
أنور ياسين
وخالد حدادة |
لم تحل رداءة الأحوال الجوية والطقس العاصف دون مشاركة أنصار الحزب الشيوعي اللبناني في المهرجان الذي أقامه صباح أمس في قصر "الاونيسكو" تكريماً لاستعادة رفات الشهداء وتحرير الأسير أنور ياسين.
فمنذ العاشرة صباحاً توافد الشيوعيون من كل المناطق الساحلية التي لم تقطع الثلوج طرقها، جاؤوا في سيارات و"انات" وباصات ازدانت بصور شهداء "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، وصور الأسير المحرر ياسين، والأعلام الحمراء.
مقاعد قاعة قصر "الاونيسكو" لم تتسع للحشود المشاركة، فافترش الكثير منهم الأرض، وكان المنتظرون في الخارج أكثر من الذين تمكنوا من الدخول والفوز بمقعد أو درجة سلم. فقد غصت القاعة بمئات الشيوعيين من أجيال مختلفة وحّدهم مزاج واحد ولون واحد وشعار واحد، وقافلة من الشهداء: شهداء "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، وأبطالها الأسرى المحررون وكان آخرهم المحرر أنور ياسين. كان حماسهم منقطع النظير، فما إن يأتي أحد الخطباء على ذكر الحزب وشهدائه وأسراه ومقاومته حتى تموج القاعة وتتحول لوناً أحمر وصوتاً واحداً يهتف "شيوعي.. شيوعي"..
وزادت حال الحماس عند اعتلاء ياسين المنبر لإلقاء كلمته، ثم انتظاره وصول الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني خالد حدادة إلى المسرح، فأمسك يده بيده ورسم بالأخرى شارة النصر، معلناً بذلك موقفه: هو ابن مؤسسة الحزب.
حضر المهرجان وزير الدولة كرم كرم ممثلاً رئيس الجمهورية العماد اميل لحود، النائب ناصر قنديل ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزير الثقافة غازي العريضي ممثلاً رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. كما حضر المهرجان النواب: بشارة مرهج، مروان فارس، غسان الأشقر، محمد فنيش، أسامة سعد ومحمد الحجار، العميد الركن احسان أبو شقرا ممثلاً قائد الجيش العماد ميشال سليمان، العميد محمد مطر ممثلاً المدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيد، العميد مصطفى دكروب ممثلاً المدير العام لأمن الدولة اللواء الركن ادوار منصور، وحشد من الشخصيات السياسية وممثلون للأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية والهيئات النقابية والعمالية والنسائية والتربوية وعائلات الشهداء.
افتتح المهرجان بالنشيد الوطني اللبناني، فنشيد الحزب الشيوعي اللبناني، ثم بالوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء.
اده
بعد ذلك افتتحت الكلمات بكلمة الأحزاب والقوى اللبنانية ألقاها عميد الكتلة الوطنية كارلوس اده، فتحدث عن رفضه بداية إلقاء كلمة في المناسبة حين دعي إلى ذلك، "والسبب انه حين كان يناضل أنور ياسين واعتقل كنت في البرازيل، لكن حين رأيت الأسرى المحررين في السفارة الايرانية، قررت ان ألقي كلمة وأن أتحدث باسم ريمون اده لأنه أول من تحدث عن خطر العدو الصهيوني في لبنان، وكذلك أتحدث بصفتي الشخصية لأشهد على أمور حصلت في الماضي وبذلك أعبّر عن المخاطر والقلق الذي أشعر به تجاه لبنان والمنطقة."
وتوجه الى أنور ياسين بالقول: "آسف أن أقول لك انك عائد الى مجتمع منقسم ويكره بعضه بعضاً، وسيبقى يكره بعضه الى ان نستطيع معالجة المرض الذي يقتلنا وهو التقسيم الطائفي والعقلية الصغيرة التي تعطي الأهمية للأمور التي تبعدنا عن بعضنا ولا تعطي الأهمية والأولوية للأمور التي تجمعنا، وآمل ان نتعلم من الماضي اننا كنا موجودين في هذه الأرض الصغيرة ولكنها كبيرة كفايةً لتجمعنا وتجعلنا نعيش ضمن خصوصياتنا وحريتنا وأفكارنا وفي الوقت نفسه نعطي الأمل للأجيال المقبلة".
فنيش
ثم ألقى عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد فنيش كلمة "حزب الله"، فأشار الى أن "صفحة عزّ جديدة قد تحققت عندما تمكّنا مرّة أخرى من كسر إرادة العدو وتحطيم قضبان زنازينه وانتزعنا حريّة الأسرى والمعتقلين والرهائن من أبناء أمتنا كما استعدنا جثامين الشهداء الأبرار ليحتضنهم تراب أرضنا الطاهرة".
وقال "الفرحة لم تكتمل بعد وعميد الأسرى سمير القنطار لا يزال محتجزاً (...) وستبذل المقاومة كل جهودها مهما غلت التضحيات لانتزاع حريته كما انتزعت حرية اخوانه ورفاقه".
وشدّد على "العوامل التي صاغت معادلة القوّة والانتصار والمتمثلة بالمقاومة والإحتضان الوطني والشعبي والرسمي والدعم والمساندة السياسية من القيادة السورية كما من جمهورية إيران الإسلامية وقيادتها"، منبهاً الى "خطورة المسّ بأي من هذه العناصر المستهدفة بمشاريع الحصار أو الافتراء أو التهديد، وأي وهن في أي منها قد يرتد سلباً على المعادلة كلها وعلى كل ما حققناه من إنجازات (...) وأقول هذا لأجابه الذين لم يتوقفوا منذ إنجاز التحرير وخصوصاً بعد عملية التبادل الأخيرة عن تكرار وإسقاط تحليلاتهم أو أمنياتهم على الواقع السياسي للحديث عن انتفاء القضية التي تبرر بقاء دور المقاومة وخصوصاً "المقاومة الإسلامية" و"حزب الله" وهو استنتاج خاطئ وتحليل يفتقد الموضوعية والواقعية ولو كان صحيحاً، لما كنا نحتفل اليوم بتكريم أسرانا واستعادة جثامين الشهداء، ولما كنا نجتمع مع المقاوم البطل أنور ياسين لنحتفي به ونبارك تحريره وتضحياته ونهنئ عائلته وحزبه والوطن بأسره".
واكيم
وأبدى النائب السابق نجاح واكيم في كلمة "حركة الإنقاذ والتغيير" خوفه على الأسرى المحررين "من أن تصعقهم الخيبة وتخنقهم المرارة"، متسائلاً "الى أي وطن يعودون؟ الى وطن خاوٍ من شبابه المشرّد في مجاهل الأرض، لا يجد لتشرده وطناً يرسم على سمائه أحلامه ويزرع في ترابه إيمانه".
العريضي
ثم ألقى العريضي كلمة جنبلاط، التي قال فيها: "اننا اليوم في امسّ الحاجة الى خيار المقاومة في ظل ما يطلقون من مشاريع ومبادرات تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير لتكريس هيمنتهم على هذه المنطقة انطلاقاً من احتلالهم العراق".
ودعا الى "موقف جامع على المستوى اللبناني والعربي قبل فوات الأوان، وهذا الموقف تتخذه ولا تحركه ولا تطلقه الا القوى الحية المؤمنة فعلاً بهذه الطاقات الكامنة في امتنا والتي انتجت تحريراً وانتصاراً في لبنان وتنتج انتفاضة لا تزال قوية ومستمرة في فلسطين". وأشار الى أنه "من الشرق الأوسط الكبير ندخل الى الشرك اللبناني الكبير، في لبنان أزمات ومشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، لكن المؤلم ان كل شيء يطرح اليوم اصبح موضع شبهة وكل متحدث في شأن من الشؤون اصبح موضع شبهة وكأن ثمة نوعاً من الغموض والضياع وعدم التمييز بين هذا او ذاك".
وانتقد "الاستنسابية في المحاسبة واجراءها على خلفية تصفية الحسابات". وقال: "لم نرَ أحداً تمت محاسبته بشكل جدّي من دون استنسابية او محاولة تصفية حساب وخلفيات (...) هذه هي المشكلة لأنها تنطلق من معادلة نسمع على أساسها ومن خلالها الكثيرين يتحدثون على الشاشات وعلى المنابر يقولون شيئاً في اجتماعات مجلس الوزراء ويقولون شيئاً آخر معاكساً خارج اجتماعات مجلس الوزراء ينتقدون تسريب المعلومات ويذهبون الى تسريب ما يقولون وما لم يقولوه فيركبون في الخارج كلاماً لم يقل في الداخل، هذه هي حقيقة الأمر، وهذا هو معيار صدقية اي مسؤول على الدولة تحت عنوان حركات وتحركات ومواقف يطلق عليها مصطلحات مبادرات أو وساطات أو فتح قنوات مع هذه الجهة او تلك مع هذه الدولة أو تلك، وكأننا في حاجة الى كل هذه المسرحيات وكأن ثمة قصورا في مواجهة هذه الحالات والدول والمواقف من الذين يعبثون فساداً في لبنان ومن الذين يستبيحون الارادة الشعبية في لبنان والأعراف الديبلوماسية في لبنان وعلى رأسهم سفير الولايات المتحدة الأميركية الذي يتصرف وكأنه حاكم تتحرك كل الجرافات من اجل فتح الطريق امامه، ويتركون الناس الفقراء وليس ثمة عجب في ذلك ما دام كثيرون يعملون على فتح كل قنوات وطرقات السفير الأميركي ويقفلون ابواب الادارات في وجه الناس، ويقفلون ابواب الحلول الناجعة لكل مشاكل الناس فهذا هو الهدر الكبير الذي نعيشه الآن والذي يستوجب مجدداً حركة ديموقراطية شعبية تضم كل القوى الشعبية على تلاوينها السياسية العقائدية الايديولوجية المختلفة في صفوفها لينطلق الجميع في عملية تحرير للداخل اللبناني من كل أشكال الأسير ومن كل مظالم هذا الأسير الداخلي".
ياسين
ثم ألقى ياسين كلمة اشاد فيها بتضحيات الشهداء، ووجه التحية الى جميع رفاقه خلف القضبان "الذين تركتهم في سجون الاحتلال الاسرائيلي، وعلى رأسهم رفيقي الأسير سمير القنطار. وقال: "ان الواقع اللبناني والواقع العربي مليئان بالتعقيدات الكثيرة، هناك من هم مع الحرية والعدالة والمقاومة، وهناك من هم ضد هذه الأفكار. هؤلاء المعارضون للحرية والعدالة والمقاومة يضعون على أعيننا احياناً كثيرة نظارات طائفية ومذهبية من اجل ان يمتصوا دمنا واحداً واحداً.
أضاف: "وهناك أمر مهم، هو مسألة الصراع مع العدو الصهيوني الذي يساء فهمه، فالمسألة تحتاج الى نظرة عميقة تعود الى اساس المشروع الصهيوني، فهذا المشروع ليس صراعاً بين يهودي ومسلم، او بين مسيحي ويهودي، انه صراع بين من يحب الحياة الحرة الكريمة وبين من يستعبد الانسان الحر والحياة الكريمة". ودعا الشيوعيين "الى العمل وجعل الشعارات خطوات تزيل الألم من بيننا وعن شعبنا، وتواجه الاحتلال خطوات متتالية تزيد من سعادة أهلنا "فأن تكون شيوعياً ذلك يعني ان تكون في طليعة المواجهين ضد القهر والظلم والاحتلال، وان تكون انسانياً في كل ما تحمله الكلمة من معان، وان تكون مع الفرح والحرية والحياة الكريمة، لذلك دعونا نبدأ منذ اليوم وبهذه الروحية بالفعل وليس بالقول".
حدادة
بعدها تحدث حدادة، فاعتبر ان "انتصارات العالم العربي لم تتحقق الا عبر المقاومة". ودعا الى استكمال انتصارات المقاومة باتجاهات ثلاثة "الأول عبر تقديم كل الدعم للمفاوض اللبناني في مرحلة المفاوضات الثانية وتحرير عميد الأسرى سمير القنطار، والثاني بلورة حركة ديموقراطية عربية مقاومة تساند انتفاضة فلسطين وتدعم مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق وتضغط باتجاه تعميم الحالة الديموقراطية على العالم العربي. والثالث، اعادة الاعتبار للمقاومة (...) فلا نحتفل بالانتصار لأسبوع ثم تعود روائح الفساد والهريان".
وتناول دعوات توحيد حركة اليسار في لبنان معتبراً ان "اي حركة يسار يجب تكوينها، لا بد من ان تنطلق من ضرورات تغيير موازين قوى بكل الأساليب الديموقراطية المتاحة، واذا كان قيام حركة اليسار غير ممكن بالحزب الشيوعي وحده فان من المستحيل بناء مثل هذه الحركة على قاعدة الرهان على موت الحزب". ورأى ان "اليمين الطبقي والطائفي هو المستفيد من موت الحزب الشيوعي وأي قوة يسارية أخرى". متسائلاً: "هل يعقل ان يكون ذلك حلم بعض اليسار؟"
وطالب بوضع "خطة ملموسة تنطلق من ضرورة النضال لبناء وعي ديموقراطي بديل من خلال أولوية تطوير التعليم الرسمي والجامعة الوطنية ودعم مواقع تكوين الثقافة الوطنية الديموقراطية من اعلام وهيئات نقابية ومؤسسات مجتمع مدني موحدة وغير طائفية.
حرب
واختتم المهرجان بكلمة أسَر الشهداء التي القاها الاستاذ انطوان حرب، معتبراً ان عودة الأسرى المحررين "عمقت معنى الاستقلال وأسست للوطن الآتي، وزين الوسام الرفيع صدركم يعلقه رئيس البلاد تأكيداً لصواب الخيار".