بلدية بنت جبيل
التجاذب السياسي يكبّل التجربة .. والعائلات تتقدم

السفير -- (الثلاثاء، 9 آذار «مارس» 2004)

كامل جابر

تزفيت في بنت جبيل
المحدلة تعمل في بنت جبيل في عطلة نهاية الأسبوع الماضي

     لم توفق بلدية بنت جبيل، في إحداث نقلة نوعية، خدماتية وإنمائية، في عاصمة القضاء، وأكبر المدن الحدودية، لتأثرها بالتجاذب السياسي الذي ما زال مستمراً، بين “امل” و”حزب الله” قطبي التحالف الانتخابي حتى في الشهرين الأخيرين من عمرها الوجيز. 

ويقول البعض من أبناء المدينة، على رغم قلة تعداد المقيمين منهم، شتاءً، على أن البلدية القادمة بعد ليل طويل من الاحتلال، وانحلال سلفها، “شالت” همّاً كبيراً عن الدولة “المتخلّية” عن رعايتها للمنطقة الحدودية بشكل عام، ولمركز القائمقامية بشكل خاص؛ إذ سجلت رقماً قياسياً، في تأمين مقرّات عدد من أقسام ومراكز القائمقامية التي ما زالت تنتظر بناء “سراياها” الحكومية؛ ومن مراكز قوى الأمن الداخلي والأمن العام، إلى المالية والضمان الصحي، وطبابة القضاء والدفاع المدني، وغرف للدوائر العقارية وغيرها؛ فضلاً عن تجهيز عدد من الإدارات والمكاتب، والمحكمة المدنية؛ ما رتّب أعباءً مالية على صندوقها.. 

واذا كانت التجاذبات السياسة قد افضت الى تراجع دور البلدية في بنت جبيل، فإن التحالف الانتخابي السابق، بين “أمل” و”حزب الله” “لم ينجح في التغلغل إلى عائلات المدينة، لا سيما الكبيرة منها، والتي “يبدو” أنها بدأت تعدّ العدّة لأخذ دورها في الاستحقاق المقبل، خصوصاً بعد زوال العديد من عوامل “الترهيب” و”الهيبة” بحسب أحدهم وبعدما ثبت بالتجربة والواقع غياب الفريق “الخدماتي” عن لعب دور ريادي على مستوى العلاقات والخدمات، متأثراً بذلك من خسارة عددية أو أكثرية مُني بها في الانتخابات الماضية في المجلس البلدي. وفي المقابل عدم تمكّن الفريق المحسوب على “حزب الله” من الإتيان بالخدمات المطلوبة؛ ولولا الرصيد المتبقي من صندوق بلدية بنت جبيل من ايام القائمقام ابراهيم درويش، وبعض أموال الصندوق البلدي المستقل، لكان غاب دور البلدية التي يدعمها، فضلاً عن عدم تمكّن هذا الطرف من نسج علاقات مميّزة مع القوى التي تتشكل منها فاعليات البلدة ووجوهها الاجتماعية والسياسية، ما يجعله ويجعل الطرف الآخر، إذا ما استمرا بالتناكف في موضوع التحالف، يتّجهان بشدة نحو العائلات، واختياراتها، خصوصاً بعدما تمكّنت أكبر عائلات المدينة، بزّي، في الانتخابات الماضية، من تمرير ثمانية أعضاء من العائلة إلى البلدية، فضلاً عن اثنين من “أفخاذها”، من خلال التحالف، أو من “تحت الطاولة”. 

وتستنفر مكاتب البلدية، في هذه الأيام، بين أخذ ورد في موضوع تلزيم مشروع لشركة “الجنوب للإعمار”، بسبب ما يسمّيه رئيس البلدية فياض شرارة اعتراض “جهة سياسية والتدخل السياسي في شؤون البلدية. وبغضّ النظر عن المتعهد، كل ما نريده أن تنفذ مشاريعنا بأمانة، لذلك اخترنا، بعد مخاض عسير استمرّ ثمانية أشهر، الشركة التي تمتلك المؤهلات، وإذ بنا أمام هجمة موجهة”، والكلام لشرارة، الذي أشار إلى أن “الخدمات والمشاريع يجب أن تكون خارج الصراع الحزبي، الذي نأمل في الانتخابات المقبلة الاستفادة من ثغراته، وأهمها عدم تدخل السياسيين في العمل الإنمائي، الذي يخرّب العمل، وليتركنا، الطرفان، ندير شؤوننا بأنفسنا”. 

ويتحدث شرارة عن “البلدية التي كان لديها تسعة موظفين بعد عام 1964، بقيت في السنوات الأخيرة على موظف واحد. تقدّمنا بطلب لتعيين موظفين، حاربنا من أجل ذلك، الشهر الماضي فقط، سمح لنا بتعيين ستة موظفين من أصل 17 موظفاً تحتاجهم بلدية المدينة، وزّعناهم: ثلاثة شرطيين وأمين صندوق، وكاتب وسائق، علماً أن سوق الخميس لوحده، يحتاج إلى ما لا يقل عن خمسة شرطيين. بعد 22 سنة من الاحتلال، لم تكافئنا الدولة على صمودنا”. 

ولفت إلى أن “المطلوب من بلدية بنت جبيل كان أكبر من طاقتنا، في ظل تفشي الفردية وعدم الاستجابة الجماعية، وتضافر الجهود، حتى من قبل أعضاء المجلس البلدي الذين يغيب معظمهم عن البلدية وجلساتها ومشاريعها وعدم التناوب في الحد الأدنى على رعاية الخدمات والرقابة. بعدما أتينا إلى البلدية، بقينا سنة كاملة نعد الدراسات، ولم نتمكن من تفعيل اللجان. قصّرنا، إذ أن المطلوب أكثر مما أنجزنا، لكننا في الوقت عينه أنجزنا الكثير من شق الطرقات وتعبيدها وبناء جدران الدعم والعبّارات ودعمنا المدارس، وفي موضوع النفايات والصرف الصحي الذي أعددنا دراسة له، أتتنا موافقة وزير الطاقة على إنشاء محطة تكرير. لم ننجح بعد في الجباية، مع العلم أننا أتممنا الدراسات والإحصاءات للبيوت، غير أن الناس بعد زوال الاحتلال لم تتعوّد بعد على دفع الرسوم، والمقيمون منهم لا يتجاوز تعدادهم أربعة آلاف شتاءً، هم ذاتهم الذين كانوا في زمن الاحتلال، وقد يزيد عددهم صيفاً بعودة المغتربين والمقيمين في العاصمة، لكن لم تقم الدولة بما يشجع على العودة، ولا إمكانية للبلدية في أن تحل مكان الدولة”. 

وأشار عضو المجلس البلدي نمر بزّي إلى أن التجاذبات السياسية تقضي على الإنماء مبدياً أسفه “لتحويل مركز الضمان الصحّي في عاصمة القائمقامية إلى مكتب مراسلة ليس أكثر، بعدما كان الطلب أن يكون مركزاً اساسياً، ربما لأننا قدمنا عريضة من رؤساء بلديات ومختارين، عوقبنا بجعله مكتب مراسلات فقط”. 

وانتقد زميله عبد اللطيف جمعة، غياب وزارة الأشغال العامة عن دورها، “وخصوصاً لجهة تأهيل الطريق العام التي تعبر في وسط المدينة، وها نحن اليوم نرقّعها مجدداً على حساب البلدية”. 

ما يربك بلدية بنت جبيل في موضوع شبكات المياه، هو تعدّدها، إذ أن أكثر من جهة نفذت أربع شبكات، في أيام الاحتلال وبعد التحرير، ولم تتوافر أي مخططات لهذه الشبكات. غير أنها حلّت مشكلة مياه “الخدمة” من مشروع صديقين، بدلاً من مشروع الطيبة الذي كان يغطي قبل الاحتلال حاجة المدينة. بيد أن مياه الشفة تتأمّن للبيوت، إما من الآبار المعتمدة على تجميع الشتاء، وهي كثيرة وأمام معظم البيوت، وإما بواسطة شرائها. 

واستعانت البلدية بأموال مغتربيها الذين أسسوا في “ديترويت” في أميركا، “مؤسسة إعمار بنت جبيل”، التي أمنت حتى الآن مبلغ 650 ألف دولار أمريكي، اشترطت استخدامه في بناء قصر بلدي، وليس في موضوع الصرف الصحي الذي كانت تطرحه البلدية، باعتبار “أن الصرف الصحّي هو من مسؤولية الدولة”. 

بدوره، النائب علي بزّي، ابن المدينة، عرض لجملة من المشاريع “الحيوية التي ساهمت “أمل” في تحقيقها، إما من خلال مجلس الجنوب أو بعض وزارات الدولة، أو بالشراكة مع البلدية”. وأشار إلى أن حركة أمل “سعت لأن يعكس العمل البلدي الحاجات الإنمائية الضرورية، والمصالح العامة وليس المصالح الضيقة جداً. كان هدفنا وما زال، إبعاد المجلس البلدي عن المنافع الخاصة والخدمات التي لا تعبر عن مصلحة المدينة، العامة. نشكر البلدية على ما نفذته، لكن هناك مسائل داخلية كان يجب أن تراعي الأولويات”. 

وأضاف حول الاستحقاق الانتخابي المقبل: نحن منفتحون على كل النسيج الذي تتشكل منه المدينة، من قوى حزبية وفاعليات وعائلات، المطلوب من أبناء المدينة تقديم العناصر التي تتمتّع بالكفاءة والنظافة والجدارة والحيوية وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى. ونطمح مع الأهالي إلى إنتاج مجلس بلدي يعكس التعاون والتنسيق والانسجام”. 

واعتبر الدكتور مصطفى بزي “أن البلدية قامت بإنجازات، لكنها لم تكن كافية، ولهذا أسباب عدة أهمها عدم وجود كادر وموظفين، وغياب الدراسات والأموال اللازمة لها، وهي بحاجة إلى استملاكات تستدعي دفع أموال طائلة. خصوصاً أن مقدرات البلدية سابقاً راحت هدراً، قبل القائمقام الأخير”. ويشير إلى أن “عمر البلدية القصير جاء بمثابة مرحلة تجريبية تمهّد للمرحلة القادمة التي يمكن الاستفادة من خلالها ببعض العناوين: اختيار مجلس بلدي من عناصر فاعلة متفرغة ونزيهة، توفّر الانسجام بعيداً عن المناكفات، لا مانع من حزبيتها شرط أن تسخر تطلعاتها الحزبية في التنمية والخدمة العامة، وعدم تجاهل العائلات التي يجب أن تدفع بالمؤهلين والكفوئين. وأملنا عدم الوقوع في التكرار وطرح أسماء مختلفة عن الموجود، تتمتع بميزات استثنائية”. 

القوى العائلية واليسارية والديموقراطية، التي تملك حضورا بين المقيمين في المدينة والعاصمة، تفتقر إلى الأطر التي توحدها، وإلى الماكينة الانتخابية وأساليب الدعاية ومقوماتها، والتي تراقب اليوم الانتخابات المقبلة من نوافذ الانتظار، قبل الكشف المبكّر عن أوراقها، التي ما زالت مشتتة. 

يُذكر أن أبناء المدينة يعدون 17167 صوتاً انتخابياً، لم يقترع منهم في انتخابات عام 2001 سوى 3203 ناخبين، اي بنسبة لم تصل إلى اكثر من عشرين بالمئة.

§ وصـلات:

 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic