لم يمرّ وقت طويل على انتخاب المجلس البلدي في القليعة في صيف العام 2001 حتى دبّ الخلاف والتنافر في داخله تمثل بشبه مقاطعة لخمسة من أعضائه جاءوا من لائحة منافسة حملت اسم “الوفاء للقليعة” برئاسة حنا أدمون ضاهر، في مواجهة الاتفاق “التوليفي” بين قطبي لائحة “الوفاق والتنمية”: أكبر المتعهّدين في المنطقة الحدودية حنا الخوري وبسام الحاصباني، القاضي بتقاسم رئاسة ولاية المجلس (ثلاث سنوات) مناصفة بينهما، وكذلك نيابة الرئيس بين لطف الله ضاهر ويوسف دعيبس؛ وكانت قمة “انفجار” الصراع، عندما حان موعد تخلّي رئيس البلدية حنا الخوري عن دوره لبسام الحاصباني، وتمنّع الخوري وإلحاح الحاصباني، وخروج هذا “الكباش” إلى الشارع وأحياء البلدة، ما استدعى تدخل الجهات الحزبية والأمنية التي رعت الاتفاق قبل الانتخابات، فرضخ حنا الخوري بعد شهر ونصف الشهر من الوقت المقرر للأمر، غير أنه أبقى على لافتة في الشارع الرئيسي للبلدة، تشير إلى “منزل رئيس البلدية”، أي منزله.
ومن عاش تجربة بلدية القليعة، يعرف أن “عسلها” لم يدم طويلاً، فالقليعة التي تنتقل فيها “الخبرية”، بسرعة البرق، خضعت “لهوى” التنافر والتخاصم والتجاذب، وراحت أخبار مواقف “التحدي” بين قطبي الرئاسة، الأولى والثانية، تشغل بال أهلها، الذين يرزحون أصلاً، تحت وطأة واقع اقتصادي “لا يحسدون عليه” بسبب تراجع الزراعة وفرص العمل أمام الآلاف الذين كانوا يتوزعون، طوال ربع قرن من الاحتلال، إما بالعمل في فلسطين المحتلة، أو في “جيش لبنان الجنوبي”؛ وإذ بالمئات من شبابها يستدعون إلى خدمة العلم، فيما “يمنع عليهم التوظيف في الجيش وقوى الأمن الداخلي وغيرها، بسبب شبهة التعامل مع إسرائيل؛ ولذا تنتشر في البلدة نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل” والكلام لحنا الخوري.
أما اليوم، فمعركة “الديكة” عينها التي سبقت انتخابات بلدية 2001، عادت لتظهر بلوائح متعددة غير ملتقية حتى الآن، رأس التحدي فيها، لائحتان يسعى كل من حنا الخوري وبسام الحاصباني إلى تأليفهما، بدعم من الوزير أسعد حردان، لكل لائحة على حدة، بحسب تأكيد قطبي اللائحتين؛ فيما أعلنت مصادر حنا ضاهر عن بدء تأليف لائحته؛ ولم ينف الدكتور جوزيف سلامة الذي توزعت أصوات عائلته في الانتخابات الماضية، وهي أكبر عائلات البلدة، بين جميع اللوائح ولم تأت إلا بمرشح واحد على لائحة الخوري، سعيه لتأليف لائحة رابعة؛ فيما يدور حديث عن إمكانية تأليف لائحة خامسة.
هذا التنافس وكل ما يحوطه من عرض ل”العضلات” وتجدد وعود “التوظيف”، بعد تراجع عدد الهاربين إلى إسرائيل، إلى ما دون الألف، ووضع الدولة نحو أربعمئة اسم ممن خضعوا لأحكام قضائها العسكري، على جدول الممنوعين من التصويت، لا يخفي حقيقة مرة في القليعة، هي افتقار البلدية أصلاً، إلى الأموال والمساعدات التي يمكن أن تنهض بها من حال مزرية في الطرقات والأحياء واحتياجها إلى ورشة كاملة متكاملة في البنى التحتية والأرصفة، فضلاً عن تراجع للنشاطات الثقافية والاجتماعية، غير الأعياد؛ وإذ ببعض الأموال التي دخلت إلى صندوق المجلس في خلال أقل من ثلاث سنوات من عمره، تشرع الباب على سيل من الاتهامات وعلامات الاستفهام حول وجهة صرفها.
ويقول الرئيس الحالي الحاصباني “إن أحداً من جماعتي لم يتلقّ قرشاً واحداً من أموال البلدية، ومنذ مجيئي صرفت البلدية ما بين 70 أو 80 مليون ليرة، ولن أدخل في تفاصيل ما صرفه غيري، من قبلي؛ جيّرت مستحقاتي في البلدية نحو مساعدات اجتماعية يعرف أبناء القليعة وجهة توزيعها. أما ما شهدته البلدية من خلافات، فلم تكن جوهرية، إنما ضد التسلّط والديكتاتورية التي مارسها البعض. وما كان متفقا عليه في تقاسم رئاسة البلدية فكان أدبياً، وغيري تأخر عن موعد تسليمي شهرا ونصف الشهر، وهذا لأن عرّاب الاتفاق نفسه، لم يف بوعده”.
وأكد الحاصباني نيته في تأليف لائحة “منفردة، تتمثل فيها أوسع شريحة من البلدة وعائلاتها؛ ستكون مدعومة من الوزير حردان، ابن المنطقة. نحن ضد ممارسة الضغوط على الناس، ليتركوا إلى حرية اختيارهم، حتى يتمكنوا من تحديد رئيسهم المقبل لبلديتهم؛ أما إذا كان الطرف الآخر مدعوماً من السلطة، فعندها لا حول ولا... ونحن على مقربة من الجميع، ممن يمثلون الخط الوطني”.
أما حنا الخوري فهو باتجاه تأليف لائحة كاملة “نواتها ستة أو سبعة من لائحتنا السابقة، وبدأنا اتصالاتنا لاستكمال اللائحة. لا نعرف إلى أين تتجه الأمور، ولم ترشح أي نواة عن لوائح أخرى، والعائلة الكبيرة في البلدة، بيت سلامة، “نايمين”؛ والوقت أمامنا، نحو شهرين، قد تتبلور فيها الكثير من الأمور”. وأوضح أن “البلدة تحتاج إلى الكثير الكثير؛ (لماذا لم تقم بها البلدية المنتخَبة من قبل؟) كان صندوق البلدية خاوياً، وبرغم ذلك قمنا ببعض المشاريع، كالمطمر الصحّي وجدران الدعم. غير أن الأولوية في المرحلة المقبلة، هي لإيجاد فرص عمل للشباب ومئات المتخرّجين، الذين حاولوا البحث عن عمل، إلا أنهم مجرد إعلانهم عن أنهم من القليعة، يتهمون بالعمالة ويحرمون من الفرص. سنحاول تغيير هذه الفكرة”.
ويلفت الدكتور جوزيف سلامة، الساعي إلى تشكيل لائحة إلى “تململ في البلدة من تكرار الوجوه، التي تحاول قيادة القضايا العامة. خير ما نتمنّاه هو قدوم النخبة إلى المجلس البلدي حتى تتمكّن من إدارة أمورها والعمل من أجل المصلحة العامة، وليس المصالح الضيقة لبعض الأشخاص، التي فرّقت في السابق عائلات البلدة عن بعضها؛ والقليعة اليوم، أشد ما تحتاج إليه هو الوحدة، لا أن تأتيها لوائح فوقية. وأظن أن الواقع الذي كان بعد التحرير تبدّل نوعاً ما، وتراجع الخوف عند الناس، وهذه إشارات مهمة يجب أن يستغلها “الأوادم” في القليعة. أنا يمكن أن أنسحب لمصلحة لائحة توافقية يلتم الناس حولها، وإذا بدأت فوقية، فلن أتراجع”.
وأشار طارق ضاهر إلى أن أبناء القليعة يقعون ضحية “المحاصصة السياسية والنفوذ السياسي والأمني. لذلك سنسعى إلى دعم تشكيل لائحة برئاسة حنا ضاهر، مستقلة، لأهل القليعة ومن أبنائها، تمثل مصلحة البلدة بالتنسيق مع الدولة التي يجب أن ترعى أي مجلس بلدي قادم، ولسنا ضد أي وزير أو نائب، أو “جهاز”، لكن، لتتعامل الدولة معنا بعدالة، وليس بالترهيب والتخويف والقوة”.