
صورة كتاب غينيا بتغيير رقم تسجيل الطائرة
المؤرخ 24 تشرين الأول 2003 |
لعلنا كنا، لو كان المقام غير المقام، لنجد في الأمر ما يبعث على الضحك. لكن، من أين يأتي الضحك وكل ما حصل منذ الخامس والعشرين من كانون الأول من العام الماضي، تاريخ سقوط طائرة UTA بعيد إقلاعها بثوانٍ من مطار كوتونو، لا يشي إلا بأمر من أثنين: او الاستهتار بشأن في غاية الخطورة هو سلامة اللبناني وأمنه، او “المرونة” مع مجرمين أرتكبوا على الأقل القتل غير المتعمد بالإهمال وتجاهل شروط السلامة. من أين يأتي الضحك وحتى اليوم، يبدو ان التحقيقات التي تحصل في البلدان الثلاث المعنية بالحادث، اي بنين، غينيا ولبنان، تأخذ طريقاً دائرياً يعيدها مهما سرحت وبعدت إلى نقطة الصفر؟ وكأن فضاء المثلث الجغرافي للعواصم الثلاث هو في الحقيقة مثلث برمودا الذي تختفي فيه الطائرات والسفن وتذهب إلى حيث لا أحد يعلم مصيرها او المسؤول عن هذا المصير!
هل من المعقول بعد كل هذا الوقت أن يستمر مصير تسعة من ركاب الطائرة في حكم المفقودين في حين تحدثت مصادر اهالي الضحايا عن وجود جثث لضحايا سود البشرة قد يكونون بنغاليين (15 ضحية من بنغلادش عاملين في قوات تابعة للامم المتحدة) بين الجثث التي لم يُطالَب بها والموجودة لا زالت في كوتونو، مما يبعث على الاعتقاد ان لبنانيين قد يكونون دفنوا في بنغلادش بدلاً من الضحايا البنغاليين؟
ثم أين هو الطيار الليبي؟ ولم قبلت الدولة اللبنانية متمثلة بوزارة الخارجية ونتيجة مفاوضات مع الليبيين بأن يوضع في “الإقامة الجبرية” في .. السفارة الليبية في بنين كما قال مصدر في الخارجية للجنة اهالي الضحايا!؟ ألا تعني هذه “الإقامة الجبرية” على أراض ليبية هي حرم السفارة إبعاداً لهذا الطيار عن يد العدالة اللبنانية والبينينية لو توفرت، على الأقل لجهة استجوابه؟ وأصلاً كيف يستطيع المسؤول اللبناني أن يؤكد انه لا يزال في حرم السفارة في بنين حسب الاتفاق الذي أبرم مع السلطات الليبية؟ هل كانت المرة الأولى التي كان الطيار الليبي “يقود فيها الطائرة البوينغ؟ ولم لم يستجوب احد الطيارين الثلاثة: القبطان روبرت ل. كوزيول، وديفيد ج. بورنيت وراسل ه. يودر الابن، الواردة أسماؤهم في عقد بوليصة التأمين والذين لم يكونوا “مداومين” يوم تحطم الطائرة؟ متى أبعدوا عن قيادة الطائرة؟ وهل كانت المرة الأولى التي يقود الليبي فيها الطائرة؟
ثم لِمَ لم يصدر النائب العام التمييزي طلب أسترداد لدرويش الخازم؟ ولمَ إكتفى بمحضر الاستجواب الذي أرسل إليه من غينيا، خصوصا ان طريقة خروج درويش من لبنان لا ينطبق عليها إلا الهروب؟ كيف لا يطلب استرداد شخص قالت المصادر المطّلعة ونشر في الصحف انه كان المسؤول عن إجبار الطيار على الإقلاع على الرغم من تحذير الأخير؟ لا بل أنه وحسب مصادر اهل الضحايا والجرحى انه قال للطيار ان يغير طريقه الاعتيادي عن الطيران فوق البر إلى الطيران فوق البحر “حتى إذا وقعت منوقع بالماي”؟ وهذا ما حصل!
ثم كيف نقرأ في الجرائد ان النائب العام الأستئنافي عدنان عضوم “قرر وضع حد للتضارب بالمعلومات وانه أرسل كتاباً إلى شركة البوينغ في واشنطن عبر شعبة الاتصال الدولي يطلب بموجبه “التحديد وبصورة نهائية الرقم التسلسلي للطائرة” المنكوبة؟ خصوصاً وانه هو من أعلن جازماً، بتاريخ التاسع من كانون الثاني العام الحالي أنه قد “تبين ان الرقم التسلسلي هو للطائرة المنكوبة وليس لغيرها”؟ مع العلم انه الذي أثار قضية احتمال تزوير الرقم التسلسلي؟
ثم من كان يعلم ان طائرة UTA التي كانت كوتونو فيها أصلاً محطة غير شرعية حسب ترخيص الخط بين غينيا وبيروت، كانت ستتوجه، حسب ما قاله لنا احد الناجين، قبل بيروت إلى ..دبي، من دون ان تعلم بذلك أحداً إلا ركابها قبل الإقلاع بقليل وشفوياً؟
ولماذا يعمم في الصحف تداول بموضوع التعويض على الضحايا على أساس معاهدة فرصوفيا أي 25 ألفاً عن الراكب الراشد وعشرة آلاف عن الراكب القاصر(!!) وكأن الخسائر البشرية تقدّر بالكيلو والوزن، مع ان عقد التأمين (الصورة) وإعادة التأمين ينص على أساس 75 ألف دولار للراكب المتضرر كبيرا كان ام صغيراً؟
علوية
يطلق المحامي حسن علوية، رئيس “لجنة اهالي الضحايا” غير الرسمية بعد بسبب التخاير في الترخيص لها، تنهيدة طويلة قبل ان يفرد الأوراق امامنا. “الدعوى التي حضّرتها جاهزة” يقول. لكنه يتردّد في فتح كل الاوراق بحذر السياسي السابق. ثم يختار من الملف ورقة يرفعها من بين غيرها ويضعها امامنا شارحاً: “لدينا كتاب من وزير النقل الغيني سيللو دالين ديالو يقول إن الشركة هذه أي UTA أصبحت تحل محل الطيران الرسمي الغيني. ويقول إن التشغيل سيكون في طيارة بوينغ 737/800، المفارقة والفضيحة تكمن في ان ما أعتمد هو ليست الطائرة 737/800، وإنما طائرة من نوع 727، وهنا بدأت هذه المأساة. بحيث انه وحسب جدول الرحلات فقد ورد الى لبنان ومنذ البدء أي بتاريخ 28/6/2003 اكثر من خمس وعشرين رحلة جميعها على متن طائرة 727، فمعنى ذلك مخالفة واضحة لعقد التشغيل المادي: فحسب هذا العقد، أيضاً، لا يجوز لمستأجر الطائرة ان يغير نوع الطائرة إلا بموافقة المؤجر الذي هو عماد سابا.
المفارقة الثانية أن العقد المبرم بين الحكومة اللبنانية والحكومة الغينية، ينص على ان يبلغ أي طرف الطرف الثاني بمواصفات الطائرة التي ستعتمد. المخالفة هنا أصبحت واضحة، وأشار مدير عام الطيران المدني إلى ان هذه الطائرة لا تنطبق عليها الشروط، وأرسل كتابا بذلك ولم يُصحّح الوضع”.
يتنهد المحامي علوية مرة اخرى قبل ان يستأنف وقد ران على الحضور وجميعهم من اهالي الضحايا والجرحى الناجين من الكارثة الصمت والإنصات:
“المفارقة الثالثة أن عقد التأمين ينص على أسماء الطيارين بوصفهم أشخاصا متمتّعين بحد معين من الخبرة متمثلة بساعات طيران. لذلك وضع إسمهم في بوليصة التأمين وهم: الكابتن روبرت ل. كوزيول (23 ألف ساعة طيران إجمالية) دايفيد ج. بورنيت (مع 8650 ساعة طيران) وراسل ه. يودر الإبن (23ألف ساعة طيران)، هذا ما هو مدرج بعقد التأمين المتعلق بهذه الطائرة. المشكلة ان الطيارين استبدلوا بغير هؤلاء المكتوبة أسماؤهم بعقد التأمين، أي بليبيين وتقني من بيرو قتل في التحطم. أما الكابتن الليبي الطيار نجيب الباروني، والذي حاول الهرب في البداية، فقد اتصلنا بالوزير جان عبيد لنعرف أين هو، فأخبرنا انه لا زال بموجب اتفاق بين اللبنانيين والليبيين قيد الإقامة الجبرية في السفارة الليبية في كوتونو، ونتمنى ان لا يلحق بدرويش الخازم الذي هُرّب وسُرّب إلى المطار من مستشفى الرسول الأعظم. وهذا سؤال كبير: ونحن محامون ونعمل بالقضايا القانونية. عندما يُصدم شخص شخصاً، لا يعود باستطاعته السفر وتقام عليه تدابير إحترازية وتوقيفية ولا يمكن ان يغادر الحجز. فكيف بدرويش خازم؟ رجل مسؤول او هو احد المسؤولين المباشرين عن مقتل أكثر من مئة وأربعين شخصاً بين لبنانيين وغيرهم،.. هذا برسم الدولة والأمن، ومن هنا يجب أن ينطلق التحقيق: كيف سافر درويش خازم؟”.
ثم يستأنف المحامي أسئلته وشيء من الغضب بدأ يعتري لهجته: “لِمَ لم يصدر بعد تقرير الخبراء الاميركان والفرنسيين؟ ولم تأجل الإعلان عنه أكثر من مرة؟ سألنا المسؤولين قالوا لنا ان لبنان مشارك بصفة مراقب فقط في هذه اللجنة(!!) وإن مشاركته ليست فعلية”.

جدول الرحلات ويظهر ان الطائرة الحاملة للرقم الجديد وصلت بتاريخ 16 تشرين الأول 2003 الى بيروت اي قبل الكتاب بتسعة أيام |
يتابع بعد ان أخرج مستندات اخرى من ملفه: “ثم من خلال الرحلات وجدولها نرى هناك الكثير من الأمور التي تثبت الغش والتلاعب: في المستند المتعلق بعقد الإيجار بين أحمد خازم وعماد سابا، البند 21 يقول: “لا يحق للمستأجر ان يزيل رقم الطائرة ورقم التسجيل او أية أرقام تعريف بالطائرة ذات الرقم 21370” كيف إذا سمح لنفسه بإرسال كتاب إلى مدير عام الطيران المدني يقول فيه إن الطائرة ذات رقم التسجيل 3D fak أصبحت مسجلة في غينيا ورقم التسجيل هو 3XGDO؟ هذا أيضاً يثبت التلاعب”.
ويضيف: “كذلك إن الغش والتلاعب مبين في جدول الرحلات المرفق والمسلم إلينا من الطيران المدني. يبين انه يوجد رحلة بتاريخ 28/6/2003 وصلت إلى بيروت وعليها 159 راكباً. والطائرة رقمها 3X gdm، ومسموح لها بنقل 140 راكباً كما يتبين من بوليصة التأمين. وكيف نقلت هذا العدد وذهبت إلى الشارقة ثم عادت طائرة اخرى من الشارقة بتاريخ 9/7/2003 من دون ركاب غادرت بيروت بتاريخ 10/7/ إلى كوتونو وعليها 30 راكباً؟ وكيف ان الكتاب المسجل تحت رقم 7340 تاريخ 24/10/2003 يوضح ان الطائرة المسجلة تحت رقم 3dfak أصبحت مسجلة تحت الرقم 3xgdo وكيف وصلت الطائرة 3xgdo بتاريخ 16/10/2003والكتاب بتغيير الرقم وصل بعد تسعة أيام من وصولها إلى مطار بيروت؟ ومَن هو المسؤول عن التلاعب والسماح لها بتاريخ 16/10/2003 وبتاريخ 20/10/2003 و23/10/2003 بالهبوط؟ ألا يثبت ذلك ان الغش من قبل مالكي “أو تي أ” وعدم تقيدهم بكتاب المدير العام للطيران المدني بتاريخ 24/6/2003؟”.
ثم يختم: “الحقيقة ان كل هذه الامور تثبت اولاً المسؤولية التقصيرية التي نتج عنها قتل وجرح الركاب لجهة الحمولة الزائدة التي أثبتها الصندوق الأسود خاصة درويش خازم الذي تعتبر هذه الأمور مسؤوليته لأنه اوهم الطياّر وأعطاه الامر، ولو كان الطيار هو الطيار الحقيقي لما اقلع بالطائرة. خاصة أن رئيس مجلس الوزراء عند مقابلته أبدى استغرابه وقال: كيف يعطي شخص أمر الإقلاع للطيار..” ويسكت.
يحثه عضو اللجنة رياض نسيم وهو قريب الضحية جوزيف فهمي: “قلها يا أخي، إن لم ترد ان تقولها سأقولها انا. انا أيضا كنت هناك. لقد قال لنا انه وحسب معلوماته فإن الطيار قال لدرويش الخازم “إذا بدي طير بالطيارة بتوقع”. فردّ عليه درويش الخازم: “غيّر اتجاهها أحسن ما توقع فوق البشر بتوقع بالماي إذا بدها توقع”. نسأله غير مصدقين: “من قال ذلك؟” فيؤكد نسيم: “درويش الخازم. نتذكر ما قاله لنا أحد الجرحى الناجين نقلاً عن سيدة تعودت ان تستقل طائرة كوتونو بيروت، من انها استغربت كثيرا عندما أتجهت الطائرة فوق البحر قائلة: “هذا ليس بطريقنا، عادة ما نطير فوق البر”.
نسأل اللجنة عن الخطوة المقبلة فيقول رئيسها المحامي علوية: “نحن بانتظار ان نعرف الرقم التسلسلي للطائرة التي سقطت في كوتونو. غير معقول بعد خمسة وسبعين يوماً لم نحصل بعد على الرقم النهائي لهذه الطائرة! على ضوء هذا الرقم سنأخذ موقفاً: في تأمين؟ ما في؟ ثم سنحصّل حقوق أهالي الضحايا ونحمّل المسؤولية الجزائية.
لقد كانت كارثة كوتونو في الحقيقة كارثة على أهالي الضحايا، لقد مات الضحايا مرة اخرى بسبب التمييع والتعمية التي تمارسها دولتهم المسؤولة عنهم. نحن كأهل ضحايا نحس مثل الكرام في مأدبة اللئام. لم نحصل بعد على العلم والخبر، وهذا يؤخر جملة أشياء منها: إذا لم يطالب الاهل بالأمتعة بعد 15 يوما، لا يعود بمقدورنا المطالبة بها. مضى خمسة وسبعون يوما على الكارثة ونحن لا نستطيع القيام بأي إجراء.سفير لبنان في لندن بعث برسالة لوزارة الخارجية كي يكون هناك تمثيل قانوني لأهل الضحايا. وبناء عليه لا يجوز تأخير المعاملة. كم انني آسف للقول بان هناك محاولات لشق صفوف أهالي الضحايا. وهذه لا شك امور دنيئة”. نسأله ما هي فيرفض الحديث بالتفاصيل تاركاً الأمور إلى مواقيتها.