
المشنوق يسلم الدرع لشومان (مصطفى جمال الدين) |
بينما ترتسم ابتسامة خجولة على وجهه يجيب بهدوء وبلهجة جنوبية محببة “كل فترة الاعتقال ما كنش عندن شي ضدي بكل الملف... بس لما جابوا “الشيخ” (عبد الكريم عبيد) و”الحاج” (مصطفى الديراني) لعندي قلت “خربت وشكلها مطوله”، يضحك ممازحا ثم يشرد بذهنه قليلا ويقول “عندها اقتنعت بأن الزنزانة ستكون مكان إقامتي لسنين... وأصبحت وطني”. هو جهاد شومان أو وليم جيهارد الأسير المحرر اللبناني البريطاني الذي اعتقل في فلسطين المحتلة في كانون الثاني عام 2001 بتهمة التخطيط للقيام بهجمات لصالح “حزب الله”، ولم يطلق سراحه إلا في صفقة التبادل الأخيرة.
أمس كان شومان على موعد مع حفل تكريمي من قبل جمعية متخرجي الجامعة الأميركية وذلك في مقرها المؤقت في الوردية في بيروت، فالأسير المحرر كان حتى العام 1991 طالبا في الجامعة الأميركية في بيروت (علم برمجيات الكومبيوتر) قبل أن ينقطع عن الدراسة وله فقط فصل جامعي واحد ليتخرج. أما سبب تكريم الجمعية له على الرغم من كونه لم يتخرج من الجامعة، فيعود بحسب ما قال رئيس جمعية متخرجي الجامعة محمد المشنوق ل”السفير” إلى “كون عضوية الجمعية تشمل أيضا من أتموا سنتين جامعتين بنجاح ولكون الجمعية تحرص على تكريم أعضائها الذين قدموا تضحيات في مواجهة العدو الإسرائيلي لا سيما انها كرمت في ما مضى شهداء ثلاثة كانوا أعضاء فيها”.
في احتفال التكريم الذي حضره النائب بشارة مرهج، ورئيس ديوان الثقافة رامز إسبر ممثلا وزير الثقافة وعدد من أعضاء الجمعية وأقارب الأسير، كان جهاد اكثر الأشخاص هدوءاً سواء في كلمته أو حتى في تصرفاته لدرجة أن محمد المشنوق لم يتوان عن سؤاله عن مصدر قدرته على البقاء هادئا الى هذا الحد.
من تعرض للتنكيل وصمد في مواجهته لدرجة التأقلم مع الزنزانة بوصفها الوطن المؤقت، لا يمكن أن يسأل عن مصدر هدوئه. ويقول جهاد إنه كاد يقتنع بالنظرية الدارونية تبعاً لأنواع التعذيب التي تعرض لها على أيدي المحققين الإسرائيلين والتي لا تمت للإنسانية بصلة ك”خلع الأكتاف، تكسير الأسنان، منع الدخول الى الحمام لفترة تناهز أربعة أيام” فضلا عن عزله في زنزانة إفرادية ومنع المؤسسات الإنسانية والمحامين من زيارته.
بعد كلمات الاحتفال التي ألقاها المشنوق وشومان وممثل وزير الثقافة جرى تسليم درع تكريمية من الجمعية لجهاد. ثم كان الحضور على موعد مع دردشة مع الأسير. في صالون المحادثة كان جهاد يرد على أسئلة زملاء الأمس والأقارب بوجه ترتسم عليه ابتسامة خجولة وبملامح لا تلحظ انفعالات حادة. زملاء الأمس يحثونه على متابعة تحصيله الجامعي ورئيس الجمعية يؤكد له أن مقر الجمعية بيته الثاني، أما خالته فتعاتبه لأنه “مش عم يخليني سلّم عليه” وهو يتلقى التهاني فيصافح الرجال ويعتذر بتهذيب عن مصافحة زميلات الأمس.
“أحببت أن آكل التطبيقة” يجيب جهاد ردا على سؤال حول الطعام الذي خطر بباله وهو في الأسر. تسأله “السفير” على هامش اللقاء فيقول مبتسما “بجاوبك بيلي بقدر عليه”. يحدثنا عن ظروف اعتقاله وأنواع التعذيب. ينقطع الحديث ليصافح جهاد ولدي مصطفى الديراني ويقول لهما: “سلموا على الحاج”.
يكمل جهاد حديثه وكيف اعتقل بوصفه بريطانياً يدعى وليم جيهارد. يقول “جيهارد من جهاد أما وليم فأني اخترعتها... بعد التدقيق في بياناتي البريطانية قالوا لي ان اسم أبي رضا فأجبتهم نعم بس بيدلعوه وليم”.
نسأله عن ماهية ما كان يفعله في فلسطين المحتلة فيجيب “بدون قياس وتشبيه سأجيبك كما أجبت المحققين الإسرائيلين، أي زيارة سياحية” يتابع “طبعا ذلك بعد أن علموا أني مسلم حيث أخبرتهم أن في نية كل مسلم زيارة القدس وبأني انتهزت امتلاكي جواز سفر بريطانياً للقيام بالزيارة وبأني لم أكن على علم بالمشاكل بين العرب والإسرائيليين”. نقول له طبعا أنت لم تكن في سياحة فيجيب “وما الذي يجعلك أكيداً”، نخبره أنه يصعب تصديق أن يقوم عضو في “حزب الله” بالسياحة في فلسطين وهي محتلة فيجيب “ومن قال لك إني عضو في “حزب الله”... ولكني أعتز بأن شباب “حزب الله” أخرجوني من الأسر”.
والواقع ان إجابات جهاد الهادئة هذه تفسر كيف ان الإسرائيليين لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه شيئا بحسب ما قال حيث سجن فترة سنة ونصف في حبس إداري من دون محاكمة قبل “ان يخترعوا قانون ديراني وعبيد ويصفوني بالخطر على الامن القومي ويحولوني الى رهينة شرعية لتبادل الأسرى”.
خلال فترة أسره شعر جهاد بفقدان الأهل والوطن وتحولت الزنزانة الى وطن بديل. خلال فترة المفاوضات قال إنه يود العودة الى بريطانيا خوفاً من أن تعرقل إسرائيل عملية الإفراج عنه لا سيما أنه اعتقل بخلفية بريطانية. اما عن رأيه بأداء الخارجية البريطانية تجاه قضيته فأجاب “الجماعة ما قصروا، بس معقول بريطانيا بعظمتها لم تستطع فك أسر مواطن لا حكم قضائياً عليه ولا دلائل ضده”.