الشيخ عبدالكريم عبيد
كان يرفع الآذان من ثقب الباب ليسمعه المعتقلون

الحياة -- (الأحد، 1 شباط «فبراير» 2004)

مالك القعقور

الشيخ عبدالكريم عبيد

     لم يروِ الشيخ عبدالكريم عبيد بعد لأهله مسيرة تعذيبه وأحاديثه مع سجانه منذ أن خطفه "كومندوس" اسرائيليون من منزله في جبشيت عام 1989. ولم يطلب الشيخ أي شيء افتقده. وهو مقل في الحديث الى الصحافة, ربما لأنه لم يزل تعباً ولم ينم سوى 4 ساعات منذ عودته الخميس الماضي. لكنه رغم ذلك سأل ولده ساجد: "هل تحضّر لي الارشيف الاعلامي؟" فرد بالايجاب, موضحاً لـ"الحياة" ان والده طلب منه ذلك في رسالة قبل 4 أشهر.

كذلك لم يطلب الشيخ طعاماً خاصاً هو الذي لم يأكل لحماً طوال 15 عاماً. الا ان العائلة تتوقع ان يطلب طعاماً قروياً كـ"البرغل" و"المجدرة". وقد روى لها انه نُقل بعد خطفه الى "السجن 1391" السري التابع لـ"الوحدة 304" في الاستخبارات, والذي كشف أمره خلال "عملية السور الواقي" عندما سيق اليه فلسطينيون بعدما امتلأت كل السجون المعروفة. وأمضى الشيخ في هذا السجن 14 عاماً بينها سنة وحيداً وكل الزنزانات فارغة. ولم يُسمح له الا في 1996 بأن يبعث برسالة الى عائلته مع مندوب للجنة الدولية للصليب الأحمر على أثر عملية تبادل بين "حزب الله" واسرائيل.

لم ينسَ الشيخ رجل الدين في داخله. أمضى معظم أوقاته صائماً متعبداً. ابتكر قبعة حجاج لرأسه رمزاً بدلاً من عمامته التي اعتمرها مجدداً بعد 15 عاماً في الطائرة لحظة عودته. كان يستيقظ في الثالثة فجراً, ويبدأ بالصلاة والدعاء الى ما قبل آذان الفجر فيتناول طعام السحور ويصلي. ثم يقرأ القرآن الى شروق الشمس. ينام ساعتين, ثم يلقي على الموجودين معه, وفي معظم الأحيان الحاج مصطفى الديراني, دروساً في الدين. واذا كان وحيداً ألقى درسه من خلال أبواب الزنزانة الحديد, بأعلى صوته ليسمعه نزلاء الزنزانات أخرى. وكان دائماً يؤذن من خلال ثقوب الباب حتى يسمعه الآخرون.

بعد صلاة الظهر يعمل في النوافل والمستحبات الى ما بعد العصر حينما يبدأ بتحضير طعام الافطار. وكان الشيخ يقرأ مجالس عزاء أيضاً, وبخاصة اذا ما علم بوفاة قريب لسجين ويكتب له قصيدة رثاء. وكان في الليل وفي وحدته, يشغل نفسه بقراءة كتب الدين والأحكام ليتبحر فيها, وبوضع مؤلفات في الدين والأدب والشعر. ويقدر ما كتبه في السجن بأكثر من 10 مؤلفات, وأكثر من 20 ألف بيت شعر. كان يحصل على الكتب من السجان على نحو عشوائي, وأحياناً كانت تصله عبر الصليب الأحمر كتب دين كان يطلبها من عائلته.

أما أطفاله ولا سيما منها الصغرى مجاهدة التي كانت في شهرها الثالث عندما خطف, فكانوا يشغلون وقتاً طويلاً من تفكيره. كان يراهم في منامه يكبرون. وعندما وصلته صورهم في العام 2000 بعد 11 سنة من الأسر, قارنها مع تلك التي كان يراها في منامه فاذا هي "طبق الأصل".

لم تتغير لكنة الشيخ كما هي حال معظم الأسرى العائدين. وسبب ذلك انه لم يختلط في فترة سجنه الأولى بفلسطينيين. أما اختلاطه بهم فكان في السنة الأخيرة في سجن اشموريت في كفريوت. وأكثر ما أثر فيه وضع الأسرى الفلسطينيين وعذابهم. يقول: "يجب العمل على وقف هذا العذاب واخراج الفلسطينيين جميعاً".

لم يكن لقاء الشيخ صغيرته مجاهدة مصدر فرحه فقط, بل تلك الاستقبالات التي حظي بها في طريقه الى بلدته. فالناس أوقفوا موكبه مراراً وكان يصر على مصافحتهم ويقول: "حب الناس غير عادي ومَنْ يحبك يجب ان تحبه". وهذا ما أشعره بأنه "خلق من جديد". وكانت له مفاجأة في بلدته التي خرجت كلها للقائه, أن الذين تركهم أطفالاً نشأوا وكبروا على حبه واحترامه.

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic