
عبد الرحمن
البزري |
بدت ساحة صيدا الانتخابية أمس وكأن الأمور عادت إلى نقطة الصفر، خاصة بين من كان مفترضا انهما بصدد الاعلان عن قيام تحالف انتخابي بينهما لخوض استحقاق بلدية صيدا وهما تيار النائب أسامة سعد والدكتور عبد الرحمن البزري. إلا ان الرسائل التي وجهها البزري وضعت الامور في سياق آخر وأوحت بأن العلاقة بينهما وصلت الى طريق مسدود، وان إمكانية التحالف شبه مستحيلة، وأبلغ رسالة كانت ما أشيع عن احتمال إعلان تفاهم بين البزري والجماعة الاسلامية في انتخابات بلدية صيدا، مما أعطى انطباعا بأن الامور بين سعد والبزري عالقة.
ويقول المتابعون للمشهد الانتخابي إن البزري أراد من وراء هذه الحركة سحب اسمه من بورصة الأسماء المتداولة لرئاسة البلدية بعدما اعتبر ان هذا التداول قد أضعف موقفه.
وفي قراءة سياسية لما حصل في صيدا يمكن الاستنتاج ان البزري كان ينوي خوض الانتخابات البلدية مع تيار سعد، إلا ان سقف المواقف السياسية للاخير لا ينتهي عند حدود المعركة البلدية بل هو يخوض معركة ضارية ضد الرئيس رفيق الحريري ومشروعه السياسي والاقتصادي، حتى أن أسامة سعد، في احتفال تكريمي في صيدا أمس، وبحضور النائب بهية الحريري، شن هجوما عنيفا على “منطق الاستئثار والنماذج المشوهة من الانماط القيمية السلبية التي تقوم على مبدأ الاحادية والتفرد الذي نشهد بعض تداعياته اليوم ولا يمكن إلا أن يؤدي إلى الفشل والضياع والجمود والتحنط، ولنا في صيدا أمثلة كثيرة على ما نقوله”.
ووفقا لما هو متداول فإن البزري لم يضع في حساباته مثل هكذا مواقف حادة تتطلبها المعركة البلدية، وانه لا يستطيع تحمل الأعباء المترتبة على هكذا خيار نظرا لوجود مصالح لتياره وحتى عائلته مع تيار الحريري، وانه ليس من أولوياته ضرب الحريري بل الاقتصاص ممن يمثلونه في صيدا من خلال المعركة البلدية. وعلى هذا الأساس اختار البزري الطريق الاقرب والاسهل أي الهروب الى الامام والتلاقي مع تيار الجماعة الإسلامية.
وهناك عامل آخر مفاده رفض سعد أي توافق رباعي في صيدا (الجماعة، الحريري، سعد، البزري) على قاعدة المجيء بالبزري رئيسا للبلدية. وذكر في هذا المجال ان الرئيس رفيق الحريري أبلغ البزري خلال لقائهما الشهير في قريطم “آتني بموافقة كل الاطراف السياسية على رئاستك لبلدية صيدا بما فيها تيار سعد وأنا أضمن لك انسحاب الزيباوي”. وكان الحريري يقصد بذلك أن يأتيه البزري بموافقة أسامة سعد.
في المقابل، فإن سعد كان واضحا مع البزري ويرغب في ان يبدأ الطريق كله معه، وفي حال قرر البزري عدم الترشح لرئاسة بلدية صيدا، كان سعد حسب أوساطه سيتحالف معه في الانتخابات النيابية المقبلة. ويأخذ سعد على البزري عدم وضوحه رغم صراحة الطرفين في طرح القضايا، فضلا عن الود الشخصي الذي يكنّه الواحد للآخر، حتى أن سعد قال للبزري “حظوظك أنت بأن تصل الى رئاسة الوزارة أكبر من حظوظي في المستقبل، وأريد أن أريحك من أية إرباكات”.
إذاً اختار البزري “الموقف الرمادي” أو النقطة الوسط، أي التحالف الثنائي مع الجماعة، ومشكلة هذا التحالف أو بالاحرى الموقف الحيادي انه يجعل البزري يفرط بالذي بين يديه دون أي مكاسب سياسية، وهذا الخيار لن يكون مقبولا لا من الحريري ولا من سعد ولو أن الأخير أقدر على الحصول على مكتسبات إضافية، وهو الطموح ذاته الذي تسعى اليه الجماعة الاسلامية التي أخذت خلال الفترة الماضية دور الوسيط بين أطراف المدينة سعيا منها للحصول على مكتسبات أفضل رغم علمها انها كانت هي نفسها مصدر شكوى من قبل من تحالفت معهم في الانتخابات البلدية في عام 1998 .
وإذا كان البزري لم يوافق حتى تاريخه على ان يكون عدنان الزيباوي رئيسا لبلدية صيدا معترضا على الطريقة التي قدم الزيباوي نفسه فيها، وفي المقابل فإن تيار الحريري ليس بوارد الخروج عن تبنيه للزيباوي، فهل سيكون اسم المهندس يوسف النقيب هو الحل لهذا المخرج بدلا من الزيباوي، خاصة ان الاخير تم التداول باسمه مؤخرا وهو صديق للبزري وبالاساس كان محسوبا على تياره.
في المقابل، فإن المبادرة التي أعلن عنها حزب البعث باتت في حكم المنتهية، لان من أحد شروطها الرئيسية هي ان يترشح البزري لرئاسة البلدية، وبما ان الأخير استنكف فإن المبادرة تعتبر منتهية.
والملاحظ أن البزري مهد لانسحابه بالقول أمام سائليه ان أي تقارب مع الجماعة الاسلامية يهدف الى إعادة تغليب المنطق الانمائي على المنطق السياسي في الانتخابات البلدية وبالتالي تغليب الاستحقاق البلدي على غيره من الامور.