أمران لا ينساهما حسن العنقوني:
تاريخ اعتقاله والتعذيب الإسرائيلي

الحياة -- (الأحد، 1 شباط «فبراير» 2004)

ناجية الحصري

حسن العنقوني
العنقوني محتضناً ولديه مريم ويحي
لحظة وصوله الى بيروت

     الشوارع المؤدية الى مجمع الأمير السكني في محلة المريجة في ضاحية بيروت الجنوبية حيث أمضى الأسير المحرر حسن العنقوني ليلته الأولى مع عائلته بعد فراق دام 16 عاماً, كانت لا تزال حتى صباح أمس, مغطاة بطبقة من حبات الرز التي نثرها أهالي الحي على موكب "أبو يحيى" العائد.

صوره بلحيته الكثة ونظراته التي تحمل حزناً عميقاً على خلفية شعار "حزب الله" والمذيّلة بلقب "بطل معركة ميدون" (1988) غطّت الجدران الخارجية للمبنى والدرج المؤدي الى المنزل الذي فُتح بابه على مصراعيه أمام مهنئين بدوا أنهم لم يفارقوا المنزل منذ وصول العنقوني إليه.

كان "أبو يحيى" يستقبل زواره بـ"البيجاما", إذ لم يمهله أحد لاستبدالها بثياب صباحه الأول في منزل اشترته العائلة أثناء أسره وبمساعدة من "حزب الله" الذي يعتبر العنقوني أحد كوادره.

لا يبدو "أبو يحيى" منقطعاً عن أحداث العالم على رغم قضائه 16 سنة في سجون تنقّل بينها حتى استقر في نفحة الصحراوي. ويعرف الصحف اللبنانية والعربية من خلال شاشات التلفزة الموجودة في السجن والمفتوحة على أقنية فضائية عربية. وليس هناك بالنسبة اليه اكثر صعوبة من فراق عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار الذي أمضى معه أربع سنوات في زنزانة واحدة: "فنحن تركنا أخوة فلسطينيين, لكن الأخ سمير هو الصدمة الأساسية لنا, وكان من المفترض ان أحمل كتباً منه الى أهله ورسائل الا ان ادارة السجن رفضت حتى انها منعتنا من أخذ أغراض خاصة بنا, كانوا يريدون ان ينغّصوا علينا فرحة إطلاقنا بأي وسيلة, والتفتيش الذي كان يتوجب عشر دقائق امتد الى ثلاث ساعات, حتى الأوراق العزيزة علينا مثل رسائل أهالينا الينا أو صورهم حرمونا من أخذها معنا, كان لدي شريط كاسيت مسجل من والدي قبل وفاته منعوني منه. حتى كدنا نتخذ قراراً جماعياً بأننا نرفض مغادرة السجن وأبلغناهم نيتنا هذه لأننا نرفض إذلالنا وعندما ضغطنا فإن بعض الضباط الاسرائىليين أظهر مرونة معنا".

لا ينسى الأسير العنقوني تاريخ اعتقاله في 4-5-1988 في معركة ميدون الشهيرة حيث دار اشتباك بين المقاومة الإسلامية والاحتلال الاسرائىلي في البقاع الغربي وحصلت مواجهات عنيفة أدت الى إصابة ابن شقيقه الذي كان يقاتل الى جانبه وحينما تقدم لانقاذه أصيب برجله ونزف كثيراً حتى فقد الوعي وحينما أفاق أدرك انه في الأسر. وكان الاسرائىليون نقلوه الى الخطوط الخلفية وحاولوا معالجته من اصابته من خلال المصل ووحدات دم واثناء ذلك بدأ التحقيق معه وكان الضابط الاسرائىلي يكرر أمامه "اننا جعلناك تحيا من جديد وكنت أردد بدوري ان الله شاء ذلك وليس أنتم وكنت أتمنى لو ان الدبابات تمر فوق جسدي ولا ان تدخلوا الى بلدة الطيبة".

لا يستطيع "أبو يحيى" ان يصف التعذيب الذي تعرّض له بعد ذلك ومدى الألم الذي كان يصيبه, "فأثناء التحقيق الميداني كان المحققون يضربونني على رجلي المصابة ببندقية "ام 16" أو يرمي احد الجنود نفسه على مكان الإصابة أو يدوس برجله عليها محاولين استدراجي الى أجوبة عن عدد الشبان الذين كانوا معي في المعركة ونوع الأسلحة التي بحوزتهم وكنت أتمسّك في إجابتي بأنني كنت ماراً في طريقي الى عملي وفضلت الشهادة على الادلاء بأي معلومة عن الشباب".

أدى التعذيب الذي تعرض له أثناء التحقيق وبعده الى عطل أصاب عصب رجله. وهو يصف ما حصل بأنه "نقطة ماء" لا تقارن بما تعرّض له لاحقاً على ايدي عملاء اسرائيل في ثكنة العيشية ثم في ثكنة مرجعيون والذي كان يستهدف رجله المصابة. ولا ينسى "بعض العملاء الذين كنت أعرفهم وهم من بلدتي مشغرة وكانوا يدّعون انهم مسافرون الى البرازيل وإذ بهم في داخل الشريط الحدودي عملاء للحد واسرائيل". والعذاب يتكرر في سجن الخيام ثم في الداخل ولا سيما التعذيب النفسي "حيث وضعت في غرفة لا تزيد مساحتها عن متر بمتر وسط ظلام دامس وثمة من يأتي ويسكب ماء بارداً ثم يأتي آخر لضربي بالعصا أو ضرب باب الزنزانة في شكل مفاجئ, أو بث أصوات صراخ لإخافتي وجعلي أنهار". ويشير الى ان فترة تعذيبه استمرت ستة أشهر نقل بعدها الى سجن جلمة في الشمال ثم سجن الرملة في الوسط ثم عسقلان جنوباً وانتهى في سجن نفحة الذي كان نزلاؤه من الفلسطينيين واللبنانيين, الذين تمكنوا من خلال الاضرابات من فرض حق الإقامة مع بعضهم بعضاً داخل الزنازين ولا سيما المجموعات التي تنتمي الى "حزب الله".

قد يكون هذا الخيار سبباً لعدم تلون لهجة "أبو يحيى" اللبنانية بلهجة فلسطينية وسمت أحاديث غيره من المحررين. وقد يكون التواصل عبر الرسائل مع أهله لم يصدمه كثيراً حينما رأى إبنته التي تركها وهي طفلة لا يتجاوز عمرها 11 شهراً صارت في السادسة عشرة وابنه الذي لم يكن نطق كلماته الأولى وقد صار شاباً في الثامنة عشرة. وهو على رغم خروجه من السجن وقد بلغ الثالثة والأربعين من عمره يبدو مطمئناً الى حاله "فما يأتي من الله يتوجب شكره عليه فأنا أمضيت من مدّة محكوميتي 16 سنة وبقيت سنتان ولم أكن أتوقع خروجي من السجن أبداً بل كنتُ أنتظر التمديد الاداري".

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic