وقفوني على الحدود
نبيه عواضة

السفير -- (الأربعاء، 14 نيسان «أبريل» 2004)

     وحدة وانتظار، مكان رتيب، غبار مكدس، مقعد صغير، صورتان كبيرتان... غرفة باردة مخصصة لمن يتسنى احتجازه من مُهرِبين... او مُهرَبين. فكرت بالفرار فالمكان ليس لي... 

اسمع صوت خطوات، لقد جاؤوا، يبدو انهم فتشوا حقيبتي وعثروا على شيء ما، لكن لا يوجد سوى بعض الكتب، يرغب الاسرى في السجون الاسرائيلية بقراءتها، فالوقت عندهم قاتل، اضافة لصور عن تحرير الجنوب والاسرى واخرى عائلية، لكنهم لم يأتوا، فقد ضاعت الخطوات بين الدهاليز... 

اصوات بعيدة بعضها قادم من الخارج وبعضها الآخر من غرف مجاورة... أين مرور الزمن.. لماذا لا يعبر، ماذا عن السنوات العشر الماضية بين الجلمة وعسقلان. لي الحق بأن يكون الوقت مختلفا حتى لو بقيت هنا، لكن هدير الافكار واحد، تسرب الهواء خلسة، رائحة الجدران، استراق السمع، متابعة الاصوات، التأمل جيدا في تفاصيل الغرفة... اقترب الصوت، ورنت المفاتيح، عرفت هذه اللحظة من قبل، انها الحرية فابتسمت... فتح الباب واتجهت كالعادة خلف الجندي، مع فارق لم اكن مكبلا او معصوب العينين، مرة اخرى تحقيق... نعم أسير محرر من السجون الاسرائيلية... نزع الورقة البيضاء انها المحضر، اعرفها جيدا فمن بعدها اما يتم تحويلي الى عمان او اعادتي الى سوريا... سررت مرة اخرى.. فذاكرتي جيدة... احتار المحقق في الصياغة فساعدته عبر التحدث بالقليل من الفصحى... المقاومة.. الحزب الشيوعي. العملية التي اسرت بها. حزب الله. عمليات امنية في عمان. ذكرته بمزارع شبعا المحتلة، وإن كان من نشاط فهو هناك وليس عندكم. ختم المحضر، فانتهت الجولة الثانية من التحقيق، فعودة الى غرفة التوقيف. 

لم يخرج الملك من الغرفة ولم يبدل ثيابه، اردت التحدث اليه، نظرت جيدا في زيه الملكي، فالبدلة ذاتها التي يلبسها والده الراحل، انها انيقة جدا، لكن كيف يقبل ان تعلق هنا. فالمكان مخصص للانتظار والعيش وقتا لا بأس به مع الوحدة. فكرت بلقاء الاحبة القادمين من الجولان الى عمان، هل وصلوا آمنين ام انهم هم الآخرون محتجزون في غرفة ما على الحدود، لكن عند مَن، ضابط اردني ام اسرائيلي، فبينهم ايضا اسرى محررون. 

الحقيبة معي الان فلماذا لا ارحل. لكن الباب مغلق وجواز سفري مصادر... تأملت وجه الملك الصغير، انه لا يزال مبتسما، قلت في نفسي هل يعرف كل العابرين من هنا والمنتظرين ها هنا.. هل يعرف قصصهم انا مختلف عنهم بعض الشيء فلماذا لا يحدثني. فليسألني عن سنوات اسري في اسرائيل. فقد نسي المحقق ذلك. عادة عندما اصادف الغرباء يرغبون بان احدثهم عن قساوة التعذيب فليفعل. فلينظر لي كمواطن عربي.. وليتكلم معي. انا اقبل بأي حديث عن معاناتي او حتى عن معاناته، فقد سمعت ان القادة العرب منهمكون في ايجاد حل لقضية عقد القمة العربية. 

بضع ساعات وانا مصلوب في مكاني، قبل ان يتم تحويلي الى ضابط اخر اشرف على اجراءات العودة. مرت ساعات وانا عالق في تفسير ما يمكن ان ينتظرني.. امامي جلالته، الذي تركته برفقة والده مبتسمين، رغبت باللقاء عن طريق اخرى. وحتى لو وصلت حينها الى عسقلان، فهناك لا شك، سأجد من ينتظرني من الاسرى الباقين في المعتقلات الاسرائيلية، بخلاف وحدتي، وحواراتي المملة، ومصيري التائه، هنا عند اول وآخر الحدود العربية. 
 

** نبيه عواضة، اسير محرر من السجون الاسرائيلية، تم توقيفه واستجوابه على الحدود الاردنية لمدة ثلاث ساعات.

 
(أعلنت لجنة دعم الأسرى والمعتقلين في الجولان السوري المحتل ان السلطات الأردنية منعت الأسير المحرر نبيه عواضة من دخول الأراضي الأردنية، بعدما أوقفته وأخضعته الى التحقيق. وكان قد دعي الى الأردن لحضور الحفل الفني للمطرب الملتزم سميح شقير في فندق ريجنسي بالاس في العاصمة الأردنية.)

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic