهات الأسرى، ولكني حزينة جداً فأنا لم أعرف السعادة ولن أعرفها إلا بعودة يحي محرراً من غياهب السجون الاسرائيلية.
ويا أيها المسؤولون في الصليب الأحمر الدولي، أرجوكم أن تنقذوا ابني، وأنتم تعرفون مكان يحي ووضعه الصحي.
ويا رب العالمين أتوسل إليك أن تطيل في عمري ما يكفي لرؤية ضناي المخطوف”.