البلديات الحدودية
ورثت شللاً إدارياً وصناديق خاوية
التحالفات شكلتها والتجاذبات فرقتها والطموح ولاية كاملة

السفير -- (الأربعاء، 11 شباط «فبراير» 2004)

كامل جابر


رؤساء بلديات قضاء مرجعيون عندما اجتمعوا وهددوا بالاستقالة

     ظلت أصابع رؤساء بلديات المنطقة الحدودية، منذ انتخابهم في التاسع من أيلول عام 2001، على زناد التلويح بتقديم استقالات جماعية، “هدّدوا” بها أكثر من أربع مرات، تعبيراً عن امتعاضهم وسخطهم، تجاه الظروف، كل الظروف، التي حشرتهم في زاوية المسؤولية “المحلية”، التي استدعت الكثير من البذل والسخاء، العامّين، على مختلف المستويات، اللذين يعززان مواقعهم والغاية التي وضعتهم على محك التجربة، بعدما “قطعت” بهم الدولة، مثلما تخلت عن المنطقة العائدة إلى حضنها بعد أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة، منذ التحرير، في كثير من المحطات الضرورية والحياتية، من دون أن تبعث فيها رحيقاً اجتماعياً وإدارياً ووظيفياً وحتى مالياً، ينعش هذه المنطقة وبلدياتها التي أتت أصلاً على أنقاض سلف “مشلول” معطل منذ نحو أربعة عقود؛ وصناديق خاوية خالية من أموالها بعدما هدرت قبل وصول المجالس الأخيرة، في عهد القائمقامين أو المحافظين، على مشاريع وهمية في مجملها، أو بالحد الأقصى على شبه مشاريع ليست أساسية أو ضرورية. 

قد لا يكون منع التوظيف وقلة الموارد، بالطبع، غير موارد الصندوق البلدي المستقل، الذي عوض بعض النقص بالقطارة، بعد سنة من عمر المجالس التي انتخبت استثنائياً؛ وبعد تأخير دام أكثر من سنة على المقرر، ولم يصل بعد إلى دفعات عامي 2002 و2003، قمة احتجاج رؤساء بلديات ما كان يعرف ب”الشريط الحدودي” انطلاقاً من مرتفعات قضاء حاصبيا، مروراً بقضاء مرجعيون، ثم بنت جبيل، وصولاً إلى الناقورة، أو نحو الداخل القريب، وصعوداً على خط جبل الريحان، نحو جزين، بل لعب ذلك “التنافر” العائلي، المستجد، من جهة، والحزبي بشكل أساسي، الذي كان قد تلاقى في أكثر من تحالف هنا وهناك قبل الانتخابات، من جهة ثانية، دوراً بارزاً وصل إلى أقصى “التجاذب” في داخل العديد من المجالس البلدية، ليطيح بالقرارات البلدية تارة وبالنصاب القانوني لجلسات المجالس، تارة أخرى، أو ببلدية قائمة بحد ذاتها، على غرار ما جرى مؤخراً في بلدية مرجعيون، عاصمة القضاء، التي شهدت استقالة أكثر من نصف اعضائها، دفعة واحدة، مما هدّد النصاب القانوني لاستمرار البلدية. ثم لعبت الاتصالات دوراً في إحجام بعضهم عن الاستمرار في الاستقالة، أو تأخير بتّ القائمقام فيها،مما رأب بعض الصدع، الذي كاد ان يطيح بهذه البلدية. وهكذا دواليك، في أكثر من بلدية وفي أكثر من قضاء، سجلت استقالة هذا العضو أو أكثر، أو حتى رئيس المجلس البلدي أو نائبه، الذي سرعان ما كانت تردعه التدخلات السياسية والحزبية، عن الغلو فيها، على غرار ما جرى في بلديات كفركلا وحولا والخيام وغيرها. 
 

تجاذب سياسي

     كل هذه الأمور، دفعت رؤساء البلديات الى رسم مشاريع استقالة جماعية، انتهى معظمها عند أبواب المرجعيات السياسية والحزبية. ومن أقحم نفسه منفرداً في تقديمها سرعان ما عاد عنها. علما ان قيامة البلديات في المنطقة الحدودية، جاءت على بنيان واهٍ، منذ انطلاقتها. ومرد ذلك إلى الصراع الانتخابي المستميت، بين القوى التي مسكت زمام الحياة السياسية وحتى الأمنية، في جزء منها، في “الشريط” العائد إلى وصاية الدولة اللبنانية، الأم وسلطتها، بعد ربع قرن من الاحتلال الإسرائيلي، المنسحب في تأثيره وتلوينه، على مختلف شؤون الحياة، الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية فيها. ثم تحالف أكبر أطراف هذه القوى، “حركة أمل” و”حزب الله”، في لوائح حملت المحاصصة في عناوينها، معلنة سلفاً أسماء الرؤساء ونوابهم، غير لاحظة “التجربة” والإمكانات الاجتماعية والقيادية والإدارية لمعظمهم ولغالبية أعضاء المجالس، ثم انتهاء الكثير من صيغ التحالف وعناوينها عند أبواب دور البلديات، أو المراكز المؤقتة أو المستأجرة (حتى الآن) لتتحول تجاذباً في داخل المجالس، عطّل الكثير منها أو من مهامها. فضلاً عن غياب معظم رؤساء البلديات أو أعضاء مجالسها، بسبب إقامتهم خارج المنطقة، أو في العاصمة بيروت. وباتت المناسبات والعطل الأسبوعية جامعهم الوحيد بقراهم. 
 

تقصير حكومي

     ولأن الدولة اللبنانية، لم تقم بكل المهام المطلوبة منها، لاستعادة هذه المنطقة الزراعية بامتياز والواسعة جدا، حملت هذه المجالس منذ انطلاقتها هموماً تفوق إمكانياتها بأضعاف مضاعفة، على مختلف المستويات. وإذ بمطالب الناس ومشاكلهم واحتياجاتهم، تنتقل بسرعة فائقة إلى داخل المجالس البلدية، التي ليس في “يدها حيلة”، خصوصاً أن البلديات كانت معطلة، إدارياً ووظيفياً ومن دون أجهزة تنفيذية ويحكمها سابقاً، رأس واحد، المحافظ أو القائمقام. وجاء قرار الحكومة بمنع التوظيف، الذي عطّل القانون، الذي لا يلغيه إلا قانون آخر، ثم منع التعاقد حتى بالفاتورة، ليصب “الزيت فوق النار”، وتحولت هذه المجالس الى “كذبة كبيرة” على حدّ تعبير رئيس بلدية حولا الزميل رفيق نصرالله، على أعضائها القيام بدور الشرطي والحارس والجابي والمحاسب. وفي الوقت عينه،عليها تلقف احتياجات الناس ومطالبهم، لتلعب دور الوسيط، الذي يحمل في شكله ومضمونه، الكثير الكثير، من الاستجداء و”التسكع”، على أبواب الدولة ووزاراتها ومديرياتها العامة ومجالسها. وفي بعض الأحيان على أبواب بعض النواب “استعطافا” لمشروع تنموي أو خدماتي، أو ما شابه ذلك. وما قامت به المجالس البلدية، ربما من سنة فقط، تم بمجهود خاص أو “حظوة” لهذا الرئيس أو ذاك، في مركز القرار الإداري في العاصمة بيروت، أو عند المرجعيات السياسية الجنوبية، أو بسبب رضى سياسي من طرف بحد عينه ومن نوابه أو مسؤوليه. 

ويجمع العديد من رؤساء البلديات وأعضائها، على أن أداء العمل البلدي بعد سنتين ونصف السنة “يشبه تماماً في مضمونه ووجهه الخدماتي أداء مؤسسات الدولة، في هذه المنطقة. أداء شبه مشلول، ليس مبرمجاً وغير منظم ولا يستند إلى أسس من التوازن، أو يحمل تطلعاً مستقبلياً فعلياً وحقيقياً. لا أموال كافية لمشاريع توقف هذه البلديات على قدميها، من الدولة أو المكلفين، لا هرم وظيفياً وإدارياً فيها. وقد يتحمل الرئيس مع أصوات قليلة تعزز النصاب، أعباء قرار إداري أو مالي أوكلفة مشروع ومهام تنفيذه. فضلاً عن تخلّي القوى التي أتت بهذه المجالس عن مهام الدعم والرعاية، أو حتى المحاسبة، بل انها تجاذبت في داخل المجالس وعطلت مهامها. والناس في تلك المنطقة لا حول لها أو قوة، غير البحث عن القوت ومصادر كريمة للعيش، بعدما سدّت أمامها أبواب الكسب والارتزاق التي كانت تعتمد في أكثرها، قبل التحرير، على المصدر الإسرائيلي. 

وبعد انتهاء الصلاحيات الاستثنائية لعدد ضئيل من الموظفين، الذين كانوا يديرون الحسابات المالية “بالتكليف” لأكثر من بلدية في وقت واحد، (خمسة موظفين لخمسة عشر بلدية في قضاء مرجعيون) في شهر كانون الأول سنة 2002. وجدت البلديات نفسها من دون موظفين يتابعون شؤونها المالية والإدارية. فيما لا صلاحيات ممنوحة لأعضاء المجالس البلدية، المتطوعين أصلاً والذين لا يتمتعون بمهام قانونية تخولهم تنفيذ أعمال الجباية، أو تحرير المخالفات، أو ضبط التعديات وتنظيم السير وغيرها وصولاً إلى جمع النفايات. وإذا كانت وزارة الداخلية والبلديات قد سمحت مؤخراً بتعيين شرطيين ومحاسبين في هذه البلديات، الا أن هذا الأمر لم يتم منذ أشهر بما يلائم الحاجة الفعلية لكل بلدية. وما زالت البلديات تقوم بتطبيقات شكلية لهذا القرار، كالإعلان في الصحف وفتح باب التقدم بطلبات، لمن تتوافر فيه الشروط القانونية وغير ذلك من أمور لن تسمح بهذا التوظيف في القريب العاجل، أو ربما قبل انتهاء ولاية المجالس المحلية، إذا صدقت نبوءة إجراء الانتخابات في موعدها. 
 

ازمة صلاحيات

     كان يمكن لهذه البلديات، القائمة بنصف عمر من سبقها في المناطق المحررة وفي لبنان، أن توفر الكثير من الجهد الذي يجب أن تتحمله وزارات الدولة، لو أطلقت يدها أو ضخت الأموال إلى صناديقها، “غير أنها صنعت من الضعف قوة، حتى وقفت على قدميها” برأي رئيس بلدية دبّين، في قضاء مرجعيون، الكاتب العدل موسى نعمة، الذي أشار إلى أن “الدولة لو كان يهمها إنجاح دور البلديات، كان عليها، على الأقل، استثناء هذه البلديات من قرار منع التوظيف. والإفراج عن مستحقاتها المالية في الصندوق البلدي المستقل، العصب الرئيسي للبلديات، الذي ما زلنا نقبض منه، بعد نحو سنتين ونصف السنة من عمر بلدياتنا، الدفعة الأخيرة عن سنة 2001. ناهيك عن المشاريع الحيوية التي يمكن أن تستفيد منها أكثر من بلدة وقضاء. بل كان يجب على الدولة إعلان حال طوارئ استثنائية في المنطقة الحدودية، لتتعاطى معها كمنطقة منكوبة، مجندة كل طاقاتها لتكريس وجودها الفعلي فيها، من خلال مشاريع كبيرة ودعم المرافق الحياتية، كالمستشفيات والمدارس. وبإيجاد فرص عمل تعزز دور البلديات وتدعم بقاء المواطن فيها وتشجع المحجمين على العودة إليها”. 
 

منح ومنع

     منحت وزارة الداخلية والبلديات، بعض المزارع والقرى الصغيرة في المنطقة الحدودية، مجالس بلدية جاءت “فضفاضة” عليها، فيما حجبتها عن بلدات تشبه المدن باتساعها الجغرافي وتوزعها الديموغرافي. ولم تجد بلدية الجرمق المستحدثة منذ عام ونيف من يديرها غير قائمقام جزين نبيه حمود، إذ لا يقطن في البلدة أكثر من ثلاثة من أبنائها. ولم تقدم بلدية الوزاني في قضاء مرجعيون ما يغير واقع القرية، التي لا تتجاوز بيوتها العشرات القليلة. وكان يمكن لبلدية القليعة إدارة شؤون جارتها برج الملوك، التي تكاد تكون حيّاً من أحياء القليعة، في وقت حرمت دير سريان من بلدية كانت قائمة أصلاً. ومنعت البلدية عن بلدتي مجدل سلم وبليدا، على سبيل المثال، اللتين يبلغ تعداد سكان كل واحدة منهما نحو عشرة آلاف نسمة وتضمان مساحات جغرافية واسعة جداً. وإذا كانت الوزارة قد منحت مؤخراً بلديات لبعض بلدات المنطقة، كبلاط وبني حيان في قضاء مرجعيون، الا أن هذا القرار يحتاج إلى مثيله في العشرات من البلدات الحدودية في أقضية حاصبيا ومرجعيون وبنت جبيل. كما يحتاج إلى الشمولية والتوازن والعدالة. وإلى إعادة النظر في العديد من القرارات السابقة. 
 

ولاية كاملة

     قد يشكل إعلان إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، في أيار المقبل، بعض الإرباك لبلديات المنطقة الحدودية، أو بالأحرى للعديد من رؤساء هذه البلديات ونوابهم وأعضائها، خصوصاً بعدما “بدأوا يلتقطون أنفاسهم” متحسسين احتياجات بلداتهم وواقعها. بيد أنهم جميعاً يبحثون عن “إنصاف” في مدد الولاية، التي أتاحت لغيرهم ممن انتخبوا في عام 1998، التربع نحو ست سنوات على “عروش” المجالس المحلية، بينما لم يصلوا هم إلى حد الثلاث سنوات. ويقول أحدهم: “لنا الحق في أن نخدم مدة ولاية كاملة، ست سنوات، عملاً بالدستور والمساواة والعدالة”. 

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic